ما إن انتهيتُ من كلامي حتى انقبضتْ حاجبا ساشا مرّة أخرى.
أخذتني أختي إلى غرفتها. تبعتُها بهدوء تام. أجلستني على كرسي مرتفع قليلًا بالنسبة لها، فأومأتْ برأسها بطبيعية كاملة.
حتى في طفولتها كانت أختي بارعة في إصدار الأوامر.
بدلًا من الجلوس أمامها، جلستُ على الأرض تمامًا بجانب الكرسي. أرادتْ أن تؤنّبني على الفور، لكنّني أسندتُ رأسي فجأة على ساقها. لم تنبس بكلمة.
في البداية لم تثق بي، فأريتُها خاتمي العائليّ وأطلقتُ بعضًا من سحري، فاقتنعتْ أخيرًا أنّني سومرز حقًا.
«أختي… كنتُ أخافكِ، لكنّ خوفي منكِ كان يساوي شوقي إليكِ.»
«لماذا أنا أختكِ؟»
رفعتُ رأسي ونظرتُ إليها طويلًا. لم تُحِدْ نظرتها عنّي.
كانت عيناها الزرقاوان السمّاويّتان كأنّ قطرة زرقاء سقطت بالخطأ على طلاء أبيض ناصع، ثم دارتْ فيه حتى صارت لونًا ساحرًا. نظرتها تخترقني كالسيف.
نظرتُ إليها طويلًا، ثم ضيّقتُ عينيّ وابتسمتُ.
كنتُ على وشك البكاء. فبدلًا من الدموع، اخترتُ الابتسام.
«لأنّ ساشا سومرز هي أختي بالفعل.»
«……جئتِ عبر سحر العائلة إذن.»
بدل الجواب، شددتُ ابتسامتي أكثر.
«أختي، في الحقيقة جئتُ لأسألكِ شيئًا.»
«حسنًا.»
«لكنّ رؤيتكِ هكذا… تجعلني سعيدة جدًا…»
كانت عيناي قد احترقتا بالفعل. خفضتُ رأسي سريعًا كي لا ترى دموعي. وضعتُ ذراعيّ على كرسيّها ودفنتُ وجهي فيهما. بلّلتْ كمّ ثوبها في لحظة.
«أختي… ترسمين. فتضعين سحر العائلة في لوحاتكِ كما فعل الأسلاف. وهذه اللوحات… تحظى بحبّ العالم لزمن طويل جدًا. لذا، حتى لو قفزتُ مئتي عام، فإنّني لن أستطيع نسيانكِ. تبقين في العالم زمنًا طويلًا… أليس كذلك؟»
لم أكن أدري إن كانت ستفهم، لكنّني قلتُ على أيّ حال.
«ماتُ، وأنتِ أرسلتِني إلى المستقبل. لا أدري إن كنتِ أرسلتِني لأعيش أكثر، أم لأعود. لكنّكِ أرسلتِني. أرسلتِني… إلى الأبد.»
شهقتُ مرّة، ثم تابعتُ بصوت أنقى:
«أنا الآن أبحث عن طريقة للعودة إلى هنا.»
ربّما أختي الصغيرة هذه لا تستطيع بعد استخدام سحر بهذا المستوى.
«سحركِ معقّد جدًا، مهما نظرتُ إليه لا أفهمه. كيف أستطيع أن أعود إلى الزمن الذي تتنفّسين فيه؟»
بعد صمت طويل، فتحتْ ساشا فمها أخيرًا، وقالتْ أوّل جملة لم أتوقّعها:
«أنتِ… تموتين؟»
«نعم.»
رفعتُ رأسي قليلًا، نظرتُ في عينيها وأومأتُ.
«أموت. مرضًا. متُّ في أواخر الخريف.»
«……أنتِ حقًا أختي؟»
«نعم، أختي.»
أومأتُ برأسي وأسندتُ رأسي أكثر على ساقها. وضعتْ يدها الصغيرة الرقيقة كالسرخس على رأسي. شهقتُ.
«لكن… لماذا تريدين العودة؟»
بصوت طفوليّ ما زال يتلعثم قليلًا، وصلتْ إلى لبّ الموضوع. حتى صغيرة، ساشا هي ساشا.
«لأراكِ مرّة أخرى. لأنقذكِ.»
«ما اسمكِ؟»
«فيفيان. فيفيان سومرز.»
مهما مسحتُ الدموع، كانت تنهمر كأنّها من صنبور مكسور.
وضعتْ يدها الصغيرة على خدّي. مسحتْ دموعي بطريقة غير ماهرة وقالت:
«ستعودين… لتريني مرّة أخرى؟»
«نعم، سأعود إلى أختي في المستقبل.»
مسحتُ دموعي بظهر يدي بقوّة، وحاولتُ أن أبتسم. غشّتْ الدموع عينيّ مرّة أخرى، لكنّ أختي كانت تنظر إليّ كأنّها مسحورة.
همستْ بصوت يكاد يكون همسًا:
«……ستعدين بذلك؟»
«نعم، أعدكِ. سأعود حتماً.»
لن أستطيع الوفاء بوعدي لأختي التي راقبتْ نهايتي، لكنّ وعدي لهذه الأخت الصغيرة… يمكنني الوفاء به.
ما إن انتهيتُ من الكلام حتى انساب السحر من يد أختي. كأنّها تهدّئ طفلة، أطارتْ الدمى حولي في الهواء.
ضحكتُ وبكيتُ في الوقت نفسه. اشتقتُ إلى أختي الكبيرة المرعبة والرائعة.
«إذن… تذكّري اليوم الذي تريدين رؤيته… ثم نادي اسمي.»
لم تتغيّر أختي، صغيرة أو كبيرة. دائمًا واثقة من نفسها، مذهلة.
لو تذكّرتني أختي الآن، وأحبّتني أكثر… كم كان ذلك جميلًا.
ربّما ستنساني؟ أم ستتذكّرني ومع ذلك ستكون قاسية إلى هذا الحدّ؟
«لكنّكِ تموتين حقًا؟»
«……»
«متى تولدين؟»
«عيد ميلادي في الحادي والعشرين من يونيو.»
«سأتذكّر.»
هززتُ رأسي. لا، الأفضل أن لا تتذكّر. أنا على أيّ حال ابنة غير شرعيّة، ولن أولد في هذا القصر. لن أستطيع القدوم إلى قصر سومرز إلّا حين أبلغ خمس سنوات تقريبًا.
وحتى ذلك لم يحدث إلّا لأنّ أختي قرّرتْ الاحتفاظ بي.
وما إن انتهتْ هذه الكلمات حتى شعرتُ بأنّ المطر توقّف، وانجذبتُ مرّة أخرى داخل تيّار السحر. اتّسعتْ عينا أختي. أمسكتُ بيدها بلطف وقبّلتُ ظهرها بلمسة خفيفة.
«يجب أن أذهب الآن.»
«فيفيان.»
«إذن… نلتقي في المستقبل. قد لا تتذكّرين، لكن… لا تكرهيني كثيرًا. اتّفقنا؟»
حين فتحتُ عينيّ مرّة أخرى، كنتُ أمام جدّي.
لم تكن دموعي قد جفّت بعد.
نظر إليّ سيد سومرز – الذي كان أصغر بكثير من أن يُدعى جدًّا – فارتجف وجهه قليلًا ونهض. مسحتُ عينيّ بظهر يدي بقوّة، ثم قمتُ فجأة.
«بكيتِ؟»
«لن أبكي بعد الآن. انتهيتُ من البكاء.»
بعد نفس عميق أخير، تحسّنتْ حالتي كثيرًا.
بدتْ على جدّي كلمات كثيرة يريد قولها، لكنّه اختار الصمت بدل السؤال.
«جدّي، إلى متى يجب أن أبقى هنا؟»
«……حسنًا.»
هزّ كتفيه.
«يبدو أنّكِ ستعودين الآن.»
وونغ.
ودوّى السحر مرّة أخرى بنذير. شهقتُ. يبدو أنّني سأقفز في الزمن مرّة أخرى.
شهقتُ ورفعتُ يدي. كانت يدي تتمايل بين الوضوح والضباب.
كان لديّ الكثير أريد قوله لجدّي الذي يبتسم بلطف، لكنّ الوقت كان ضيقًا.
«جدّي… كان لقاؤنا ممتعًا جدًا.»
«نعم.»
«ربّما هذا آخر لقاء.»
غشّى وجهه حزن خفيف. لكنّه لم يسألني عن السبب، وأومأ برأسه فقط.
«مؤسف.»
هكذا، أثناء تجوّلي في الزمن، تعلّمتُ شيئًا واحدًا:
أهل عائلتنا، حتى لو جاء أحدهم من المستقبل، لا يحاولون معرفة المزيد. حتى الحقائق الحزينة التي يكتشفونها صدفة، يومئون برؤوسهم قائلين «هكذا إذن» ويتابعون.
في البداية ظننتُ أنّ ميكابيلا غريبة الأطوار، لكنّ هذا الهدوء المخيف هو سمة عائلتنا على ما يبدو.
أو ربّما اعتدنا الاستسلام للمستقبل الذي لا يمكن تغييره.
«لكنّني استمتعتُ حقًا. إن صادفتني يومًا في الطريق، انظر إليّ نظرة لطيفة، اتّفقنا؟»
(لا تكرهني كثيرًا لأنّني ابنة غير شرعيّة.)
ثم سلّمتُ جسدي لتيّار السحر.
*
هذه المرّة كنتُ مستلقية على الأرض. على سجادة، لكنّ البرد كان ينخر في عظامي. نهضتُ ببطء، متألّمة من صلابة الأرضية.
كانت رائحة المطر في الهواء كئيبة، ليست مطرًا منعشًا.
تذكّرتُ كيف دفعتني ابنة ميكابيلا إلى هنا، فابتلعتُ ريقي.
نستطيع التنقّل بين الماضي والحاضر بسحر العائلة، لكنّ… لا أدري ما قيمة معرفة تاريخ لا يمكن تغييره، أو مستقبل محتوم.
كنتُ أتمنّى لو كان سحر عائلتنا مثل باقي العائلات: يسيطر على العقول، أو يحيي الموتى… لما انهار سومرز هكذا.
«في الأصل جئتُ إلى هنا…»
جئتُ لأطلب نصيحة ميكابيلا عن سحر أختي، فانتهى بي الأمر بلقائها، ثم عرفتُ طريقة العودة منها.
والآن عدتُ إلى هنا… إلى سومرز قبل ألف عام، حيث الحرب دائرة. إذا توقّف هذا المطر، سأعود إلى يوري الذي ينتظرني، وإلى إدموند الذي أشتاق إليه.
استدعيتُ ضوءًا في المكان المظلم، فبدأتْ اللوحات تظهر واحدة تلو الأخرى.
بعضها مغطّى بقماش، وبعضها مقلوب. سرتُ ببطء في المساحة الصغيرة. كان صوت الطبول لا يزال يدوّي من بعيد.
توقّفتُ أمام لوحة عملاقة.
كانت تملأ الجدار من الأرض إلى السقف. وفي داخلها: امرأة بأجنحة تقبّل رجلًا يشبه البشر.
كانت اللوحة حيّة إلى درجة أنّك تتوقّع أن تتحرّك في أيّ لحظة.
بجانبها كُتب: <العشّاق>.
«……»
كنتُ أرفع رأسي مندهشة من عظمة اللوحة، حين انفتح الباب بقوّة. التفتُ مذعورة.
دخل الضوء فجأة، فلم أرَ شيئًا. ضيّقتُ عينيّ، والشخص وقف صامتًا في مكانه.
حين اعتادتْ عيناي الضوء، أدركتُ أنّ هذا الشخص… مألوف جدًا.
«ميكابيلا!»
«مرّ وقت طويل، فيفيان.»
اخرجي من اللوحة خطوة واحدة فقط.
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 77"