1 - العائلة المثالية خرافة لا وجود لها
اذا ماكان للعائلة وصف المثالية…
فهي كلمة صعبة جدا أو غير جائزة لوصف العائلة التي ولدت وعشت بها.
انها عكس المثالية تماما. لذا إعتدت أن أهذي لنفسي مثلما قرأت للكاتبة ‘ستاسي هولز’
العائلة المثالية خرافة لاوجود لها.
لوصف عائلتي فيجب القول أن والدي هو من ذلك النوع الغير مبالي، الغير إكتراثي، وأخيرا الغير المسؤول. لا بما يخص عائلته ولا بعمله، وماقد يكون الأغرب ولا حتى بنفسه.
انتهى به الأمر ليخسر وظيفته بسبب تعديه على مواطن في لحظة غضبه، بعد أن ألقى زميله الاصغر أوراق عمله التي كانت ناقصة المحتوى لخطة المشروع.
لقد أحس بالإهانة وكيف لا؟.
فهذا الذي أتى بعده وفي ظرف سنتين قد ترقى ليصبح أعلى منصبا عكسه، لكن السبب واضح أنه فعلا لا يستحق. وما وجد أمامه إلا من يصب فيه عصبيته فاجوزيا بالفصل النهائي مع أجرة الشهر الماضي لما قد عمله فعلا.
أجره بسيط لكنه كان دخل العائلة الوحيد. فوالدتي كانت ربة بيت، ولنترك لها الكلام للاحق فلها نصيب كبير.
إزدادت على والدي الديون بعد أن أسرف ماتبقى له وانغمس في عالم البذخ والشراب. في الأخير اختفى دون أثر هاربا من جامعي الديون.
من حضنا أنه لم يرهن الشقة التي نقطن بها وهذا ما استغربته، ربما أجلس عقله في جمجمته لهذه المرة على الأقل، لكن مايفعله لايحمد عقباه !. أما والدتي التي أجلنا لها الكلام، فهي بدورها تحملت ذلك لوقت معين ليس بطويل، ثم تزوجت من رجل أخر ذو نفوذ وأموال. بعد أن رفعت دعوى طلاق ضد والدي الذي سجل من بين المفقودين.
لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فبعد شهر من زواجها تم طردها من منزلها الجديد. فقد وقع القناع ونزل الستار وكشفت الأنوار عن أطماعها ووجهها الحقيقي.
لقد أصبحت مدمنة كحوليات كل ليلة تبدا بالصراغ والعويل، واحيانا لا تأتي حتى صباح اليوم التالي او بعد أيام. واستوجب علي البحث عنها في كل الحي لعلها نامت في الشوارع. أغلب أوقاتي قضيتها في غرفتي أقرأ الكتب التي استعرتها من مكتبة المدرسة، وشغلت نفسي عن هذا العالم الظالم الذي كنت غريبة فيه.
في خضم كل الامور التي مرت بها عائلتي بالطبع لم يسأل أحد عن رأيي أو وجهة نظري ولم يتكفل أي أحد بالأعتذار. لقد كنت ضحية لكل تلك الاحداث التي كانت لها بداية ولا نهاية.
لا أحب لعب دور الضحية في هذه القصة لكن لسخرية القدر أنا كنت الضحية رغم الإنكار الذي حملته داخلي.
كنت أشجع نفسي دائما لأبقى صامدة، مع الضغط والكلام المهين الذي يزداد مع تعاقب الأيام. الكلام الذي أسمعه مرار وتكرارا مثل الأسطوانة المسجلة لتعيد نفس الكلمات الجارحة أينما ذهبت.
مع كل هذه الاحداث لم يكن ذلك كافيا، فالتنمر في المدرسة أسواء. وامتدى لخارجها، وكيف لا؟ فاوالدي معروف بالحي وليس بما يسر النفس. بل بديونه وصوت جامعي الديون في كل مرة عند إقتحامهم للبيت، وأخذ كل مالدينا من أموال لذلك الشهر.
أنا ربما أصبحت لا أبالي بهم بسبب العادة، سيحطمون كل شيئ ويأخذون كل شيئ ثم يختفون كالظلال، لنعيد ترتيب خراب المنزل.
أقسى ما تعرضت له هو أن التنمر المدرسي لحقني لحياتي اليومية. في المقهى الذي إعتدت الجلوس به والذي يبعد عن الثانوية التي أدرس بها سوى بالقليل، طردوني منه قائلين بأن جلوسي به يزعج الزبائن. وهذا صحيح فكلما كنت هناك تبدأ المشاكل من زملائي في الفصل. أحيانا يلقون البيض أو القمامة، وكان ذلك متعمد لايريدون تركي بسلام.
كان كل من بالفصل يروي ويسرد القصص مضيفا إليها لمسته الخاصة ليزيد الطين بلة.
أما صديقاتي من الطفولة فهن من بدأن الأمر، فهن أقرب الناس لي يعلمن كل شيئ. ابتعدن تدريجيا حتى أصبحن غريبات لاتجمعنا لا أيام الطفولة ولا الذكريات، بل همسات كلما مررت بهن.
هناك من لا يفقه شيئ ويحب فقط الثرثرة أمامي وهم يعلمون بسماعي.
«والدتها تخلت عنها راكضة خلف أموال الرجال».
«والدتها تزوجت بعد اختفاء زوجها لأقل من سنة، سريعة في تعليق الرجال في شباكها… لابد أن إبنتها قد تعلمت منها !».
«هذه من يزعجنا من يدين لهم والدها كل أسبوع بأصواتهم».
وهناك من هم ملزمون فقط، ويخبرونني بأرفق الكلمات بعد أن ينتقونها بحذر،لكنهم دائما مايفشلون في نهاية المطاف.
«إن أولياء الطلبة يتصلون على مكتبي يوميا للإستفسار عن سوء خلفيلة الطالبة لكن ما باليد حيلة لا أستطيع طردها».
هناك فئة قليلة من الذين يشفقون على حالي،
أو ربما إختاروا الصمت وتحدثوا في ذواتهم وأنفسهم فحسب مثل الجميع أو أسوء في الخفاء.
أغلقت الكتاب الذي بيدها ووضعته على الطالة التي بجانب سريرها، غطت انفها الذي كان مخدرا بسبب رائحة المعقم بكم طقم ملابسها ذو اللون الوردي الذي أصبح ملابسها اليومية.
مر على دخولي المستشفى الشهر تقريبا…
حدث ذلك عندما أغمي علي في حصة الرياضة وتم نقلي إلى هنا.
بعد الفحوصات تم تشخيصي ليتبين أنني أعاني من ورم خبيث…
كانت مظاهر المرض التعب والاعياء وحتى لإغماء. لقد أحسست بها جميعا في الحقيقة، لكن لم أنتبه لذلك فعليا، فلقد كان التعب شيىء إعتياديا. إن حياتي تقتصر على كل الألام الممكنة.
كانت والدتي التي لم تتوقف عن هوايتها الجديدة في القمار تزوروني كل نهاية أسبوع لتحضر لي الملابس وبعض الوجبات.
تبقى لبضع دقائق معي دون أن تقول أي شيئ أو تكتفي بأن تقول أنها نادمة على إنجابي لهذه الحياة وتذهب بعد ذلك.
كان كلامها جارحا لكن لم أتوقع منها أي شيئ فلم أتلقى منها الحنان منذ زمن بعيد.
ربما تغيرت بسبب الظروف؟، هذا هو العذر الذي علقت عليه أمالي.
كنت شاردة في أفكاري كالعادة أحدق من نافذة الغرفة. عندها إنفتح باب الغرفة ليدخل الطبيب ومعه الممرضين المبتدئين.
كان الطبيب يبدو طويلا وشعره اسود مائل للجانب وعيناه داكنة، يرتدي نظارات طبية التي زادت من وسامته وكما اعاقت جمال ملامحه الغامضة جدا.
لقد كان وسيما بالفعل فكلما كان في دورة طبية للمرضى تتجمعن الممرضات حوله، لم انظر لوجهه بتمعن ولو لمرة فكلما حاولت كان دائما ينظر لعيني ماسبب لي توترا.
كان يفحص المريضة التي كانت معي بنفس الغرفة، استمررت باختلاس النظر إليه كالعادة لكن لم تكن لي الشجاعة لتركيز بملامح وجهه كثيرا…
أكمل حديثه مع المريضة وسجل شيئا من الملاحظات بدفتره ووضع قلمه بجيب مئزره الأبيض، وقدم الملحظات لطبيب الأخر ليكمل عنه.
ثم توجه إلي مع إبتسامة صغيرة على شفتيه.
«كيف حالك اليوم؟أتشعرين بتحسن».
لم أجبه و بقيت ساكتة اكتفيت بالايماء له…
لم أتحدث معه يوما ولم أرد ذلك أيضا دعني أموت وينتهي عذابي لما تستمر في البحث عن أيام إضافية، هل انا مثيرة لشفقة؟.
هو الطبيب الوحيد الذي تابع حالتي وقال أن هناك فرصة للعلاج واعتقدت انه يكذب علي فكل الاطباء كانت اجابتهم ذاتها.
الطبيب براين، لقد إطلعت على إسمه سابقا من البطاقة الموضوعة بمئزره لقد قال انه متأكد من العلاج….
إقترب وأخذ ينظر للأجهزة الموصولة بي وأنا مازلت كاعادتي شاردة او غائبة بالفعل عن هذا لعالم.
تقدمت له الممرضة بنتائج التحاليل السابقة التي كنت أعلم بمحتواها سابقا كلها سلبية.
هل سيستسلم لان؟.
نظر لتحاليل بنظرة من التمعن ثم قدمها مجددا للممرضة قائلا.
«إن النتائج لابأس بها سنكمل العلاج الكميائي غدا».
ماذا؟، هل مازال على رأيه؟، هل هو فقط لا يريد إخباري بحقيقة أنه علي لإستعداد لموتي؟.
رغم علم الممرضة بذلك أيضا أجبته بنعم ووضعت الملاحظة أسفل التحاليل.
بعد فحصه غادر ليكمل جولته على المرضى الأخرين.
لم أتحدث معه من قبل رغم أنه كان الطبيب المسؤل عن حالتي كان دائما ما يسألني عن حالي، لكن لم تكن لدي إجابة فلم تكن حالتي جيدة وهذا واضح لما السؤال؟، لا نفسيا ولا جسديا.
بعد أن شرعت بتلقي العلاج الكيميائي بدأت مضاعفته بالظهور فلقد أصبح شعري يتساقط بكثافة واضطررت لقصه رغم أنني كنت أحبه طويلا. أصبحت أقضي معظم وقتي نائمة، ولن ألقي اللوم على العلاج فقط فلقد كنت أنام برغبة الإبتعاد عن الواقع متمنية أن أحظى بحلم جميل لكن دائما ماكانت الكوابيس هي التي تروايدني… مثل قصة مأساوية هي حياتي لو تنتهي فقط وأستريح.
آنا هي فتاة في سنها الثامن عشر في سنتها الثالثة من الثانوية، إختفى والدها فجأة دون أي أثر بقيت مع والدتها التي لا تهتم لأمرها لكن سرعان ما تزوجت والدتها برجل أخر ذو نفوذ مادية. بدأت بعد ذلك الشائعات بالإنتشار. في بداية الأمر كانت تنتشر الإشاعات بين أهل الحي قائلين أن والدها تخلى عنهما بعد أن إكتشف أن زوجته تخونه مع شخص أخر، والدليل على ذلك زواجها برجل آخر بعد مدة قصيرة من إختفاء زوجها. كل شيئ أكاذيب وإضافات إخترعها الناس لجعل القصة أكثر تشويقا لهم للحديث.
كانت نظرات الناس نحو آنا مسيئة ومقرفة ولم تتوقف عن تلقي الإزعجات، لكن الأمر لم يقتصر على مجال صغير فلقد إنتشر الخبر بعدها بين زملائها في المدرسة وبدأ التنمر بالتزايد عليها فكل صديقاتها تخلين عنها. وكانت تجد رسائل مكتوبة على طاولتها وأيضا موضوعة بخزنتها بالمدرسة قائلين أن الإبنة مثل أمها وبدأ الجميع يفر عنها. وتواصلت عليها الإزعاجات كرمي كتبها، أو شق دفاتيرها، وحتى رمي النفايات عليها. لم تبدي أي رد دفاعي عن نفسها، ربما سئمت أو ربما لم تعد تكترث فلقد حدث لها لاسوء. في الأخير تدهورت صحتها النفسية وحتى الجسدية، لكنها لم تبالي حتى أغمي عليها في المدرسة بحصة الرياضة فتم نقلها للمستشفى وبعدها تبين أنها تعاني من ورم في أخر مراحله.
وهاهي طريحة في المستشفى.
في صباح اليوم التالي أتت الممرضة واصطحبت آنا لغرفة تلقي العلاج الكيميائي.
لقد استيقضت بالفعل باكرا، على أي حال لم أستطع النوم بسبب الكوابيس. كنت أمشي خلف الممرضة بهدوء، متجهين لغرفة العلاج اعتدت على السير بهذا الممر لتلقي العلاج بالغرفة التي على بعد خطوات مني.
عندما قربنا من الوصول سمعت صوت الطبيب براين، نظرت لزجاج وكان بالفعل في غرفة العلاج، أكثر من وجهه شدني إنعكاس وجهي. لسبب ما أصبحت غير مرتاحة لمظهري الجديد. لكن على أي حال لم أكن جذابة بذلك الوجه الشاحب والهالات السوداء تحت عيني، وشعري القصير ليس أسوأهم.
أنزلت يدي متوقفة عن ترتيبه فقد بدا أسواء بكثير. ماذا أفعل؟، سأموت قريبا على كل حال…
دخلت آنا وجلست على السرير الذي كان يشبه طاولة، وهي معتادة الأن تقريبا على الألم المصحوب للعلاج. في بداية علاجها حتى الطاولة الصلبة كانت مؤلمة لكن ليس لان.
عد إنتهاء العلاج نهضت وارتديت برجليها وإصطحبتها الممرضة مرة أخرى للغرفة.
لم يبقى الطبيب براين طيلة العلاج فلقد ذهب بعد أن تلقى اتصال لحالة طارئة وكلف مساعده بإكمال العلاج. مشت مع الممرضة باتجاه الغرفة عندما سمعت ضجيجا وصراخ يتعالى يبدوا وكأنه هناك شجار عند الإستقبال. أكملت سيرها لكن لاحظت بعض الممرضات اللواتي يمرن من جانبها ويحدقن بها، كذبت نفسها فالما سيحدقن بها؟.
لابد وأنني أبالغ في تصور لما قد يفعلن ذلك؟.
لكن للأسف كان ذلك صحيحا لقد كنت مركز تحديقهم.
أكملت سيري لأندهش أن والدتي هي التي كانت تتشاجر مع الإستقبال، كنت على وشك التدخل لأعرف ماذا يحدث لكن أوقفني كلامها.
«لا يهمني ذلك لقد دفعت رسوم دخولها للمستشفى لن أضيف و لاسنتيم لا تتصلوا بي مرة أخرى!».
كانت تلك السيدة التي تعمل في الإستقبال تحاول شرح الوضع لها وتهدأ من إنفعالها فلقد رمت بكل ما كان من أوراق على مكتب الإستقبال أرضا وواصلت صراخها. تشجعت واقتربت منها أمسكت بها من ذراعها لعلها تتوقف عن تلك الضجة لكن ما إن رأتني حتى أفلتت مني و قالت بكل برود.
«والدكي لم يهتم لي ولا لك أنا أريد أن أعيش حياتي وأنسى الماضي ومن بينهم أنت!، لذا تحملي مسؤلية نفسك وأخبريهم ألا يتصلوا بي مجددا !».
كانت رائحة الخمر تنبعث منها وحركتها غير متزنة، كانت ثملة لأخر نقطة ولم يتبقى فيها خيط من الوعي. لقد أحسست بالخزي وأحسست بألم بصدري لا أعلم كيف أصف ذلك لكن والدتي تخلت عني في أكثر وقت قد أحتجها به.
إنه بسبب الخمر…إنه بسبب الخمر هي ليست بوعيها.
شددت قبضتي على صدري واقنعت نفسي أنها لم تتخلى عني حقا بل هي ليست بوعيها. بعد كلامها رفعت محفظتها التي كانت بالأرض وذهبت دون أن تلتف ورأها. كانت قدماي في تلك اللحظة لا تقويان على حملي.
لما أتيت لهذا العالم؟ ليس لي مكان هنا. تلك هي الأفكار التي راودتي في تلك الثواني القليلة التي أحسست أنها ساعات.
كان الجميع هناك يحدق بي ويتهامسون بما لا أدري عنه. لكن بالتأكيد هم على حق والدتي كانت ذلك النوع من الأشخاص الغير مبالي والغير المؤدب بالحديث لكنني لم أكرها أبدا …. حتى بعد ماقالته قبل قليل أعتقد أنني لم أكرها لكن كرهت نفسي التي لا فائدة منها.
توجهت مباشرة للغرفة تحت أنظار الممرضات، هناك بينهم من شعر بالشفقة، ومن شعر بالسخط والإنزعاج.
جلست على سريري وشردت لوحدي في أفكاري، تسألت عن ماهي فائدتي بهذه الحياة بعد أن تخلى عني أقرب الناس لي؟.
قطع تفكيري صوت الرعد بالخارج فالتففت لجهة النافذة كان المطر قد بدأ بالنزول. لقد كانت بداية فصل الشتاء بالفعل قريبة، سيكون حفل بداية السنة قريبا. حدقت للحظات لنافذة بعدها وقفت واتجهت نحوها وفتحتها فدخل هواء بارد اقشعرت له وشعرت به يلسع بشرتي.
إنه بارد…
هذا ماسبب اشتكاء المريضة التي تشاركني الغرفة أيضا، هي إمرأة في العقد الخامس تبدوا صاخبة في أغلب الأحيان لكنها طيببة كثيرا وهذا ما استنتجته من تعاملها مع حفيدتها التي تأتي لزيارتها كل عطلة نهاية الأسبوع، هي فتاة ظريفة وخجولة.
«أغلقي النافذة الجو بارد!! ألا تسمعين؟ أغلقي النافذة! …».
لم أرد عليها كانت تراودني بعض الأفكار التي منعتني من أن أجيب عليها أو أن أغلق النافذة. توقفت عن الصراخ للحظة عندما قامت بسحب الستار الذي يفصل بين الغرفتين وسمعتها تتذمر.
كان رأسي فارغا تماما لكنه كان ثقيلا في نفس الوقت كنت تائهة ولا أعلم أي شيئ فقط أردت أن أنام وأحلم بحلم جميل دون أن أستيقظ ربما أنسى كل شيئ. جسدي الصغير لم يعد يتحمل أو يحتوي ما أمر به… يرغب بالسلام والراحة والتحرر.
لا أعلم ما خطر في ذهني من أفكار لكنها اكتسحت عقلي. سحبت الكرسي الذي بجانبي الذي كانت أمي تجلس عادة عليه عندما تأتي لزيارتي. حتى لو أنها كانت تزعجني بكلامها لكن إكتفيت بأنها كانت تأتي لزيارتي لمرة في الأسبوع.
سحبته و صعدت عليه، رأيت لسماء من خلال النافذة كانت تمطر بغزارة وتزداد وتيرة المطر اكثر فأكثر.
حركت قدمي وصعدت لحافة النافذة. كانت بعض قطرات المطر التي تمردت لداخل بسبب الهواء الصاخب بالخارج تتلامس بوجهي.
ظللت أشاهد السماء الداكنة وتسألت، هل أخطط لإلقاء نفسي للأسفل؟
لم أنهي تسائلي حتى سمعت فتح باب الغرفة، إلتففت للوراء كان الطبيب براين. بحكم ان الباب موازية لنافذة فكنت اول شيئ يلتقطه بصره. لقد إندهش من وقوفي هناك فلقد أسقط الملف الذي بيده.
لم أعطيه فرصة ليمنعني، لا أريد أن أتردد لقد سئمت من كل شيئ. أخر ما رأيته هي تلك السماء الغائمة البعيدة، وأمطار غزيرة وما سمعت كان الطبيب براين وهو ينادي إسمي.
هل أنا نادمة الأن؟، لا جدوى من ذلك صحيح؟ لكن لاأزال أريد أن أعيش…
أنا لا أريد الموت !.
ماخطبي أردت ذلك بشدة قبل ثواني؟
شعرت وكأنني أطفوا على السحاب، نظري أصبح ضببيا وجسدي متيبس دون أي احساس.
تلك الاصوات الصاخبة والكثير من الناس من حولي هي أخر شيئ أستوعبه، كان وعي على الحافة قبل ان افقده تماما واغفوا.
جسمي بارد جدا ولا أستطيع التنفس المكان عميق جدا والمياه المتجمدة من حولي…
أنا… أنا لا أجيد السباحة!.
استسلمت لشعور بالغوص العميق، لكن سريعا ماصعد جسدي تلقائيا ببطئ بعد مقاومة ومكافحة لصعود. خيوط الضوء بدأت تتسلل في العتمة، وأخيرا خرجت لسطح وإلتقطت أنفاسي بحرقة…
بدأت آنا بالسعال وأخذت شهقات طويلة من الهواء حتى إكتفت رئتيها، عاد تنفسها أخيرا للوتيرة الطبيعية. نظرت من حولها وانتبهت لنفسها أنها وسط مجهول حيث بدى المكان أشبه بالغابة، أشجار كثيرة كثيفة وبركة كبيرة.
ماهذا المكان؟…
كان الجو باردا جدا وكان الثلج يتساقط. البرد قرس وملابسها خفيفة جدا، إنها ملابس المستشفى وكما كانت مبتلة بالكامل وهي حافية القدمين لشدة البرودة لم تعد تحس بهما لكنها قاومت و شجعت نفسها للمشب ربما تجد أحدا للمساعدة أو مكنا وإلا ستموت بردا.
أريد العيش…
مشيت بصعوبة وهي تمسك بالأشجار، الثلج يتساقط وملابسها أصبحت باردة ومتصلبة على جسدها.
أين أنا؟ ماهذا المكان؟.
رأسها مشوش ونظرها للأشياء كان يصيبها بالخوف، فارغ وصامت بشكل مرعب. فجأة توقفت عندما رأت على بعد خطوات منها جسد شخص مستند على جذع شجرة.
هل هو يستريح هناك بهذا الجو البارد؟.
مشت بحذر وجسدها كله يصرخ ألما، ووجها أصبح بالفعل شاحبا مزرقا بسبب البرد الشديد، لكنها واصلت المشي. اخيرا أصبحت في مسافة تسمح بأن ترى ملامحه.
رجل مستند لشجرة متجمد من البرد، الثلج غط كل وجهه وشعره…و مصابا بكتفه. إقتربت أكثر وتفقدت تنفسه، لايزال حيا لكن تنفسه ضعيف جدا. رأت من حولها لربما ترى شخصا ما ليساعده ويساعدها لكن لا أحد كان المكان قاحل تماما.
ليس لدي خيار أخر صحيح انا لا أعلم حتى كيف اساعد نفسي…
كانت على وشك الذهاب وتركه فالا تستطع فعل أي شيئ لكن قبضة على كاحلها استوقفتها، إلتفت إليه وحاولت سحب قدمها، لكنه كان أقوى منها وبسبب سحبها سقطت أرضا. حاولت التراجع للخلف لكنه أمسك بكاحلها لأخر.
«أنقذني…».
قال الكلمات بصوت متقطع وسرعان ما أفلتها وفقد الوعي مجددا.
تراجعت للخلف بعد ان أفلتها ووقفت بصعوبة على التربة الشبه مغطاة بالثلج. ترددت آنا للحظة لكنها اقتربت منه مرة أخرى وهزته ليستفيق لكن دون جدوى.
فعلت مالم أتوقعه من نفسي، فالقد جررته من قدمه وسحبته…، كان ثقيلا نوعا ما لكن الثلج سهل عملية جره فلقد كان زلقا ولقد أخذت حذائه احتجت إليه أكثر منه لأمشي على تلك الأرض المتجمدة.
لحسن حظي بعد جر ليس بطويل رأيت كهفا لا يبعد كثيرا. أخذت أجره إلا أن وصلت للكهف الذي كان أفضل ملجأ حاليا.
نفظت الثلج عن رأسي وملابسي واقتربت من ذلك الشخص وتفقدت تنفسه مرة أخرى لقد كان لا يزال يتنفس لحسن الحظ فليس بعد أن جررته كل تلك المسافة يموت.
جلست بالزاوية وحاولت تدفئت يديها بالنفخ بهما…
انا أتجمد وأشعر بالنعاس …
نظرت آنا نحو المستلقي هناك قريبا منها.
وانحنت مقتربة منه، لم تجد حلا أخر فهي تكاد تموت من البرد. سحبت معطفه الكبير وغطت به جزء من جسدها. أحست ببعض الدفئ يتسلل لجسدها وكما شعرت بثقل عينيها وكم تريد الخلود لنوم، لكنها منعت نفسها.
تذكرت للحظة ماذا حدث قبل قليل، لقد قفزت من غرفة المستشفى وكان يفترض أنها ميتة الأن؟.
فتحت عينيها ورأت لشخص الذي جررته ولاحظت شيئا غريبا ملابسه تبدوا غريبة.
هل يمثل في مسلسل تاريخي؟.
غرقت للحظة في تساؤلاتها لكنها سمعت صوت جعلها تتوقف عن تفكيرها، ونطت من مكانها.
إنه أحد ما قادم ربما أطلب المساعدة…
كانت على وشك الخروج، لكن توقفت خطواتها للحظة وتراجعت. كان الصوت عاليا جدا وصاخبا من بعيد. كان الصوت مباشرة فوق الكهف، سمعت صهيل أحصنة وإرتطام حوافرهم على الأرض عند مرورهم من فوق الكهف.
هل هذه أصوات أحصنة؟…
«سيدي لا يوجد أي أثر له لابد وأنه خرج من الغابة».
«لنبحث بالقرية المجاورة لابد أنه تحرك إلى هناك بعد الإصابة التي ألحقناها به لابد أنه لم يبتعد، لا يجب أن ينجو هذه المرة!…». رد عصبي غاضب أجاب الأول.
سمعت حوارهم ومن خلاله فهمت أنهم يبحثون عن هذا الشخص الذي جرته معها.
يا إلاهي لابد أنني ورطت نفسي في شيئ ما !.
سيقتلونني إن وجدوني هنا !.
من الخوف الذي اعتلاها لم تنتبه لما ورائها مما سبب صوتا بفعل الصدى.
«من هناك؟…».سأل بصراخ بينما سكت الجميع.
واصل حديثه:« أنتم تفقدوا هذا الكهف بالأسفل!…».
_يتبع_
ماذا سيحدث لآنا؟، و أين هي؟.
هل كان من الصائب إنقاذها لذلك الشخص الغريب؟.
تساؤلات كثيرة إجابتها في الفصل القادم.
Chapters
Comments
- 5 - بين الاغواء واليقين منذ يوم واحد
- 4 - حافة الخطر منذ يوم واحد
- 3 - حين تصبح النجاة جريمة منذ يوم واحد
- 2 - التجاهل أصعب من النسيان منذ يومين
- 1 - العائلة المثالية خرافة لا وجود لها منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 1"