لقد بدا كايين منزعجًا بحقّ ، حتى إنّ الأمر أخافني كثيرًا.
بدا أنّ بؤبؤي عينيه الذهبيتين فقدا تركيزهما قليلًا ، و كأنّ نظره على وشك أن يفقد توازنه.
كأنّ قنبلة يدوية أُزيلت منها دبوس الأمان وُضعت أمام وجهي. حاولتُ التظاهر بالهدوء و قلتُ: “ليس عليك الإجابة الآن”
فجأة تذكّرتُ طريقة الهروب من المفترسات. أن تحافظ على التواصل البصري ، تتحرّك ببطء ، لا تستفزّها ، ولا تدِر لها ظهرك … لا ، إنّ الدوق إنسان و ليس وحشًا ، فلماذا أفكّر بهذه الطريقة؟
“لذا ، رجاءً اهدأ أولًا …”
“فريجيا”
ارتجّ عمودي الفقري بقشعريرة.
كانت المرّة الثانية التي يناديني فيها كايين باسمي.
تقدّم نحوي خطوة واحدة.
شعرتُ برغبةٍ غريبة في التراجع ، لكن خلفي لم يكن سوى الدرابزين.
و في تلك اللحظة—
“أوه ، كنتما هنا معًا!”
هوو …
انهارت أعصابي المتوترة و خرج نفسي دفعة واحدة.
استدرتُ نحو مدخل الشرفة حيث ظهر الشخص الثالث.
كان صاحب الصوت هو وليّ العهد.
“يا إلهي ، هل أفسدتُ عليكما لحظةً حميمة؟ إن كان كذلك ، فجيّد”
اقترب وليّ العهد بابتسامته الودودة المعتادة.
“يا سيدتي ، بما أنّ العاصمة محافظة للغاية ، لو سمع أحد الفضوليين بهذه المشهد ، لانتشرت الشائعات سريعًا. لحسن الحظ أنّني من وجدتكما أولًا”
غمز لي وليّ العهد بمزاحٍ لطيف.
تقدّم كايين خطوة ليقف بيني و بينه ، كأنه يقطع الطريق.
“ما الأمر ، سموّك؟”
“حقًّا يا أخي ، لقد تماديتَ اليوم. ألم تكن خمسة ملايين ذهبة مبلغًا مبالغًا فيه؟ إنه ميزانية قسمٍ صغير لعامٍ كامل”
آه ، كما توقّعت.
حتى من منظور غير شخصٍ عادي ، فخمسة ملايين ذهبة مبلغ ضخم حقًّا.
شعرتُ بالدهشة من ثروة كايين و قدرته على التصرّف بذلك السخاء ، و حرّك ذلك خفقة خفيفة في صدري.
نظر إليّ وليّ العهد و قال بنبرةٍ عاتبة قليلًا: “بالمناسبة ، يا سيدتي ، لم ترتدي الفستان الذي خصّصتُه لكِ في ذلك اليوم”
لو قالها هكذا دون شرح ، ألن يثير سوء فهم؟
“كان ليبدو رائعًا عليكِ ، يا للأسف”
“ما هذا الكلام”
قال كايين بوجهٍ متجهّم متضايقًا.
“لِمَ يهدي سموّك فستانًا لسكرتيرتي؟”
“الليدي فيوليت هي سكرتيرك ، لا عبدتك. محاولة السيطرة على كل ما يحدث خارج برج السحر تُعدّ ، بلسان العصر الحديث ، استبدادًا”
“…….”
رمقه كايين بنظرةٍ مخيفة لدرجة أنني لو كنت مكانه لانهارت ركبتاي من الرعب.
لكن يبدو أنّ وليّ العهد ذو جلدٍ سميك. فقد ظلّ يبتسم بعينيه دون أن يطرف له جفن.
“في المرّة القادمة ، أرجو أن ترتدي ذلك الفستان أيضًا. أظنّه سيليق بكِ جدًّا. كما أنّني أودّ أن أراكِ ترتدين شيئًا اخترتُه لكِ بنفسي”
فقال كايين بصوتٍ خافت و هو يخطو نحوه: “أظنّني قد نبهتُك مسبقًا أن تكفّ عن ألاعيبك الرخيصة”
“و قد أجبتُك بدوري أنّ من حقي أن أعبّر عن مشاعري كيف أشاء”
تصادمت نظراتهما في الهواء كالسيوف.
و بعد لحظات ، كان وليّ العهد هو من حوّل بصره أولًا. بدا وجهه أشحب قليلًا مما كان عليه قبل قليل.
ابتسم نحوي بلطفٍ مصطنع و قال: “في المرة القادمة سأشتري لكِ فستانًا أجمل ، فستانًا يجعلكِ ترغبين في ارتدائه من تلقاء نفسك. هذه المرّة خسرتُ في عدد الألماسات المعلّقة عليه ، كما يبدو”
“كفَّ عن الهراء”
قال كايين بنفاد صبرٍ ظاهر.
“ادخل في صلب الموضوع ، أو دعنا نغادر”
“في الحقيقة ، لم آتِ من أجل الليدي ، بل لأجلك أنت ، يا أخي الصغير”
نظر وليّ العهد نحوي بعينين تلمعان بمعنى خفي.
“هل تمانع إن سمعت الليدي؟ فقد يكون الأمر خطيرًا عليها إن علمتْ به بالصدفة”
خطيرٌ عليّ إن سمعتُه؟ أنا سكرتيرة الدوق ، أقرب الناس إليه!
نظرتُ إلى كايين بتوسّلٍ صامتٍ كي يسمح لي بالبقاء.
لكنّه قال ببرود: “عُودي أولًا إلى القاعة الرئيسة”
***
و في النهاية ، عدتُ وحدي إلى القاعة الرئيسة تاركةً الرجلين خلفي.
كانت رقصة الفالس قد بدأت بالفعل.
دارت الأجساد في انسجامٍ رائعٍ حول بعضها ، مشهدٌ بديع.
‘أين يا ترى تكون لونا الآن؟’
وقفتُ على طرف القاعة أحتسي شراب الفاكهة.
كنتُ أشعر بنظراتٍ متفرّقةٍ من هنا و هناك ، لكن أحدًا لم يقترب. و هذا أراحني ، إذ استطعتُ شرب الكأس بهدوء دون أن أضطر إلى محادثة أحد.
غير أنّ نظرةً واحدةً كانت أكثر حِدّة من سائرها ، كأنّها وخزت خدي مباشرة.
استدرتُ لا إراديًا نحو مصدرها ، فالتقت عيناي بعيني رجلٍ لم أرَه من قبل.
لم يكن في عمري ، بل في منتصف الثلاثينات على الأرجح.
حين التقت نظراتنا ، ارتبك الرجل و أدار وجهه سريعًا.
كنتُ على وشك أن أفعل الشيء نفسه حين سمعته يُنادى: “ألين ، كنتَ هنا إذًا!”
ناداه أحدهم بفرحٍ و هو يقترب منه.
‘ألين؟’
الاسم مألوف … آه ، صحيح.
‘تحقّقنا ممّن كان يعمل مساعدًا آنذاك ، فتبيّن أنه استقال من الأكاديمية ثمّ نزل إلى الأقاليم و عاش حياة بذخ حتى مات من إفراط الشرب’
‘و الذي أغدق عليه المال ليسكر بتلك الصورة ، كان الكونت ألين شميت. هل سمعتِ به من قبل؟’
تظاهرتُ بأنني لا أهتم ، فيما أصغيتُ خلسةً إلى حديثهما.
لم أستطع سماع صوت ألين ، لكن لحسن الحظ كان محدّثه صاحب صوتٍ عالٍ.
“آه ، حقًّا؟ كما قال سموّ وليّ العهد ، ذوق الكونت مميّز بحق!”
في تلك اللحظة ، غادرتُ مكاني. خشيتُ أن ينتبه الكونت شميت إلى أنني أتجسّس عليه.
و رغم أنّها كانت ملاحظة قصيرة ، فقد حصلتُ على معلومة.
‘ألين شميت على علاقةٍ بوليّ العهد’
قد تكون مصادفة. بل الأرجح أنّها كذلك ، إذ لا رابط مباشر بين سرقة أطروحتي في الأكاديمية و وليّ العهد.
و مع ذلك ، خزّنتُ المعلومة في ذهني.
‘لكن الدوق تأخّر أكثر مما توقّعت’
هل طال الحديث بينه و بين وليّ العهد؟
كنتُ أفكّر هكذا و أنا أتمشّى ببطء على أطراف القاعة حين سمعتُ صوتًا يناديني.
“أيتها الآنسة”
شابٌّ في أوائل العشرينات على الأرجح اقترب منّي.
“هل تأذنين لي برقصة واحدة ، إن لم يكن في ذلك إزعاج؟”
رأيتُ مجموعة من الشبان خلفه ينظرون نحونا و يتهامسون ، و كأنّهم ينتظرون نتيجة رهان.
ربّما راهنوا على ما إذا كنتُ سأقبل طلبه أم لا.
ابتسمتُ بأدبٍ و قلتُ: “عذرًا ، لديّ موعدٌ مسبق”
“لكنكِ … رجاءً ، امنحيني فرصة واحدة فقط!”
كان أكثر إصرارًا مما توقعت.
لماذا هو يائس هكذا؟ هل راهن بمبلغٍ كبير؟
حدّقتُ فيه باستغراب ، فقال بتلعثمٍ شديد: “بسبب هيبته ، لم يجرؤ أحد على الاقتراب منكِ ، فأصبحتِ كالزهرة المعلّقة على الجدار! لكنّي تجرأتُ و جئتُ أدعوكِ للرقص!”
“……؟”
“فلا تتجاهلي شجاعتي ، أرجوكِ!”
أيّ منطقٍ هذا …؟
بمعنى آخر ، هو يطلب مني الرقص لأنّه أنقذني من مصير “زهرة الجدار” بشجاعته؟
وقفتُ مدهوشةً من منطقه الغريب حين دوّى خلفي صوتٌ مألوفٌ لاذع: “هل لم يُطهَّر القصر من الحشرات بعد؟ يبدو أنّ الذباب بدأ يلتفّ هنا”
التعليقات لهذا الفصل " 87"