بعد أن غادر السّحرة كالسّهم ، بقيتُ وحدي مع كايين ، فلم أستطع الهرب ، و اكتفيت بالوقوف هناك بتوتّر.
‘لماذا تتصرّفين و كأنّ شيئًا لم يحدث؟’
صوت كايين و هو يطرح ذلك السّؤال ظلّ يطنّ في أذني بلا انقطاع.
لا شكّ في أنّ شيئًا حصل بيني و بينه ليلة البارحة.
لكن ، من كان يتوقّع أن يذكر ذلك هكذا ، في هذا الصّباح الباكر ، و فوق ذلك أمام سحرة آخرين؟!
‘لا ، لم يقل صراحةً إنّه يقصد ذلك الشيء’
لا داعي لارتباكٍ غير مبرّر. سأساير الوضع و كأنّي لا أفهم شيئًا.
حاولت التحدّث بأكثر صوت طبيعيّ ممكن.
“أي … أمر تقصده يا سيّدي؟”
“و لماذا تتظاهرين بعدم الفهم؟”
تقدّم كايين نحوي بخطوات واسعة. و في اللحظة نفسها اجتاحني ذلك العطر الصّافي المشابه لغابة صنوبر.
تساءلتُ كثيرًا … كيف يمكنه أن تكون رائحته جيّدة بهذا القدر دون أن يضع عطرًا أصلًا؟
يقولون إنّ حاسّة الشّمّ أقوى محفّز للذاكرة. و هذا ما حدث بالضبط ، إذ تسلّلَت ذكريات البارحة إلى ذهني بسرعة.
انطبقت صورة كايين الواقفة أمامي مع صورة كايين في تلك الليلة. و بدأ قلبي يدقّ بقوّة.
‘إلى … إلى أيّ مدى ينوي الاقتراب؟’
بهذه الطّريقة سنلتصق ببعض فعلًا.
تمامًا مثل ليلة أمس …!
أطبقت عينيّ فجأة و صرخت: “لـ … لحظة رجاءً!”
فتحتُ عيني بعدها بقليل—
“…….”
كان كايين واقفًا جامدًا.
يده مرفوعة أمام جبيني … دون أن تلامسه.
… آه.
عندما رأيت يده المعلّقة هناك ، فهمت الحقيقة.
كان فقط يريد لمس جبيني.
‘ليتحقّق من حرارتي … و يتأكّد من أنّني بخير’
إذًا ، سؤاله الذي قاله قبل قليل لم يكن يقصد به معنى عميقًا.
كان يقصد: لماذا تتصرّفين و كأنّ شيئًا لم يحصل لجسدك بينما أنتِ متعبة؟
‘يا إلهي! لماذا تقولها بذلك الأسلوب المريب أيّها الرجل المجرم …!’
لا … ليس ذنبه ، الذّنب ذنبي.
كنتُ أنا من بالغ في استحضار ما حدث البارحة و تحوّل الأمر عندي إلى حساسيّة مفرطة.
و الصّراحة؟ من الطبيعي أن يحصل ذلك.
عضضتُ شفتي و أنا أتذكّر ما حدث.
***
حين كنت أراقب القبض على فيليكس ثم فقدت وعيي …
“آه ….”
فتحت عيني ببطء.
يبدو أنّني أصبت بدوار بسيط لثوانٍ ، لكن عندما استعدت وعيي وجدت نفسي في مكان غريب.
كانت غرفة فاخرة جدًّا. و كنت ممدّدة على أريكة مزخرفة.
و على مقربة مني … كان كايين.
“يا سيّدي؟ أين … نحن؟”
“في القصر الإمبراطوري. أحضرتكِ إلى غرفة فارغة كي تستريحي”
“أشعر أنّني بخير … لكن كم من الوقت نمت؟”
“أقل من خمس دقائق”
تنفّست الصّعداء. لم يكن الأمر سيّئًا إذًا.
رفعتُ جسدي قليلًا من على الأريكة.
“آسفة. يبدو أنّني أصبت بدوار مفاجئ. ربّما يجب عليّ فعلًا ممارسة الرياضة كما قلتَ أنت …”
ثم—سقط جسدي ثانية على الأريكة.
“أ-أه …؟”
شعرت و كأنّ قوّتي ذابت تمامًا مثل طفل لا يستطيع تحريك أطرافه.
و بينما كنت أرتبك ، نقر كايين لسانه بخفوت.
“ابقَي ساكنة. الأمر أشبه بآلام العضلات”
“آلام عضلات …؟”
“لقد استخدمتِ قنوات المانا لديكِ بقوّة فجائيّة. هذه هي الآثار الجانبيّة”
“آه … الآن فهمت”
إذن هذا نوع من “التشنّج” في قنوات المانا.
و بالفعل ، لقد استخدمت المانا كثيرًا عندما ضربت فيليكس.
لم أندم على ذلك. كان الأمر مرضيًا للغاية.
لكن …
طقطق— ، طقطق—
بدأت أسناني تصطكّ ، و ارتجفتُ من شدّة البرد.
“هل … هل … القصر لا يدفّئ جميع الغرف … على ما يبدو …”
قلت ذلك و أنا أرتجف ، فأطلق كايين تنهيدة خفيفة و أشار بيده.
“تحرّكي قليلًا إلى الجانب”
“……؟”
مع استغراب ، فعلتُ ما قاله.
جلس في المكان الفارغ ثم رفع رأسي بلطف ، و وضعه على ركبتيه.
‘أه؟ أ … أه؟؟’
شعرت بخطّ عضليّ صلب تحت خدّي. و ارتفع الدم إلى وجهي.
إنّه … قريب جدًا.
إذا رفعت رأسي سأجد وجهه فوقي مباشرة ، و هذا ليس جيّدًا لصحّة قلبي.
“سيدي؟ لِمَ …؟”
“هكذا أسرع”
أسرع؟ ماذا؟
لم أحتج للسؤال.
‘آه …’
شعرت بطاقة دافئة و منعشة تسري من حيث يلامس رأسي جسده.
هذه بالتأكيد مانا كايين.
كان الشعور يشبه الغوص في مياه هادئة عميقة.
و كأنّ وجودي بين ذراعيه يجعل العالم الخارجي لا يستطيع إيذائي.
‘حتى الارتجاف اختفى …’
مع أننا تلامسنا أثناء الرقص من قبل ، لم أشعر بهذا من قبل.
كان واضحًا الآن: كايين فتح قنوات ماناه بالكامل من أجلي.
من أجل مساعدتي.
ارتسمت ابتسامة لطيفة على شفتي دون قصد.
و تكلّمت بصوت ناعم: “أنا … أشكرك اليوم. لفتحك قنوات المانا لدي”
“لو كنت أعلم أنّك ستنهارين هكذا لما فعلت”
“لا بأس. حتّى لو كنت أعرف أن هناك آثارًا جانبيّة … كنت سأقبل بها. لقد شعرت براحة كبيرة. أشكرك حقًا”
و بفضل الدفء ، داهمتني غفوة خفيفة.
غفوة لطيفة هذه المرّة.
و كانت كافية لمسح المسافة بين ما أفكّر و ما أنطق.
“لقد أسديتَ لي الكثير من المعروف … أكثر ممّا تتوقّعه. و أنا … ممتنّة لك دائمًا. حقًا … من قلبي”
لم يردّ.
لكنني لم أشعر بالحرج. فقد كانت أمواج النّعاس تجرّني معها.
ثم …
“عادةً … الناس يقولون شيئًا بقلوبهم … و يقولون شيئًا آخر بأفواههم” ، همس صوته المنخفض قرب أذني ، “إلّا أنتِ”
“…….”
“أنتِ وحدكِ غريبة”
“…….”
“لماذا … أنتِ وحدكِ هكذا؟”
شعرت بيده تمرّ فوق شعري برفق.
كان ذلك اللمس بمثابة تهويدة.
و بينما كنت أغرق في النوم …
مسّ شيءٌ ناعمٌ جدًّا جبيني.
‘أه …؟’
حتى و أنا أنزلق في النوم … فكّرت:
‘هل … تلك كانت … شفتاه؟’
شفتاه …؟
أم أنّني كنت أتخيّل …؟
تلاشت أفكاري في الظّلام.
***
… إلى هنا تنتهي ذكريات ليلة البارحة.
و في الحقيقة ، هناك مشاهد ضبابيّة أخرى … مثل أنّني بعد أن وضعت رأسي على ركبتيه ، بدأت أعانقه من خصره و أتدلّى عليه مثل قطة.
ربّما كان جسدي يبحث عن المزيد من المانا فقط … لكن النتيجة هي أنّني الآن— أشعر بخجل قاتل.
لقد ضاعت أنفاسي.
‘لا أستطيع النظر إلى وجهه الآن …!’
لذلك تهرّبت من عينيه و قلت سريعًا: “لقد نمتُ جيدًا. جسدي بخير الآن. شكرًا لاهتمامك!”
****
“شكرًا لاهتمامك. سأذهب الآن لبدء عملي!”
قالت فريجيا ذلك ثمّ هربت.
هربت مثل ظبية فزعة.
و بينما كان كايين يراقب ظهرها و هي تبتعد سريعًا —
‘… هل اكتشفت شيئًا …؟’
ذلك هو الشيء الوحيد الذي سيطر على فكره.
لا ، لا يوجد ما يُكتشف أصلًا. كان كل ما فعله هو قياس حرارتها فحسب. لا شيء غير ذلك.
لم تكن هناك أيّ نيّة خفيّة.
… حسنًا ، هذا أيضًا كان كذبًا.
كان يريد أن يعانقها مجددًا بحجّة تمرير المانا.
فما حاجته إلى هذا الفائض من المانا أصلًا؟
و لو كان يصبّه في قنوات فريجيا الضعيفة … فالطرفان سيستفيدان منه.
هذا … جنون.
غطّى كايين وجهه بيده الكبيرة.
يبدو أنّه فقد صوابه بالفعل.
هل شعرت فريجيا بهذا الجنون … و هل هربت لذلك؟
فريجيا ذكيّة.
“هاه ….”
تنفّس كايين بعمق.
كانت هناك مشاعر تفيض داخل قلبه.
كأسٌ امتلأ عن آخره.
قطرة واحدة إضافيّة … و ستفيض المشاعر بعنف بلا رجعة.
و مع ذلك … لم يستطع العثور على طريقة … للتنفيس.
التعليقات لهذا الفصل " 91"