حتى حين غمرته الدفء الذي استدعيته بالسحر، لم يفتح عينيه.
وبعد أن ناديته مرارًا وتكرارًا، فتح فمه أخيرًا.
«…مَن… أنتِ؟»
«إدموند؟»
«هل… أرسلتكِ العائلة؟»
كان صوت الفتى قبل مرحلة البلوغ يرتجف ارتجافًا مرعبًا. انحنى رأسي لأنظر في عينيه. كانت عيناه الفضيّتان الرماديّتان صافيتين كالنهر الذي لم يلوّثه أحد بعد.
«أين أصبتَ؟ لماذا أنتَ هنا؟ أين نحن؟ لماذا لا تعود إلى العائلة؟»
«…مَن أنتِ؟»
لم يعرفني.
هذا المكان… لا بدّ أنّه طفولته.
تذكّرتُ الإدموند الذي أعرفه.
تذكّرتُه في المكان الضيّق المظلم، يقول بفمه «أنا بخير» بينما ذراعاه يضمّانني بقوّة لا يستطيع أن يفكّها.
تذكّرتُ وجهه الشاحب حين يسمع ليلة راتسماها رقم ٢١، وكيف يمسك بالحائط ويتقيّأ، ويعتذر «آسف»، ولا يمسح الدموع التي تملأ عينيه.
تذكّرتُه جالسًا على تلّة إلترامنت، يروي لي قصص طفولته التي لا يتذكّرها.
كنتُ أستمع إليه وأشعر بثقل في قلبي.
والآن… تأكّدتُ أنّ الزمن الذي كان يُقشعرّ له منه هو هذا الزمن بالضبط.
«فيفيان. فيفيان سومرز.»
«أسمعه… لأوّل مرّة.»
عدّلتُ وضعي وأحضنته بقوّة أكبر، ومرّرتُ يدي في شعره.
«فيفيان… لا يجب أن تكوني هنا.»
همس الطفل إدموند ودفن وجهه في صدري. صار جسده أدفأ بكثير، فتنهّدتُ براحة.
كان جسده الخفيف في حضني واقعيًّا إلى درجة لا يمكن أن أعتبره مجرّد خيال.
«قريبًا… سيأتي المعلّم. فيفيان… لا يجب أن تكوني هنا…»
حين دفا، بدأ النعاس يغلبه. جلستُ على حافّة النافذة، أحضنه وأراقب القصر.
الآن فهمتُ… لو لم يحترق وينهار قصر المعلّم الذي ذهبتُ إليه في حفل اتحاد السحرة، لكان يبدو هكذا.
نام إدموند في حضني، وأنا أهمس له طوال الليل: «كلّ شيء سيكون على ما يرام… أنا هنا بجانبك.»
*
استيقظ إدموند قبل بزوغ الفجر. كان وجهه أفضل بكثير. نهض، وما إن التقى نظره بنظري حتى ارتجف، لكنّه لم يصرخ.
اتّسعتْ عيناه بالفرح. نقرتُ بأصابعي مرّة أخرى. غمرته ضوء أبيض من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه، ثم اختفى.
«آه! لم أعد أشعر بالألم!»
«إدموند… منذ متى أنتَ هنا؟»
«…لا… أدري. شهرين؟»
عاد الوجه الذي بدأ يستعيد لونه إلى الشحوب، وانحنى رأسه. قال بصوت خافت إنّه فقد الوعي عدّة مرّات، وكأنّ الأمر عاديّ.
شعر قلبي بالألم. حتى إدموند في الثالثة والعشرين ما زال يعاني من ذكرى هذا اليوم.
يشرب كأسه بهدوء، ثم يسمع صوت البيانو فيمزّق أذنيه، ويتقيّأ.
«من يفعل بكَ هذا؟ من… يؤذيكَ؟»
ارتجف صوتي دون إرادة. أمسك إدموند بيديّ. كانت يده الصغيرة لا تكفي لتمسك بكلتا يديّ. أمسك بيساري بكلتا يديه.
«…أنا… أعزف البيانو. إذا أخطأتُ… أُعاقب.»
قال ذلك وهو يرتجف.
أردتُ أن أحمله وأهرب به من هذا القصر فورًا. لكنّني لا أستطيع الخروج من دائرة اللوحة.
ولو حاولتُ استخدام سحر أقوى، فإنّ قوّتي كانت منخفضة جدًّا. حتى السحر البسيط لتنظيم درجة الحرارة كان يجعل قلب السحر يخفق بعنف.
«متى يأتي هذا الشخص؟»
«…المعلّم يأتي فقط في النهار.»
فكّرتُ في طريقة لإخراج هذا الطفل قبل أن يأتي. مهما كان ما حدث، كان إدموند مستعدًّا أن يتبعني رغم ركبتيه المجروحتين. حملته ومشينا في أروقة القصر.
هل هناك طريقة لإنقاذه قبل أن يقع عليه كارثة أفظع؟
تذكّرتُ حديثي مع لارتييه قبل أن أدخل اللوحة. قلنا إنّنا نسافر عبر الزمن لكنّنا لا نستطيع إنقاذ أحد. لكنّني… أردتُ إنقاذ إدموند.
امتلأ قلبي بالقلق الشديد.
أجلسته على حافّة النافذة، وحدّقتُ في الخارج. كان السماء على وشك أن يبزغ فيها الفجر، وكان لونها مذهلًا.
فجأة ناداني إدموند بصوت مذعور:
«فيفي! جسدكِ… جسدكِ يختفي!»
«ماذا؟»
كان جسدي يصبح شفّافًا فعلًا. تنهّدتُ بصوت منخفض. يبدو أنّ هذا هو معنى «عدم استقرار السحر».
كان إدموند بحاجة إليّ الآن أكثر من أيّ وقت.
مدّ يده ليمسكني، لكنّها مرّتْ في جسدي دون أن تلمسه.
رأيتُ عينيه الفضيّتين تمتلآن بالصدمة، فجثوتُ على ركبتيّ ونظرتُ إليه مباشرة.
«إدموند… سأبقى بجانبكِ دائمًا.»
فهمتَ؟
حاولتُ أن أمسح دموعه، لكنّ يدي مرّتْ في الهواء. ابتسمتُ رغم كلّ شيء وهمستُ للطفل إدموند:
«لا تنسَ. أنتَ لستَ وحدكَ أبدًا. سأكون بجانبكِ.»
لم يعد يراني، لكنّني كنتُ ما زلتُ هناك.
رمش إدموند بعينيه دون أن يمسح دموعه. نظر حوله عدّة مرّات، ثم مسح خدّه بظهر يده بخشونة. ثم بدأ يمشي ببطء شديد.
كأنّه يبحث عنّي في كلّ مكان.
كان يدور في الغرف، ويهتف بصوت صغير مكسور: «فيفيان؟»… صوته كان يحمل ألمًا يفطر القلب.
تبعتُه عاجزة.
لكنّ عجزي الحقيقي جاء حين عاد الذي اختطفه.
ما إن انفتح الباب بقوّة «خبط» حتى تجمّد إدموند في مكانه.
دخلتْ امرأة تبدو في غاية الاحترام والأناقة. لم أكن لأتصوّر أبدًا أنّها هي التي اختطفته. لكنّ إدموند كان يرتجف خوفًا. حاولتُ أن أربتَ على ظهره بيد لا تلمسه.
ابتسمتْ لإدموند بابتسامة حنونة، مرّرتْ يدها في شعره، وأعطته طعامًا. كان الطعام قليلًا بالنسبة لابن عائلة كبيرة، لكنّه لم يكن سيّئًا.
ازداد قلقي.
قبل أن ينتهي الطعام، كان إدموند يرتجف وهو يجلس أمام البيانو الكبير في الصالة.
ومن تلك اللحظة… أردتُ أن أبكي بكاءً مريرًا. أردتُ أن أحضنه وأحميه.
لم أستطع.
احتضنته من الخلف وهو يعزف النغمة نفسها لمدّة سبع ساعات دون توقّف.
كلّما أخطأ، كانت تعامله بقسوة شديدة.
حين غادرتْ المرأة القصر، كان إدموند ملقى على الأرض الباردة، يسعل سعالًا جافًّا. سقط من الكرسي منذ قليل ولم يستطع النهوض. جلستُ بجانبه أنشد تعويذات لا تصل إليه.
«غدًا يجب أن تتقن ليلة راتسماها رقم ٨ بشكل كامل. لتصبح عازفًا عظيمًا، عليكَ أن تبذل كلّ جهدكَ.»
أغلق الباب الثقيل بصوت «كييك»، وبقينا أنا وإدموند وحدنا في المكان. عندها فقط انفجر إدموند بالبكاء. لم أعرف ماذا أفعل.
حين غابتْ الشمس خلف النوافذ التي لا ستائر لها، وحلّ الظلام، لمستْ يدي أخيرًا خدّ إدموند.
ارتجف من اللمسة الغريبة. ما إن التقتْ أعيننا حتى ضممته بقوّة.
«فيفي؟ لماذا… لماذا جئتِ متأخّرة هكذا؟»
«آسفة. آسفة جدًّا.»
الخبر السارّ الوحيد أنّني أستعيد جسدي حين تغيب الشمس. في الليل أستطيع أن أشفي جروحه.
أمّا في النهار… حين يكون في أمسّ الحاجة إليّ… فلا أستطيع إلّا أن أقف خلفه وأحضنه بقوّة لا يشعر بها.
اخرجي من اللوحة خطوة واحدة فقط.
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 79"