لكن لوبيلين ظلّت متردّدة، وجهها يحمل قلقًا لا يزول.
«…فيفي، حتى لو متِّ هنا، ماذا لو رفض إدموند ترككِ تذهبين؟»
ارتجف صوتها قليلًا.
«فيفيان، لقد أخطأتُ في كلامي سابقًا. اهربي.»
«لا، يا لوبيلين، أنا…»
«إدموند ليس في وعيه الآن. أتذكّر بوضوح كيف كان يجنّ ويثور، وأمس عندما التقيته لأمر عمل، كان يبتسم بوجه هادئ، لكن الجوّ حوله كان مشوّشًا بطريقة مخيفة.»
«…»
«آرثر استخدم صلاحياته كوكيل للعائلة ليمنع إدموند من حضور حفلة الاتحاد. في الحقيقة، جئتُ اليوم لأخبركِ بمكان إدموند غدًا.»
حدّقتُ في لوبيلين مذهولة.
«لو أخبرتكِ غدًا، لن يكون لديكِ وقت كافٍ للتفكير. أردتُ أن تفكّري جيدًا وتختاري، ثم تلتقي به. لهذا استخدمتُ ‘حدود الزمن’ كذريعة لأزوركِ شخصيًا.»
«…أين أذهب؟»
«لكن فيفيان… أفضّل ألا تذهبي.»
لكن حديثنا انتهى عندما نزل يوري من الاجتماع إلى غرفة الاستقبال.
أردتُ أن أسأل: إلى أين يذهب إدموند؟ لكن لوبيلين محت كلّ التعبير السابق من وجهها، وابتسمت بأناقة كأن شيئًا لم يكن.
«مرحبًا، ريفر.»
«أجل، مرّ وقت طويل.»
جلس يوري بجانبي بطبيعية. كان يرتدي زيّ السحرة الرسمي، ولم أستطع إبعاد عينيّ عنه للحظة، مذهولة من جماله بعد غياب.
كان معطفه الطويل أسود اللون، مزيّنًا بتطريز أزرق رائع. حتى الملابس الداخلية كانت زيّ ساحر رسمي.
«الزي يليق بك جدًا.»
«شكرًا.»
كان يرتدي قفازات أيضًا، لكنه خلعها قائلًا «معذرة» لأنها تضايقه.
«إذن، ما الذي وعدتِ بتسليمه؟»
«ها هو.»
مدّت لوبيلين الصندوق الطويل بتعبير يبدو فضوليًا جدًا. كان نفس الصندوق الذي رأيته قبل مسابقة الصيد مباشرة. لم يمر سوى أشهر قليلة، لكن الكثير حدث فيها حتى بدا ذلك زمنًا بعيدًا جدًا.
فتح يوري الصندوق دون أن ينظر إليه حتى، وقرّبه إليه بأطراف أصابعه. بدا متعبًا من الاجتماع الطويل، فرفع ذقنه على يده.
«لديّ سؤال.»
«تفضّلي.»
«لستُ أسألك أنت. هل سبق أن خاطبتكِ بصيغة الاحترام؟»
عبست لوبيلين بحدّة في وجه يوري، ثم عادت إليّ بوجه لطيف.
«إدموند لا يشرح شيئًا أبدًا. ما علاقتكما أنتِ ويوري؟»
…كيف أشرح ذلك؟
أصدقاء؟ لكن هذا سيبدو غريبًا جدًا من وجهة نظر لوبيلين. يبدو أن إدموند لم يخبر أحدًا بهوية يوري الحقيقية.
قبل أن أجيب، سبقني يوري:
«ليس النوع الذي تقلقين عليه.»
«أنا لا أقلق! أنا فقط…»
«لا تقلقي كثيرًا يا لوبيلين.»
حدّقت في يوري مذهولة، ثم نقلت نظرها إليّ. ابتسمتُ بلطف بدلًا من الإجابة.
«أتمنّى ألا يقوم دير بردّ شخصي على ريفر.»
«…عمّي وأخي لن يسمحا بذلك. لا داعي للقلق.»
«شكرًا على الجهد الطويل، وستأتين غدًا إلى الحفلة، أليس كذلك؟ نلتقي هناك.»
غادرت لوبيلين غرفة الاستقبال بوجه مليء بالتفكير، وجلستُ أنا أيضًا بعقل مشوش مثلها.
*
كانت حفلة اتحاد السحرة مختلفة تمامًا عمّا تخيّلته.
عادةً، تبدأ الندوات العلمية قبل أسبوع من الحفلة الرئيسية، ثم يحضرها الرعاة وعائلات السحرة الكبرى في حدث وطني.
لكن الآن، كانت مجرّد حفلة عائلة نبيلة عادية.
تجوّل يوري في القاعة المزدحمة بلا هدف، ثم التفت إليّ بوجه شاحب، كأنه أخيرًا استطاع التنفّس.
هزّ رأسه وخرج إلى الخلف، فتبعته بعد أن تأكّدتُ من عدم انتباه الآخرين.
وقفتُ بجانبه.
«هل يزعجك الناس كثيرًا؟»
«لم يكن سيّئًا.»
كان السحرة مهتمّين بي جدًا. سألوني الكثير عن السحر القديم. أجبتُ بما أعرف، لكنني لم أستطع إظهار السحر عمليًا كما أرادوا.
أحيانًا، يسألني غير السحرة عن علاقتي بإدموند، فيردّدون شائعات. كرّرتُ الإجابة المُعدّة مسبقًا بآلية: «حدثت مشكلة مؤقّتة في السحر، لذا انتقلتُ إلى ريفر للعلاج.»
«اذهبي أولًا.»
«لا أريد.»
التفت يوري إليّ. تنهّد وسأل:
«هل هناك مشكلة؟»
«عندما جاءت لوبيلين آخر مرة، قالت إنها ستخبرني اليوم بمكان إدموند.»
بالطبع، قالت لوبيلين لي اهربي، لكن إذا سألتُ، ستخبرني.
«أجل.»
«أريد مقابلته.»
«…اذهبي بحذر. إذا طال غيابكِ، سآتي لأحضركِ.»
«حسنًا.»
بقينا هناك قليلًا بعد ذلك. رغم أنه وقت قصير، إلا أن هذا المكان بدا وكأن الزمن يتباطأ فيه، بعكس صخب الحفلة.
عندما سعَلتُ من البرد، نهض يوري أخيرًا.
«لندخل.»
«…هل نستطيع العودة حقًا؟»
«نعم.»
«لكننا لا نعرف الطريقة.»
«السحر الناقص يمكن تعويضه بسحر ‘حدود الزمن’.»
«…السحر ناقص؟»
«ليس كافيًا لعودة اثنين. لكن لا تقلقي. أعيد تصميم الدائرة السحرية، ولن يكون هناك مشكلة كبيرة.»
تقدّم يوري نحو الحفلة بخطوات واسعة، فتبعته بنظرة مذهولة. لم يقل أبدًا من قبل إن السحر ناقص.
هل أرسلتني أختي دون أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار؟
ناقص لعودة اثنين؟
فجأة تذكّرتُ كلمات ميكائيلا وهو يتصفّح التقارير: «سحركِ لن يكفي على ما يبدو.» كان يرميها بعفوية.
توقّفتُ مكاني مذهولة، فالتفت يوري إليّ أخيرًا.
«ستصابين بالبرد. جسدكِ ليس بخير أصلًا، ادخلي.»
قالها بلامبالاة شديدة حتى شككتُ في سمعي.
تبعته بخطوات ثقيلة.
ما إن دخلنا الحفلة حتى غمرتني الدفء، يلفّ بشرتي الباردة. غرقتُ مجددًا في الحيوية المعهودة. ألقى يوري نظرة سريعة عليّ ثم ابتعد نحو مكان آخر.
«…إذا كان هناك شيء يجب أن أعرفه، ستقوله لي.»
حاولتُ طرد الشعور المزعج، فاقترب ولي العهد.
قبّل ظهر يدي بلباقة، ثم رسم ابتسامة زلقة.
تبادلنا حديثًا تافهًا قليلًا، ثم انتقلنا إلى الموضوع الرئيسي.
«يجب أن أذهب لرؤية إدموند.»
«جئتُ أنا بدلًا من لوبيلين.»
«لوبيلين كانت تحاول تعكير الحديث بيني وبين الآنسة سمرز، فأرسلتها بعيدًا قليلًا.»
نظر حوله، هزّ رأسه بخفة، ثم أخرج شيئًا من جيبه. كان بطاقة سميكة مطلية بطبقة فضية خفيفة، لا شيء مميّز فيها.
ما هذا؟ هل هو مكان إدموند؟ لكن لا يبدو كذلك.
«انتظري لحظة.»
وقّع عليها بسحره، فاتّصلت الخطوط وتحوّلت إلى خريطة. كان جزء واحد فقط يلمع بشدة. هل هذا مكان إدموند؟
لكن بعد نظرة سريعة، لاحظتُ شيئًا غريبًا. كان المكان خارج المدينة، في الغابة.
«إذا غادرتِ الدار وحقنتِ السحر، ستنتقلين.»
«أين هذا المكان؟»
ماذا لو خرجتُ ومتُّ هناك ولم أعد؟
نظرتُ إليه بشكّ، فضحك قائلًا:
«ليس مكانًا غريبًا. إدموند هو من اختاره.»
آه، الآن أصبحتُ أكثر قلقًا.
قلتُ للوبيلين بثقة: «سأهرب». لكن الآن يغمرني التوتر. تذكّرتُ قلقها: ماذا لو لم يترككِ يذهبين؟
«هذه الدار هي التي اختُطف فيها إدموند ثم عُثر عليه.»
«ماذا؟»
«كما تعلمين، صدمته عميقة. أنا قلق جدًا. لا أفهم لماذا يصرّ على الذهاب إلى هناك…»
عندما كان يذهب إلى استوديو أختي، كان يتشبّث بي لأن الظلام القليل يخيفه، وفي دويو، عندما سمع نغمة بيانو بالصدفة، كاد يتقيّأ من النوبة.
لهذا، اعتذرتُ لولي العهد بسرعة وهرعتُ خارجًا.
*
«مرحبًا، فيفي.»
كان القمر ساطعًا جدًا اليوم، حتى في عمق الليل بدا الجو مشرقًا. كان إدموند جالسًا في الظلام بأناقة، جماله كطعنة خنجر.
نظر إليّ طويلًا، ثم ابتسم بلطف.
«ليلة لا يليق فيها البكاء، أليس كذلك؟»
أدركتُ وأنا أنظر إليه أن الجمال والخطر يمكن أن يتعايشا.
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 73"