2
الفصل الثاني
يبدأُ يومي في تمامِ الساعةِ السادسةِ صباحاً.
أستيقظُ مع خيوطِ أشعةِ الشمسِ الأولى التي تلوحُ في الأفقِ، وأقومُ بتغطيةِ أخي الذي سقطَ على الأرضِ أثناءَ نومِهِ.
أودُّ لو كان لديَّ المتسعُ من الوقتِ لأقومَ بجدلِ شعري الطويلِ الذي يصلُ إلى خصري بشكلٍ جميلٍ، لكن لا وقتَ لديَّ اليومَ.
‘كان هناك زبونٌ لديهِ موعدٌ في الصباحِ الباكرِ’.
تناولتُ ملعقةً من عصيدةِ الشوفانِ الباردةِ، وربطتُ شعري على عجلةٍ.
بجانبِ ربطةِ شعري، رأيتُ باقةً صغيرةً من الزهورِ البريةِ المنسوجةِ. هذه هي عادةُ أخي عندما يشربُ؛ يقطفُ الزهورَ الجميلةَ وينسجُها ليهديها لي.
تبدو مهارةُ نسجِهِ للأزهارِ الورديةِ مع البراعمِ الخضراءِ دقيقةً ورقيقةً للغايةِ.
“تشي.”
خرجت مني ضحكةٌ خافتةٌ.
وضعتُ باقةَ الزهورِ بين خصلاتِ شعري وربطةِ الشعرِ، ثم ألقيتُ نظرةً سريعةً على المرآةِ.
رغم أنَّ الزهورَ الورديةَ لا تناسبُ شعري الرماديَّ تماماً، إلا أنَّ الإحساسَ بقدومِ الربيعِ جعلَ قلبي يخفقُ ببهجةٍ دون سببٍ.
“إنَّها جميلةٌ حقاً.”
لو كان لديَّ فستانٌ ورديٌّ مثل فستانِ سارة لكانت أجملَ بكثيرٍ. أو حتى ذلك الفستانُ الأخضرُ الذي صنعتْهُ ماري بيل مؤخراً.
للأسفِ، كلُّ ما أملكُهُ هو فستانانِ أصفرانِ بَهتَ لونُهما، وسترةٌ بنيةٌ، وشالٌ مزينٌ بدانتيلٍ رخيصٍ. وحتى هذهِ الملابسُ يجبُ أن أحافظَ عليها بعنايةٍ.
تفحصتُ ملابسي للتأكدِ من عدمِ وجودِ ثقوبٍ، ثم قمتُ بكيِّها بعنايةٍ لتبدوَ مرتبةً. أعتقدُ أنَّه يمكنني ارتداؤها لنصفِ عامٍ آخرَ.
السادسةُ والنصفُ. حان وقتُ مغادرةِ المنزلِ.
صـرير..
فتحتُ بابَ الكوخِ الصغيرِ الذي تكسوهُ أوراقُ اللبلابِ، فاستقبلتني السحبُ البيضاءُ الكثيفةُ المعلقةُ فوق تلالِ الجبلِ.
تسللت خيوطُ الشمسِ بين أشجارِ البلوطِ لتلمعَ بلونٍ ذهبيٍّ.
قال أحدهم يوماً إنَّ مناظرَ قريتنا تشبهُ لوحةً فنيةً خالدةً.
لكنَّ الصباحَ الذي يلي هطولَ المطرِ، هو أجملُ بأضعافٍ من أيِّ لوحةٍ تحاولُ التقاطَ لحظةٍ عابرةٍ.
توقفتُ أمامَ البابِ للحظةٍ، واستنشقتُ هدوءَ المشهدِ بعمقٍ.
مجردُ التنفسِ هنا كان يملؤني بالسكينةِ.
“حسناً، لنبذل جهدَنا اليومَ أيضاً.”
نزلتُ عبرَ الطريقِ الجبليِّ المتعرجِ، فبدأت تظهرُ البيوتُ ذاتُ الطوبِ الأحمرِ المصطفةُ بجانبِ بعضِها البعضِ.
هذه بيوتُ جامعي الأعشابِ الذين يعيشونَ قربَ الجبلِ. وبالقربِ منها يقعُ منزلُ العم بيل والعمة مونيكا، اللذينِ قدَّما لنا مساعدةً كبيرةً لنستقرَّ في هذهِ القريةِ.
‘يا بنيتي، انسَيْ كلَّ ما حدثَ لكِ من آلامٍ. اعتبري هذا المكانَ موطناً لكِ، وكلُّ ما نرجوهُ هو أن تكبري بصحةٍ جيدةٍ’.
لن أنسى أبداً تلك الكلماتِ التي قالاها لي.
“قوقوقو”، رأتني الدجاجةُ فخرجت من الخمِّ، وتلتْها الكتاكيتُ الصفراءُ الصغيرةُ في طابورٍ خلفَ أمِّها.
“يا دجاجةُ، لا تلحقي بي. عودي للداخلِ فوراً.”
قوقو.. مسحتُ على الدجاجةِ الحزينةِ وكتاكيتِها واحداً تلو الآخرِ، ثم انعطفتُ في الزقاقِ لأدخلَ إلى وسطِ القريةِ.
ثلاثُ خطواتٍ فقط من هنا و..
“واو، هل هو الكرواسون اليومَ؟”
كالعادةِ، فاحت رائحةُ الخبزِ الطازجِ في الأرجاءٍ.
فتحتُ جيبي لأتفقدَ ما معي من مالٍ ثم تنهدتُ بعمقٍ. لكي أتمكنَ من دفعِ الضرائبِ لسيدِ مقاطعةِ كرومويل غداً، يجبُ أن أكتفيَ بالعصيدةِ والبطاطسِ حتى اليومِ.
وبينما كنتُ أهمُّ بالرحيلِ.
“هيزل!”
فتحت العمة ماريا بابَ المخبزِ وأوقفتني. كانت تحملُ في يدِها قطعَ كرواسون يتصاعدُ منها البخارُ.
“عمة ماريا، صباحُ الخيرِ!”
لوحتُ لها بيدي مع ابتسامةٍ مشرقةٍ، فردت عليَّ بابتسامةٍ أكثرَ إشراقاً.
“هيزل دائماً مجتهدةٌ في عملِها. لقد صنعتُ نوعاً جديداً من الخبزِ اليومَ، فهل تتذوقينَهُ؟”
“.. هل يمكنني ذلك حقاً؟”
أخذتُ الخبزَ بابتسامةٍ خجولةٍ. هذه هي المرةُ الثالثةُ هذا الشهرَ التي أحصلُ فيها على خبزٍ للتذوقِ.
أنا أعلمُ يقيناً أنَّ هذا كرمٌ منها لأنَّها تشفقُ عليَّ، ولذا أشعرُ دائماً بالامتنانِ تجاهَها.
بمجردِ أن احتضنتُ الخبزَ الدافئَ، خفَّت خطواتي وتراقصت من الفرحِ.
خرجتُ من وسطِ القريةِ المرصوفِ بالأحجارِ البيضاءِ الواسعةِ، ودخلتُ الزقاقَ المجاورَ لمكتبةِ الجدِّ ألبرت الذي أكملَ عامَهُ المئةَ هذا العامَ.
كان الزقاقُ مظلماً بسببِ الأشجارِ الضخمةِ التي تحجبُ الضوءَ.
هناك، يقعُ متجرُ الخردواتِ الصغيرُ الخاصُّ بي وبأخي.
متجرُ غولدن.
على عكسِ اسمِهِ الذي يوحي بتراكمِ الذهبِ، هو متجرٌ لا يتراكمُ فيهِ سوى الغبارِ.
“لقد مالتِ اللافتةُ مرةً أخرى.”
قمتُ بتعديلِ اللافتةِ الخشبيةِ المائلةِ، ثم أدرتُ مقبضَ البابِ الذي تقشرَ طلاؤُهُ تماماً.
رن.. رن..
تحركَ الجرسُ الذي على شكلِ سمكةٍ والمعلقُ خلفَ البابِ.
المتجرُ من الداخلِ ضيقٌ جداً لدرجةِ أنَّه لا يتسعُ لأربعةِ أشخاصٍ معاً، لكنَّه كان أكثرَ إشراقاً بكثيرٍ من الزقاقِ.
“كيف حالُكِ؟ يا نبتتي الصغيرة، هل حدثَ أيُّ شيءٍ غريبٍ الليلةَ الماضيةَ؟”
ألقيتُ التحيةَ على النبتةِ في الأصيصِ تحت إطارِ النافذةِ، ثم قضمتُ قطعةً من الكرواسون الدافئِ.
تفتتت طبقاتُ الخبزِ الهشةُ، وانتشرَ مذاقُ مربى التوتِ وكريمةِ الكاستردِ في فمي. بدأتُ أدندنُ لا إرادياً من شدةِ المذاقِ.
“ممم، لذيذٌ جداً. العمة ماريا عبقريةٌ حقاً.”
بقدرِ إعجابي بالمذاقِ، شعرتُ بالأسفِ في قلبي.
من الواضحِ أنَّه خبزٌ باهظُ الثمنِ، فهل يحقُّ لي تناولُ شيءٍ كهذا؟
لكن على عكسِ مشاعري، كان فمي يلتهمُ الخبزَ بسرعةٍ فائقةٍ. يبدو أنَّ السببَ هو أنَّني لم أتذوقْ طعاماً لذيذاً منذُ ثلاثةِ أيامٍ.
أعطيتُ قطعةً صغيرةً من أطرافِ الخبزِ التي لم يصلْ إليها المربى لقطةِ شوارع، ثم ربطتُ المئزرَ الأبيضَ المعلقَ على الحائطِ الأيمنِ.
كنستُ فتاتَ الخبزِ والغبارَ بالمكنسةِ، ورتبتُ البضائعَ على أرففِ العرضِ لتظهرَ بشكلٍ جيدٍ.
معظمُها بضائعُ قديمةٌ لا أعرفُ متى سيتمُّ بيعُها.
“يجبُ على أخي أن يعملَ حتى نتمكنَ من إحضارِ بضائعَ جديدةٍ..”
أخي يعملُ فقط بالقدرِ الذي يقينا من الجوعِ، وحتى في تلك الأيامِ يكونُ دائماً ثملاً.
“لقد أوشكت مياهُ التطهيرِ على النفاذِ، ماذا سنفعلُ.”
مياهُ التطهيرِ.
هي ماءُ الحياةِ اللازمُ لتطهيرِ الأجسامِ والأشياءِ الملوثةِ بالسحرِ الأسودِ.
وهي السلعةُ الأساسيةُ في متجرِ غولدن.
نحن لا نبيعُ ماءَ تطهيرٍ بنسبةِ 100%، بل نبيعُ فقط محاليلَ مخففةً بنسبةِ 10% و30%.
وحتى هذهِ المحاليلُ لا تجدُ الكثيرَ من الزبائنِ في هذهِ القريةِ الجبليةِ التي لا تتأثرُ تقريباً بالسحرِ الأسودِ.
عرضتُ حتى مياهُ التطهيرِ التي كنتُ قد ادخرتُها لحالاتِ الطوارئِ على منصةِ البيعِ، ثم تفقدتُ قائمةَ الحجوزاتِ.
معظمُ الأسماءِ مألوفةٌ لي.
باستثناءِ شخصٍ واحدٍ فقط لديهِ موعدٌ في الساعةِ الثامنةِ.
بارون.
“من هذا؟ إنَّه اسمٌ لم أرَهُ من قبلُ.”
الغرباءُ الذين يزورونَ قريةَ لودين ينقسمونَ إلى ثلاثِ فئاتٍ فقط.
الفئةُ الأولى: أقاربُ سكانِ القريةِ، وهم الذين فرُّوا من الحربِ الأهليةِ وعادةً ما يستقرونَ هنا.
الفئةُ الثانيةُ: سكانُ قلعةِ كرومويل، وزياراتُهم نادرةٌ باستثناءِ وقتِ جمعِ الضرائبِ، وعلاقتُهم بالسكانِ ليست جيدةً.
الفئةُ الثالثةُ: جيشُ الإمبراطوريةِ.
الجيشُ الإمبراطوريُّ الذي لا ينحازُ لأيِّ طرفٍ في الحربِ المستمرةِ منذُ أكثرَ من 15 عاماً.
وهم يتبعونَ فقط أوامرَ الدوق سيدريك، القائدِ الأعلى للجيشِ، ويزورونَ قريةَ لودين بانتظامٍ للحصولِ على مياهُ التطهيرِ قبل الذهابِ لمناطقِ الوحوشِ.
رن.. رن..
عندما أعلنتِ السمكةُ عن وصولِ زبونٍ، رسمتُ ابتسامةً مشرقةً تلقائياً. فالاستقبالُ اللطيفُ من أساسياتِ صاحبِ المتجرِ.
“أهلاً بكَ!”
لمحتُ شعراً أسودَ ناعماً يلوحُ من خلفِ البابِ.
دخلَ الرجلُ، الذي كان أطولَ بكثيرٍ من بابِ المتجرِ، وهو يحني رأسَهُ بشدةٍ ليدخلَ.
ولم يكن طويلاً فحسب، بل كان جسدُهُ أضخمَ بمرتينِ من الشخصِ العاديِّ.
انجذبت عينايَ تلقائياً لكتفيهِ العريضينِ وعضلاتِ ظهرِهِ القويةِ التي توحي بقوةٍ بدنيةٍ هائلةٍ.
‘هل هو جنديٌّ؟’
لم أسمعْ أنَّ الجيشَ الإمبراطوريَّ سيأتي اليومَ.
“هل هذا هو متجرُ غولدن للخردواتِ؟”
داعبَ صوتُهُ العميقُ، الذي لا يقلُّ قتامةً عن لونِ شعرِهِ، أذنيَّ.
قشعريرةٌ خفيفةٌ سرت في جسدي.
عندما رفعَ رأسَهُ، لمعت عيناهُ الحمراوانِ كالجواهرِ ببريقٍ باردٍ.
سقطت أشعةُ الشمسِ على عظامِ حاجبيهِ المنحوتةِ وجسرِ أنفِهِ المستقيمِ.
‘واو…’
كان وجهُهُ جميلاً لدرجةٍ غيرِ واقعيةٍ، مما جعلني أعجزُ عن الكلامِ.
رجلٌ خطيرٌ لا يناسبُ هذهِ القريةَ الهادئةَ.
كان هذا هو انطباعي الأولُ عنهُ.
وجدتُ نفسي أحدقُ في وجهِهِ دون وعيٍ، وعندما التقت أعينُنا، أدرتُ رأسي بسرعةٍ.
‘يبدو أنَّني حدقتُ فيهِ طويلاً. أتمنى ألا يفهمَ الأمرَ بشكلٍ خطابئٍ’.
للعلمِ، الرجالُ الوسيمونُ وذوو الأجسادِ القويةِ ليسوا من ذوقي.
يكفي أن أنظرَ لأخي لأعرفَ أنَّ الرجلَ الوسيمَ لا فائدةَ منهُ. أما الرجلُ الضخمُ، فلا يفعلُ شيئاً سوى التهامِ الكثيرِ من الطعامِ.
الرجلُ الحقيقيُّ هو الرجلُ المجتهدُ.
والرجلُ المجتهدُ غالباً ما يشبهُ حبةَ بطاطسٍ خرجت للتوِّ من الحقلِ؛ لا يكونُ جسدُهُ ضخماً بل قوياً ومتماسكاً.
هؤلاءِ هم الرجالُ الذين لا يتركونَ عائلاتِهم تجوعُ أبداً.
العاملُ المجتهدُ هو العريسُ المثاليُّ في القريةِ الريفيةِ.
“كـحم”، تنحنحتُ لأستعيدَ هدوئي، ثم رسمتُ ابتسامةً مشرقةً مرةً أخرى.
“نعم، هذا هو متجرُ غولدن. هل أتيتَ لشراءِ مياهُ التطهيرِ؟”
“ليس تماماً، أبحثُ عن صاحبِ هذا الشيءِ.”
عندما اقتربَ من منصةِ الحسابِ، شعرتُ بهيبةٍ وكأنَّ جداراً ضخماً يقتربُ مني.
لمحتُ عضلاتِ صدرِهِ القويةَ من بين فتحاتِ قميصِهِ الواسعِ.
لو كانت سارة هنا لصرخت من الإعجابِ، أما أنا فقد شعرتُ بالإحراجِ فقط.
‘يا لهؤلاءِ الغرباءِ’.
بدأت عينايَ تدورانِ يمنةً ويسرةً بغيرِ هدىً.
في تلك اللحظةِ، أخرجَ خاتماً من صندوقٍ صغيرٍ ووضعَهُ على المنصةِ.
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 2"