10 - على بعد خطوة من الحقيقة
فتحت عينها بصعوبة، اتضحت رؤيتها الضبابية تدريجيا قبل ان تكتمل الصورة امامها، عندها استوعبت أنها بالخيمة.
في تلك اللخظة دخل جيمس وهو يحمل بعض الملابس. جلست آنا دون قول شيئ وانتظرت ليتحدث أولا، لكنه اكتفى بالسكوت لذا قررت التحدث أولا.
«كيف عرفت حقيقتي؟».
إستدار نحوها ومد لها الملابس قائلا.
«غيري ملابسك اولا حتى لا تصابي بالبرد».
لم تمسكها لذا قرر وضعها بجانبها على الفراش وخرج. بعد خروجه نهظت وغيرت ملابسها وهي تفكر فيما حدث قبلا.
من سحبني في تلك اللحظة، انه الملك لقد قفز بالبحيرة…
فتحت الخيمة لتخرج ولم تتوقع أن الليل قد حان بالفعل، اتجهت نحو جيمس الذي كان جالسا أمام النار لتجلس أمامه.
«عليك تناول هذه القطعة الكبيرة لقد أوصى الملك بنفسه ليتم اصطياد أكبر جاموس بالغابة».
«جيمس أريد التحدث معك في أمر أهم من الطعام حاليا».
توقف عن الأكل و وضع ما بيده، ثم رفع نظره إليها.
«لا أريد أن أعرف سبب تنكرك… لكنني أريدك أن تغادري في أسرع وقت ممكن».
«إن تم اكتشافك داخل القصر ستكون التهمة كبيرة فلن ينظروا إليك كفتاة متخفية بزي خادم بل كخطر والعقوبة ستكون الإعدام».
أنا اعرف هذا…
نهض من مكانه واقترب خطوة ومد يده نحوها. «سرك سيكون في أمان لكن بالمقابل سأكون مدينا لك بمعروف».
نظرت آنا إلى يده الممدودة لثوان طويلة، قبل أن ترفع نظرها إلى وجهه…
انه صادق.
ابتسمت ابتسامة خفيفة ومدت يدها بدورها لتصافحه.
«لماذا قفزت في البحيرة؟».
شدت آنا أصابعها فوق ركبتها لسؤاله المفاجئ ولم تجبه.
ظلت صامتة.
طال الصمت بينهما حتى أدرك جيمس أن هذا السؤال لن يجد له إجابة.
«حسنا سؤال آخر إذا».
رفعت نظرها نحوه.
«ما اسمك الحقيقي؟».
«آنا».
كرر الاسم في ذهنه ثم اكتفى بإيماءة خفيفة. «حسنا يا آنا…».
في تلك اللحظة كان ويليام يقف على مسافة غير بعيدة، يراقب المشهد بصمت. لم يسمع الكلمات لكنه رأى الجو الغريب الذي جمعهما، وأن هناك شيء يخفى عنه…
وهذا الإحساس لم يخطئه حدسه قط.
أشعر أن هناك سر بين هذين الإثينين.
أشعر أن قلقي كان أكثر من اللازم سيكون سري بأمان مع جيمس لهذه اللحظة، لكنني يجب أن أتأكد من شيئ مهم. اذا كنت قد رأيت عالمي في البحيرة هل يعقل أن الملك أيضا قد رأى شيئا عندما قفز لإنقاذي؟.
الأهم من ذلك يبدو أن رغبتي كانت مترددة هذا ماسبب مشكلة في أخر لحظة وإنغلقت فتحت الضوء.
كانت رائحة اللحم المشوي لا تزال عالقة في الهواء، مختلطة بدخان النار والأغاني الخافتة التي كان بعض الجنود يرددونها.
جلس جيمس وآنا قرب النار ألسنتها ترقص أمامهما وهي تلتهم الحطب الجاف بصوت طقطقة.
مد جيمس قطعة لحم نحو آنا.
«كلي انت بالكاد أكلت قطعة صغيرة لا أحد يعرف إن كنا سنأكل شيئا جيدا غدا».
«أكلت بما يكفي لست في سباق للاكل».
«أنت فقط تخافين أن تهزمي أمامي… ».
ضربت قدمه بخاصتها وهمست.
«توقف عن التحدث معي بصيغة المؤنث!».
رفع يديه في إشارة للاستسلام ومرر اصبعه السبابة والابهام في حركة زم الفم عن الكلام.
«خطأي لن اكررها…».
فجأة اقتربت مجموعة من الحرس وهم يضحكون ويتمايلون قليلا، أحدهم صرخ من بعيد.
«جيمس! جيمس! اسمع ما لدينا!».
رفع جيمس رأسه بكسل. «ما الذي حصل الآن؟».
تقدموا حولهما وفي يد أحدهم كأس مليء حتى الحافة وقال بحماس مبالغ فيه.
«الملك أعطانا اليوم برميلا كاملا من الشراب! برميلا كاملا!».
أضاف أحدهم وهو يضرب جيمس على كتفه.
«برميل كامل هذا يعني لن نتوقف قبل الصباح!».
فتح جيمس فمه ليعترض لكنهم لم يعطوه فرصة وسحبوه معهم، وكما تم سحب آنا.
تجمع الحرس حول البرميل، ووضعت الأكواب الخشبية على الأرض. كان الجميع في مزاج مرح ومستعد للفوضى.
«اليوم سنشرب حتى الفجر! الملك نفسه منحنا البرميل!».
مرر أحدهم كأسا لجيمس وآخر وضع كأسا في يد آنا قبل حتى أن تفهم ما يجري رفع الجميع أكوابهم مرة واحدة وشربوا دفعة واحدة.
«نخب الملك!».
آنا أخذت جرعة صغيرة، فاحترق حلقها وسعلت فورا.
منعها في تلك اللحظة جيمس من الشرب، حالتها الصحية لازالت غير مستقرة بعد الاحداث السابقة التي مرت بها.
أحدهم تنحنح مقترحا. «لنلعب لعبة! الذي يخسر يشرب!».
هتف البقية موافقين، اللعبة بسيطة رمي حجر صغير داخل دائرة مرسومة إن أخطأت تشرب.
«بما أن هذا الفتى جديد بيننا… فليبدأ هو!».
نظر جيمس إلى آنا بسرعة معترضا الفكرة.
«لماذا يبدأ هو؟».
ضحك الحارس وهو يميل بجسده للأمام.
«لأنه الأجدد هكذا هي القواعد دائما».
نظر الحرس لآنا بانتظار رد وبعضهم يبتسم بسخرية خفيفة وبعضهم بحماس.
«أنا… أبدأ؟». قالت وهي تضحك فوق قلبها.
رد الجندي الأول وهو يصفر.
«نعم! أنت تبدأ الجولة أثبت نفسك يا فتى!».
اقترب أحدهم ووضع كأسا أمامها على الأرض.
«حسنا ارم النرد إن خسرت تشرب الكأس».
اعترض جيمس. «سأرمي أنا هو شرب بما يكفي وايضا هو متعب».
لكن الحرس صرخوا دفعة واحدة تقريبا وهم معارضيين. «لا! لا! الجديد!».
في تلك اللحظة مدت آنا يدها نحو النرد قبل أن يلمسه جيمس وقالت بثقة. «سأبدأ!».
رمت بالنرد بدقة لكن للاسف سقط خارج الدائرة تماما.
«خسرت! اشرب!،اشرب!…».
أراد جيمس التدخل فورا فسحب الكأس من أمام آنا. «سأشرب مكانه».
رفع الكأس وشريه دفعة واحدة تحت انظار الجميع.
«انظروا لهذا الفتى الضعيف لا يستطيع الشرب! دع أمه تحضر له حليبا بدلا من الشراب!».
رفعت آنا الكأس من يده بعناد وقالت بصوت مرتفع. «… اسكبوا لي!».
نظروا لها بدهشة ثم انفجروا بالضحك مرة أخرى.
«هل أنت متأكد؟».
قالت آنا وهي تشد فكها. «املأه!».
وبالفعل تم ملأه حتى الحافة، أمسكت به بكلتا يديها، شربت… وشربت… وشربت.
انسكب القليل على ذقنها لكن لم تتوقف حتى أنزلت الكأس فرغا.
عم الصمت لثانيتين قبل ان يندلع الهتاف الحماسي.
«هذا الفتى مجنون!».
وانفجروا جميعا بالضحك، وبدأوا يضربون كتفها بقوة فرحا.
لم يمضي وقت طويل قبل ان تدرك انها اخطأت بشرب تلك الكمية الوفيرة…
اكتشفت انها شاربة سيئة كما اتضح.
بدأت آنا ترى النار وكأنها ترقص أكثر من اللازم، والوجوه تتحرك ببطء.
«انت لا تتحمل الشراب وشربت ذلك الكأس دفعة واحدة…».
«أنا لست ثملة!».
لم يرد المجادلة أكثر فوجهها الذي تحول للون الوردي، وتمايلها كان دليلا واضحا.
اتجه ليحضر لها كوبا من الماء بعد أن أسندها على جذع الشجرة.
جلست هناك رأسها مائل قليلا للخلف، وعيناها ترمشان وكأن كل شيء يدور حولها.
بعد لحظات اقترب أحد الحرس ووقف أمامها وقال بصوت رسمي.
«إن الملك يطلب رؤيتك الأن».
رفعت آنا رأسها ببطء وهي تحاول التركيز في وجهه. «الملك؟، الآن؟، لماذا؟».
رغم أنها لم تفهم ما الذي يدفعه لطلب رؤيتها في هذا الوقت إلا أنها سارت نحو خيمته، أكبر خيمة في المعسكر تحيطها حراسة مشددة. سمح لها الحراس بالمرور فور رؤيتها فقد كانوا على علم بقدومها.
فتحت الستارة ودخلت لتراه واقفا وكأس النبيذ يتمايل بين أصابعه دون استعجال.
قال دون أن يلتفت. «أرى أنك قد أتيت يا خادمي العزيز».
لم تعرف آنا لماذا شعرت أن كلماته كانت أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة…
«هل طلبت مني القدوم للبحيرة لتقوم بانتحار مثير؟».
وضع الملك كأسه على الطاولة ثم استدار نحوها، ومع كل خطوة كان يقترب كانت آنا تتراجع للخلف بشكل متبعثر.
«كنت لتقول لي سيكون سهلا جدا أن أقطع رأسك». قالها بنبرة منخفضة هادئة حد الإزعاج.
ابتلعت آنا ريقها وتراجعت آخر خطوة حتى اصطدمت بالخيمة، نظرها مشوش وعقلها مترنح. رفع ويليام ذراعه ووضع كفه بجانبها على القماش حاجبا طريقها.
أغمضت آنا عينيها للحظة دون أن تتمكن من الرد.
«لماذا أشعر وكأنك تخفي شيئا مهما للغاية؟».
فتحت آنا عينيها ببطء وهي ما تزال تتأرجح وتترنح في مكانها، وكأن الأرض تتحرك أسفل قدميها.
هل إكتشف أنني فتاة؟…
لكن تلك الأسئلة اختفت بسرعة عندما انزلقت عيناها إلى شيء آخر تماما.
أزرار قميصه الأولى كانت مفتوحة والفراغ بينها كشف جزءا من جلده.
كان من المفترض أن يكون الزر الرابع أيضا مفتوحا…
لم تدرك حتى أنها توقفت عن التنفس ولم تدرك أنها توقفت عن الاستماع إليه أصلا.
«هل يجب أن أستعين بالقوة لتخبرني ما أريد…».
توقف فجأة عن التحدث فقد لاحظ ارتخاء ملامحها، والشرود الذي خطف عينيها لصالح شيء آخر تماما.
«أنا أتحدث معك…».
سأل لكن آنا لم تجبه. بدلا من ذلك ارتفعت يدها نحوه دون وعي، أصابعها تتحرك كما لو كان شيء ما يجذبها.
ارتفع حاجباه بدهشة وانحنى قليلا إلى الأمام وهو يراقب أصابعها تقترب من صدره.
«جلالتك سيكون أفضل لو كان هكذا…».
في جزء من الثانية ارتد ويليام للخلف بسرعة، كأن يدها كانت جمرة وبدأ يغلق أزرار قميصه.
«ما الذي تفعله!». قالها بصراخ وانفعال لم يكن معتادا منه.
قطبت آنا حاجبيها بتعجب وكأنها استيقظت فجأة من حلم، حدقت في يدها ثم فيه وقالت بارتباك. «أنا… لا… لم أقصد.!».
رفع ويليام ذقنها قليلا ونظر إليها بدقة.
«أنت مخمور؟».
ركزت آنا عينيها عليه بصعوبة.
«أنا؟! لا… أنا لست مخمورا!».
لكنها اضطرت لتثبيت قدمها على الأرض كي لا تميل للأمام.
«كيف انتهى بك لامر لا تستطيع حتى الوقوف؟».
آنا رغم الارتباك رفعت رأسها وقالت بعناد.
«أنا أقف جيدا انظر!…».
ولإثبات ذلك حاولت تغيير وزنها على قدمها
لكن الأمر جعلها تتأرجح قليلا.
مد ويليام يده تلقائيا وكأنه يستعد للإمساك بها إن سقطت، لكنها تمسكت فقط بيده قبل أن تقف مجددا.
«أنا… سأخرج الآن».
استدارت لكنها نسيت الخيمة خلفها فارتطم كتفها بالقماش وتوقفت.
تجمدت في مكانها لثانية ثم استدارت ببطء شديد كي لا تلتقي عيناها به.
عاد جيمس وهو يمسك كوب الماء بحذر كي لا ينسكب، لكن حين وصل عند الشجرة كانت المساحة خالية.
«أين براين؟». سأل وهو يلتقط أي أحد من الجنود بعينيه.
اقترب منه أحد الحرس وهو يتجشأ من الشراب وقال بلا مبالاة.
«براين؟ الملك استدعاه قبل دقيقة…».
«استدعاه؟ إلى أين؟».
أشار الجندي بإصبع ثقيل نحو الخيمة الأكبر في الوسط.
«خيمة الملك…».
توجه نحو الخيمة بخطوات طويلة، ينما اقترب كان الباب القماشي يتحرك.
خرجت آنا ببطء وخطواتها متعثرة ووجهها محمر، اقترب منها جيمس بسرعة.
«براين!».
رفعت رأسها بصعوبة. «جـ… جيمس؟».
أخذت منه كوب الماء شربت جرعة صغيرة أولا… ثم أخرى حتى ارتوت.
بينما بدأ وعيها بالعودة تجمدت فجأة.
قميص الملك… الأزرار… يدها… كلامها…
فكرة أنها كانت على وشك فتح الزر الرابع!.
فتحت عينيها على وسعهما ثم رفعت يدها وصفعت وجهها بكفها بقوة جعلت جيمس ينتفض.
«ماذا تفعلين؟!». قالها وهو يحاول أن يفهم.
أغمضت عينيها ودفنت وجهها بين يديها.
«لماذا… لماذا لم أمت قبل أن أفعل ذلك».
« ما الذي حدث؟».
هزت رأسها بسرعة. «لا… لا شيء».
في صباح اليوم التالي، كانت آنا في الخارج مع بقية الخدم لتناول الإفطار.
حدقت في صحنها، تقلب محتواه بلا إدراك.
البارحة… كان يوما جنونيا بحق.
جيمس اكتشف حقيقتي.
فشلت في العبور إلى عالمي.
وفوق ذلك… يبدو أن بعض الحرس من مرافقي الملك الذين كانوا حاضرين، ما زالوا يتهامسون حولي.
والبارحة كنت غبية، كيف سأستطيع النظر إلى وجهه الآن؟!.
أفاقت من أفكارها على صوت ارتطام مفاجئ.
سقط صحن طعامها على الأرض وتناثر محتواه.
«نعتذر، لم نقصد ذلك… لكن أظن أنك تحاول إنهاء حياتك، لا بأس بالبقاء جائعا لفترة أليس كذلك؟».
لم ترد آنا.
لم تعتد هذا النوع من المواقف…
على الأقل، ليس في هذا العالم.
هل سأتعرض للتنمر مجددا؟.
هؤلاء الحرس، تحديدا من حاشية الملك لم يكونوا يستلطيفونها أبدا.
تدخل جيمس فجأة، فتراجع الجميع خطوة إلى الخلف. «ما الذي يحدث هنا؟».
«إن رأيت أحدا آخر يضايقه فلن أكون متسامحا».
تبادلوا النظرات وهم يتهامسون، لكن لم يجرؤ أحد على الرد.
انسحبوا بصمت بينما ابتعد جيمس بدوره.
بقيت آنا واقفة تراقب ظهره وهو يبتعد.
كان يجب أن أشكره…
حتى إنه ساعدني البارحة عندما كنت ثملة وأعادني إلى خيمتي.
بعد فترة قصيرة، بدأ الحرس بالتجمع وتجهيز الأحصنة.
رحلة أخرى؟
يبدو أن الجميع منشغل بالتحضير… إلى أين سيذهب الملك اليوم؟.
خرج ويليام مرتديا معطف الفراء.
بدا وسيما على نحو أربك آنا للحظة دون أن تشعر.
«سيكون براين وجيمس معي في المقدمة».
تقدمت آنا وجيمس خلف ويليام مباشرة،
نكزت آنا ذراع جيمس بخفة.
«هل من خطب ما؟». سألها.
«لا… أنا بخير أردت فقط شكرك على ما حدث قبل قليل وعلى البارحة أيضا…».
كان ويليام في المقدمة على حصانه، وجيمس كذلك بينما كانت آنا تمشي فهي لا تجيد امتطاء الخيل أساسا.
كانت الابتسامة تشق وجهها دون وعي.
التفت جيمس ليراها بتلك الحالة، ثم عاد ينظر للأمام وهو حائر.
هل ما زالت آثار الثمالة عليها؟!.
كانت آنا شاردة تماما، حتى لم تنتبه لخطواتها…
فتعثرت وسقطت أرضا على وجهها.
هذا مؤلم جدا…
كيف لم أنتبه للطريق؟، ماذا يحدث معي بحق السماء؟.
استدار ويليام بحصانه وقال بنبرة ساخرة.
«ألا ترى أمامك؟ هل عيناك ملتصقتان بوجهك كزينة إضافية؟».
نزل جيمس بسرعة وتقدم نحو آنا ليساعدها على الوقوف. «يمكنك الركوب على حصاني إن كنت متعبا؟».
لم تجبه آنا، كانت مشغولة بنفض الثلج عن ملابسها.
قال ويليام بانزعاج واضح. «لا داعي لذلك يمكنه المشي».
استدار جيمس وآنا في اللحظة نفسها نحو الملك.
لم يتوقعا نبرته الغاضبة، فتصلبا فورا، ثم استقاما وواصلا السير بصمت.
استمروا في السير قرابة ساعتين،
حتى توقفوا أخيرا، لترمي آنا نفسها أرضا من شدة التعب.
تكاد روحي تخرج من جسدي…
هل من الضروري المشي كل هذه المسافة من أجل الصيد؟.
ألا يستطيع الصيد في مكان أقرب؟!.
لم تمض ثانية واحدة على جلوسها حتى قال ويليام. «لا يزال أمامنا القليل سنواصل التقدم».
أليس هذا كافيا؟.
أكاد أموت من التعب، لقد مشيت كل هذا الطريق ولا يزال علينا مواصلة السير؟!.
تقدم أحد الحراس نحو الملك وانحنى باحترام. «اعذرني جلالتك لكن لا ينبغي لنا المتابعة من هذا الطريق، هناك جبال ثلجية قد تنهار بسهولة».
أجاب ويليام دون أن يلتفت.«لا بأس سنواصل التقدم توجد منطقة مناسبة أمامنا».
تردد الحارس ثم قال بحذر أكبر. «أعتذر جلالتك لكن لا يمكننا المواصلة من هناك سيكون الأمر خطرا على سلامتك. أصوات الأحصنة وكل هذه الخطوات… قد تكون كافية لانهيار الجبل».
سكت الملك للحظة ثم نزل عن حصانه ببطء. «إذا نكمل سيرا على الأقدام».
توجه بنظره إلى الحرس وأضاف. «سيبقى الخدم ونصف الحرس هنا لإقامة مخيم أما نحن… فنتقدم للأمام».
تردد الحارس مجددا لكن لم يكن أمامه سوى الانصياع. «حاضر جلالتك».
يبدو أنه يريد الوصول إلى مكان ما…
عنيد إلى حد مواصلة السير رغم الخطر.
هل هذا تهور؟.
أم شجاعة؟.
«سيذهب معي المرافق جيمس والخادم براين…».
صوته…
حتى صوته ثابت وقوي على نحو غريب.
مهلا… هل قال براين؟.
هل هذا يعني أنني سأذهب أيضا؟!.
لماذا يأخذني معه إلى الموت تحت ركام الثلوج؟،
يمكنه التقدم وحده!.
«أنا بالفعل أواصل المشي…». تمتمت بصوت منخفض، وهي تفعل ذلك فعلا.
كانت آنا تمشي بحذر شديد، وكأنها تسير فوق بيض هش.
قال ويليام دون أن يلتفت. «يمكنك المشي بشكل طبيعي ليس لهذه الدرجة».
«أنا أمشي بهدوء فقط لست خائفا يا جلالتك».
«واضح…».
بعد مسافة قصيرة، توقفوا.
وضع الحرس عدة الصيد أمام الملك، فاختار قوسا وبعض السهام، ثم اتجه نحو الأشجار ليأخذ موقعا مناسبا.
المكان مختلف فعلا.
الهدوء هنا أعمق، والأشجار أكثر كثافة وطولا.
أفهم الآن لماذا أصر الملك على القدوم إلى هذا الموضع تحديدا.
كانت آنا تسير بخطوات خفيفة بين الأشجار، تحاول قدر الإمكان أن تجعل وجودها غير ملحوظ.
الثلج المتراكم خفف صوت خطواتها، لكن الأرض لم تكن رحيمة تماما.
ويليام واقف بثبات، جسده مستقيم كتفاه مسترخيتان. يمسك القوس وقد رفعه قليلا عينه مثبتة على نقطة بين الأشجار.
غزال…
وقف الحيوان ساكنا.
المسافة مثالية، والزاوية نظيفة.
طق…
غصن يابس انكسر تحت قدمها.
كان الصوت صغيرا، لكنه كان كافيا ليجعل الفريسة المترقبة تعرف انها في خطر.
تحرك الغزال واندفع بين الأشجار، لم يبق سوى اهتزاز الأغصان وصوت الثلج المتناثر.
أنزل ويليام القوس وبقي نظره معلقا في الفراغ الذي تركه الغزال.
«لو كنت تخطط لإخافته فقد نجحت».
شعرت آنا بوخز خفيف من الإحراج.
«لم أقصد ان أجعله يهرب لكنه محظوظ…».
سكتت للحظة، ثم ترددت قبل أن تسأله. «جلالتك لماذا تحب الصيد؟».
كان سؤالا خرج منها بلا تخطيط، وربما في غير مكانه.
ظنت أنه سيتجاهله…
لكنه لم يفعل.
عاد بنظره إلى الأشجار، ووضع القوس على كتفه. «لأن الصيد صادق».
رفعت رأسها نحوه. «صادق؟».
«الحيوان لا يكذب لا يتظاهر ولا يطلب الرحمة».
«إما أن ينجو أو يموت».
«لكن… ألا تشعر بالشفقة؟».
نظر إليها هذه المرة مباشرة. «الشفقة تفسد الحكم».
ثم أضاف بعد لحظة. «إن ترددت اليوم قد لا يكون الغزال هو الضحية غدا».
شعرت آنا بانقباض في صدرها. «وماذا عنهم؟» سألت وهي تشير بيدها نحو الغابة.
«أليسوا أضعف؟».
أدار ظهره واستعد للمغادرة. «لا تقترب خلفي مرة أخرى اثناء الصيد فقد اظنك غزالا».
تركها واقفة بين الأشجار،
تفكر إن كان حديثه عن الصيد فقط…
أم عن شيء آخر .
في تلك اللحظة كان جيمس واقفا عند طاولة الأسلحة عندما سمع دوي رصاصة.
انقشع الصوت في الهواء، ركض على الفور باتجاه منطقة الصيد.
«ألم أقل لك أن تبقي سلاحك بعيدًا! الحبل قد ينهار، ستدمر الجبل!»
«ألم أقل لك أن تبقي سلاحك الناري بعيدا؟! هل تريد أن تنهار الجبال فوق رؤوسنا؟»
«كان قريبا جدا منا، ماذا كنت سأفعل؟».
في تلك اللحظة وصل جيمس، ليتبين له أن دبا كان على مقربة وأن أحد الحراس أطلق النار عليه بتهور.
ارتفع صوت عميق ومهيب يقترب بسرعة…
الجبل بدأ بالانهيار، وثلوج كثيفة تتساقط من الأعلى على شكل موجة هائلة.
صرخ أحد الحراس في هلع. «الانهيار…! اهربوا!».
تجمدت آنا للحظة عيناها تتسعان وهي ترى الثلج ينحدر بسرعة من قمة الجبل، يغطي كل شيء في طريقه.
«براين! جلالتك! أين أنتما؟!». صاح جيمس بصوت عال يصرخ فوق هدير الثلوج، متجاوزا خوفه على نفسه.
لم تستطع الرد فقط شاهدت الثلج ينحدر نحوها بسرعة مهيبة.
في تلك اللحظة لمحها جيمس واقفة بلا حراك، مد يده وشدها بقوة. «اركضي بسرعة!».
«لا! …انه داخل الغابة…».
ركضت آنا نحو الأشجار، صوت الانهيار يملأ المكان، الثلج ينحدر بسرعة رهيبة من أعلى الجبل.
كان جيمس يحاول اللحاق بها، لكن إحدى الأشجار الكبيرة تحت الثلج والضغط انهارت إلى الأرض مانعة إياه من التقدم.
آنا لم تنتظر غاصت بخطواتها نحو الغابة،
تعثرت قدمها فجأة على جذع مخفي تحت الثلج وفقدت توازنها.
في تلك اللحظة ظهرويليام. «تمسك بي!».
أمسك ويليام بيد آنا، وقفزا معا نحو الأسفل لتفادي الانهيار. امتصت الثلوج سقوطهما وحمت جسديهما من الارتطام.
مع اقتراب الشمس من الغروب، جلست آنا للحظة على الأرض الثلجية، جسدها غارق في البياض البارد.
حاولت استعادة وعيها والابتعاد عن الصدمة، أدركت بسرعة أن ويليام قد قفز معها لكنها لم تعد تعرف أين هو.
نظرت حولها بارتباك، إلى أن لاحظت طرف الرداء يبرز من تحت الثلج.
ركضت نحوه، وأخذت تزيح الثلوج بيديها باندفاع.
«جلالتك… هل تسمعني؟!». نادت.
فتح ويليام عينيه ببطء. كان وجه آنا قريبا جدا منه، فدفعها بكفه ثم جلس بثبات.
«كم من الوقت قضيناه هنا؟».
«لا أدري استعدت وعيي لتوي لكن يبدو أن الشمس قد غربت». أجابت.
وقف ويليام ونظر حوله، لم يكن هناك أي طريق صعود واضح.
«علينا الصعود قبل أن نتجمد…».
تجول قليلا في المساحة المحيطة ثم توقف.
لا فائدة…
لا يوجد أي مسار يمكن تسلقه بأيد عارية.
جلست آنا على مسافة منه، مكتوفة اليدين.
«جلالتك لقد غربت الشمس ألن يأتي الحراس لإخراجنا من هنا؟». سألت بقلق.
«لا أظن أنهم يعلمون بمكاننا أصلا جيمس هو أملنا الوحيد… كان آخر من رآنا قبل السقوط وسيعرف تقريبا أين نحن».
«أجل…».
بينما كانت آنا تحاول الحفاظ على توازنها على الثلج المتحرك بعد الانهيار، امتدت يدها بلا وعي لتتوازن، لتلمس يد الملك.
«أسف جلالتك لم انتبه».
يده باردة…
الثلج لا يزال يتساقط من حولهما، استقام ويليام أولا ونفض الثلج عن معطفه ثم التفت إليها.
«لماذا لحقت بي؟».
سؤاله خاليا من اي امتنان.
لماذا لحقت به؟…
«لأنك كنت وحدك! …».
عقد حاجبيه. «كنت سأتدبر أمري».
«لا!… أقصد جلالتك لو مت هناك فلن يصدق أحد أنك سقطت بسبب الانهيار فقط».
نظر إليها دون أن يقاطعها.
«كنت سأعدم».
سكت لحظة، ثم أضافت. «وأنا مرافقك».
«وما زلت أريد أن أثبت براءتي أيضا…».
صمت قصير سقط بينهما، سوى الرياح والثلج.
نظر ويليام إلى يدها المتجمدة ثم إلى أثر الانهيار خلفهما.
«أنت أكثر تهورا مما ينبغي لمرافق».
وأنت أكثر عنادا مما ينبغي لملك.
«إلى أين أنت ذاهب؟». سألها عندما نهظت واتجهت نحو الأشجار.
«سأجمع بعض الأغصان لنشعل النار ستدفئنا، وقد يدل دخانها على مكاننا».
وقف ويليام خلفها يتبعها يتفحص الأرض والثلوج بعين خبيرة، جمعا معا الأغصان المتناثرة، وصعوبة العثور عليها لم تثنهما.
فجأة، توقف ويليام في منتصف خطواته وألقى ببعض الأغصان على الأرض.
«لم رميتها؟».
«لتجمعها وحدك».
تجمدت في مكانها لم تجد كلمات، ولم يكن أمامها خيار آخر إن لم تكن تريد الموت بردا.
كنت أريد إشعال هذه النار من أجله منذ البداية لكنه يرمي الأغصان فقط لأنه تذكر أنه الملك.
ومع ذلك…يداه، اللتان اعتادت أن تكونا دافئتين كانتا أبرد من يدي.
جمعت آنا الأغصان ورتبتها بعناية، ثم أحضرت حجرتين لإشعال النار لكن محاولاتها باءت بالفشل.
اقترب ويليام بعد أن سأم ربما من صوت الحجر الذي صم اذنيه من محاولاتها، أخذ الحجرتين منها وجرب مرتين فقط…
حتى انبثقت شرارة، ثم توهجت شعلة صغيرة.
«لقد فعلتها! …». هتفت وصفقت بحماس.
حل الليل، وأصبح الجو مظلما، بينما كانت آنا وويليام جالسين قرب النار تحت إحدى الأشجار الكبيرة، التي شكلت نوعا من الكهف الطبيعي. الثلوج تتساقط بهدوء حولهم ورغم أنهم بلا ملابس ثقيلة كافية، إلا أن حضوره بالقرب منها كان يبعث شعورا غريبا بالأمان.
«لماذا أتيت إلى هذه المدينة؟». سأل فجأة .
ارتبكت آنا للحظة. «ماذا تقصد؟».
«ألم تقل أنك من مكان بعيد جدا؟».
«أجل… مكان بعيد جدا». أجابت بهدوء.
«أعتقد أنك تريد العودة».
«في البداية… لم أرغب لقد كان خروجي أشبه بالهروب من الواقع لكن…» توقفت تبحث عن الكلمات.
«لكن؟».
«الآن أعتقد أنني أشتاق لعائلتي ولكل الأماكن التي اعتدت رؤيتها، لم أكن ألتفت لتفاصيلها كثيرا لكن يبدوا أنني أشتاق لعالمي… أقصد مدينتي».
لم يرد ويليام مباشرة اكتفى بالعبث بخفة بغصن داخل النار.
«لن تعود حتى يتم العثور على من حاول اغتيالي عندها فقط يمكنك العودة».
نظرت إليه آنا مستغربة، مهما حاولت قراءة ملامحه بقي غامضا وعيناها لم تفلح في اختراق العمق الذي يخفيه. كانت عيناه تبدو كمحيط أزلي لا حدود له.
بفضل دفء النار بقيت أجسادهم دافئة، وانهك جسد آنا من التعب حتى غفت وهي مستندة على جذع الشجرة.
استدار ويليام لينظر إليها نائمة…
لوهلة طفا في ذهنه خيال تلك الفتاة بقاعة التدريب وبغرفته، كيف اختفت فجأة في تلك الليلة وكيف كان براين موجودا هناك أيضا.
رفع يده بتردد نحو كتفها …
_يتبع_
هل في هذه اللحظة سيتم اكتشاف آنا من قبل الملك؟!.
Chapters
Comments
- 13 - الهروب منذ يومين
- 12 - الفحص الطبي منذ يومين
- 11 - انتهت المسرحية منذ يومين
- 10 - على بعد خطوة من الحقيقة منذ يومين
- 9 - على حافة العبور 2026-01-23
- 8 - الفضول 2026-01-22
- 7 - تجهيزات الحفل 2026-01-21
- 6 - قرب لا يحتمل 2026-01-21
- 5 - بين الاغواء واليقين 2026-01-19
- 4 - حافة الخطر 2026-01-19
- 3 - حين تصبح النجاة جريمة 2026-01-19
- 2 - التجاهل أصعب من النسيان 2026-01-19
- 1 - العائلة المثالية خرافة لا وجود لها 2026-01-19
التعليقات لهذا الفصل " 10"