رمشت ساشا عدة مرات. كانت عيناها الزرقاوان أكثر برودة من أي وقت مضى.
«حتى بعد أن أكملت السحر، ظللت أتساءل طوال الوقت: لماذا قررتُ أنا في المستقبل أن أنقذكِ؟ لو كنتُ أنا، لتركتكِ تموتين ذلك اليوم بجانبي بكل بساطة.»
«……»
«سواء فعلتِ في ذلك المكان ما لم تفعليه أم لا، فذلك لا يعنيني. أنا ما زلت أعتقد أن موتكِ في ذلك اليوم كان هو الصواب.»
فكّت ساشا يدي، ثم استدارت وعادة إلى أمام اللوحة. دون أن ترتدي حتى المئزر، رفعت الفرشاة.
«لكن… لماذا أنا لا زلتُ على قيد الحياة؟»
كان صوتي مزريًا.
«لأنني أنا أيضًا… اهتززتُ قليلاً أمام موتكِ. قلتِ إن هناك الكثير مما لم تفعليه، وإنكِ تشعرين بالأسف… كان ذلك غريبًا عليكِ، فبقي عالقًا في ذهني. وفي تلك اللحظة…»
توقفت أختي فجأة كأن شوكة علقت في حلقها. ملأ صمت غير طبيعي المكان.
«في تلك اللحظة… توسّل إليّ “هو”.»
«هو»؟
من؟ هل يوري؟ لكن يوري لن يتعرف على سحر عائلة سمر بشكل كامل إلا بعد عدة سنوات.
«قال إنكِ ستكونين سعيدة. قال إنكِ ستكونين أسعد إنسانة هناك.»
«……»
«أنا لا أندم أبدًا. كل قراراتي في تلك اللحظة كانت الأفضل في حينها. لذلك أنا لا أندم أبدًا. لكن… بعد أن أرسلتكِ، وبينما كنتُ أرسم هذه اللوحة… ندمتُ طوال الوقت.»
كان صوت أختي باردًا كالجليد.
«كان يجب أن تموتي في ذلك اليوم. إذا كنتِ ستعانين الألم نفسه وتموتين بنفس الطريقة، فالأفضل أن تموتي منذ البداية.»
أمسكت أختي بذقني بلا مبالاة لتتحقق من قوتي السحرية، ثم ضحكت بسخرية.
«والآن، بعد أن رأيتُ حالتكِ، يبدو أن ندمي كان مبررًا.»
أضافت أختي ذلك. ربما لذلك أرسلت يوري متأخرًا، وطلبت قتلي.
لم أعد أعرف من أين بدأ كل هذا الخطأ.
لو كانت المشاعر بسيطة — أحب أو أكره — لكان الأمر أسهل بكثير.
«هل أنتِ سعيدة؟»
«……على الأقل، بجانبكِ… لا أظن أنني قادرة على أن أكون سعيدة.»
قالت ساشا بلا اكتراث وهي ما زالت ترسم:
«إذن لا تعودي. موتي هناك فقط. أنهي حياتكِ القصيرة بجانب ذلك الشخص الذي تقولين إنه يجعلكِ سعيدة.»
كان ذلك الكلام يشبه صوت انهيار كل الإعجاب والتوق الذي بنيته تجاه أختي طوال حياتي. شعرتُ بغصة مريرة. امتلأت عيناي بالدموع حتى غشاوهما.
كانت أختي تقول لي هذا الكلام… بينما ترسم لوحة وجهي!
لم أستطع احتمال ذلك.
رفعت السكين الموجودة على الطاولة. كان طرفها غير حاد، ربما سكين لوحة أو سكين رسائل. وقفتُ بجانب أختي، لكنها لم تلتفت إليّ ولو للحظة.
مددتُ يدي، فغرزت السكين في القماش. ثم مزقته بقوة — شقشقة —. مزقتُ الفتاة التي كانت أختي ترسمها منذ وقت طويل. علقت السكين مرة بالخشب في المنتصف، لكنني استمررت في تمزيقها أفقيًا.
مزقتُ اللوحة طوليًا بخط طويل، وعضضتُ شفتي. كانت هذه أول مرة أقاوم فيها أختي.
هل ستغضب أختي مني؟
«قلتِ إن الوعد لا يجب أن يُحفظ، أليس كذلك؟»
«نعم.»
«جئتُ لكي لا أحفظ الوعد.»
«نعم.»
نظرت إليّ بهدوء دون غضب.
«أنا أكرهكِ.»
«نعم.»
«لكنني أحبكِ.»
«يا للأسف.»
كان صوتها يبدو غير آسف على الإطلاق، فصررتُ على أسناني.
«كنتُ أتمنى أن تحبيني. لكن منذ اللحظة التي اكتشفتُ فيها أنكِ تحبينني… لم أعد قادرة على مسامحتكِ.»
كرهتُ حتى فكرة إعطاء اسم «الحب» لكل ما فعلته أختي بي. لو لم أكن أعرف شيئًا، لكنتُ تأثرتُ وأنا أشاهد مهرجان الفوانيس، لكن الدموع التي سالت ذلك اليوم كانت دموع غصة أكثر من أي شيء.
لقد غمرني حب إدموند حتى فاض، وأصبحت أعرف أن أختي كانت مخطئة.
«لم أكن أطلب الكثير. كنتُ أريد فقط سنة واحدة لا تكرهيني فيها. يوري يقول إنه يمكن تغيير كل شيء. يمكن العودة إلى الماضي البعيد والبدء من جديد. يقول إنه سيحميني منكِ.»
«إذن يوري كان موجودًا أيضًا.»
«لكنني الآن… لم أعد بحاجة إلى اعترافكِ أو حبكِ.»
ابتسمت ساشا بلطف.
«لن أرتبط بعد الآن بقوة سحرية. عائلة سمر أصبحت لا تعني لي شيئًا.»
كانت القوة السحرية اللعينة، والجسد الذي لا يتحملها، ليست خطأي… لكنها ظلت طوال الوقت تشعرني أنها خطأي. أنا أعرف أنني لم أخطئ.
لكن أمام نظرة أختي الحادة، أنكمشت حتى وأنا أعرف أنني بريئة.
نصف ساحرة، ناقصة، عار على عائلة سمر… لم يعد أي من هذا يعني لي شيئًا كبيرًا.
«كنتُ تعيسة جدًا حقًا… أختي، كنتُ أعاني كثيرًا.»
ضغطتُ على عينيّ بظهر يدي، ثم أطرقت برأسي. انفجرت الدموع أخيرًا.
«نعم.»
«لذلك… لن أحفظ الوعد. لن أنقذكِ. سأبقى هنا في المكان الذي انهار فيه سومر وانهار السحر.»
شعرتُ بفراغ غريب عندما تذكرتُ كم كنتُ أصر على العودة، وكل ما حدث بيني وبين إدموند.
لكنني الآن أشعر أنني وجدتُ مكاني أخيرًا.
ربما سأبقى وأموت هنا؟ لن أعيش طويلاً. لو عدتُ، كان بإمكاني العيش سنوات إضافية… لكن البقاء هنا قد يكون نوعًا آخر من الانتحار.
«أريد أن أموت هناك فقط. بجانب الشخص الذي أحبه، وأنا أشتاق إلى كل ما لم أره بعد، وأترك كل الندم في قلبي.»
نظرت إليّ ساشا طويلًا دون كلام. ثم وضعت الباليت والفرشاة، وأمالت رأسها ببطء.
«……هل هذا كل ما توصلتِ إليه؟»
رمشتُ بعدم فهم. بدت أختي، كعادتها، غير راغبة في الشرح.
«فكري مرة أخرى.»
«ماذا؟»
لكن أختي نظرتْ خارج النافذة، ثم أمسكت بي. لم يكن هناك المزيد من الشرح. وشعرتُ فجأة بقلق غامض. هل فاتني شيء؟
كنتُ أشعر طوال الوقت أنني أغفل شيئًا… لكن عندما قالت لي أختي صراحة «فكري مرة أخرى»…
«ستشرق الشمس قريبًا. حان وقت الوداع.»
«انتظري، أختي! ساشا!»
كانت أصابعها على جبهتي تحمل قوة سحرية.
«جئتِ باستخدام لوحة <العشيقان>، أليس كذلك؟ سأدفع الثمن. عودي الآن.»
كانت أختي، كما هي دائمًا، مذهلة، وقبل أن تجف دموعي، وجدتُ نفسي أمام لوحة لارتييه <العشيقان>.
*
عدتُ بسرعة إلى قصر ديير بمساعدة لارتييه. كان الممر الخالي لا يزال باردًا، ولم أستطع تحمل العودة إلى الغرفة، فتوجهتُ إلى الحديقة.
كانت الثلوج تتساقط بغزارة لا تتوقف. في هذه اللحظة، لم يعد المشهد رومانسيًا… بل مأساويًا.
وهناك… التقيتُ بيوري.
تجمد عندما التقت عيناه بعينيّ.
«……استيقظتِ.»
«نعم.»
خلع يوري معطفه ووضعه على كتفيّ.
وقفنا تحت حافة السقف، ننظر إلى الحديقة التي تتساقط عليها الثلوج.
بعد صمت طويل، سألني يوري:
«إذن… هل هناك شيء تريدين قوله لي؟»
يوري دائمًا سريع الملاحظة.
«……ذهبتُ لرؤية أختي.»
لم يقل يوري شيئًا.
«لن أعود.»
«إذن… ستظلين هنا تموتين فقط؟»
صمت يوري لحظة، ثم سأل بصوت كئيب. أومأتُ برأسي.
«……فهمتُ الآن ما قصدته عندما قلتَ إنني يجب أن أعود لأجلي أنا، لا لأجل أختي. لكن بسبب فهمي لهذا الكلام… قررتُ البقاء هنا.»
«فيفيان.»
كان يوري يحاول إقناعي طوال الوقت أن أعود من أجلي أنا فقط. الآن فهمتُ معنى كلامه. لكنني في الوقت نفسه أدركتُ أنه إذا كان يهمني حقًا، فيجب ألا أعود.
أدرتُ وجهي عنه ونظرتُ إلى الفراغ البعيد، ثم قلتُ بصعوبة:
«نعم، هذا صحيح. أشعر الآن أنني سأعيش. كانت القوة السحرية طوال الوقت هدف تعلقي، أليس كذلك؟ لكن الآن لم يعد لديّ أي تعلق، أ…»
أ…؟
شعرتُ وكأن قدمي علقت في مكان كان يزعجني طوال الوقت. نسيتُ حتى وجود يوري بجانبي، وغرقتُ في تذكر الماضي بذهول.
في المستقبل بعد مئتي عام، عندما قلتُ إنني سأموت، قالت لي أختي «هل هذا كل ما فكرتِ فيه؟ فكري مرة أخرى».
كانت تتحدث كأن هناك طريقة لأعيش… لكن هل هناك؟ حتى أختي لم تستطع إنقاذي، فكيف يمكن أن تكون هناك طريقة لأعيش هنا؟
لكن…
«إذا كسرنا القلب؟»
«سأموت حينها. حتى لو نجحتُ في العيش، فأنا لا أريده.»
«لماذا، فيفي؟»
كان إدموند قد سألني ذات مرة: هل يمكن أن نكسر القلب لنعثر على طريقة لإنقاذكِ؟ ألا يمكن أن ننثر القوة السحرية؟
لكن تلك الطريقة كانت خطيرة جدًا، وحتى لو نجحت، فلن أستطيع استخدام السحر بعد ذلك، لذا لم نفكر فيها أبدًا.
«ماذا لو ذهبنا إلى الماضي البعيد وطلبنا مساعدة ساحر ماهر؟»
«لا أدري… لكن يا إدي، أنا أكره نفسي بدون سحر.»
كان إدموند يكره فكرة ذهابي إلى الماضي، لكنه قال إنه سيكون سعيدًا لو بقيتُ حتى لو اضطررنا لطلب مساعدة ميكايبيلا.
كسر القلب… بالنسبة لساحرة من عائلة سمر، لم يكن هذا الخيار واردًا أبدًا، سواء نجح أم فشل. يوري أيضًا، كونه من عائلة سحرية أصيلة، لم يفكر يومًا في التخلي عن السحر.
لكن…
«……يمكنني أن أعيش بدون قوة سحرية.»
صفَت ذهني كسماء الصباح الشتوي الصافية.
«ها…» تنفستُ الصعداء. دخل الهواء الأزرق البارد رئتيّ وخرج، وغسل كل الأفكار المشوشة التي كانت تحاصرني.
نعم.
لم أعد بحاجة إلى اعتراف أختي، ولم تعد عائلة سمر تعني لي شيئًا… فلماذا أظل متعلقة بالسحر إلى هذا الحد؟ لماذا أصر على أن أكون ساحرة؟
ارتجف جسدي.
«لماذا لم أفكر في هذا طوال هذا الوقت؟»
«أنتِ… هل تنوين كسر قلبكِ؟!»
«يوري… ربما… يمكنني أن أعيش.»
نحن السحرة، سحرة ذلك العصر الذي ازدهر فيه السحر، كنا دائمًا غارقين في السحر. الجنون غير المنطقي الذي يتحدث عنه الأحفاد بعد مئتي عام… بسبب هذا الجنون لم نجرؤ حتى على وضع هذه الطريقة في الخيارات.
«لكنكِ قد تموتين. نحن نكسر القلب عندما ننتحر. هل تعتقدين أنكِ ستعيشين؟ أنا لا أستطيع حتى تحمل قوتكِ السحرية.»
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 99"