إدموند ارتجف جسده كأنه يستيقظ من نوم عميق عند سماع صوت بيبيان: «لا تستمع إلى ما يؤلمك».
ملاحظة : (بيبيان هو اسم دلع فيفيان)
أمسك الجدار الحجري بقوة ليمنع نفسه من السقوط في المنحدر. قلبُه الذي كاد يتوقف في تلك اللحظة الخاطفة، بدأ ينبض بصعوبة. رمَش بعينيه، والمنظر أمامه لا يزال دويو ليلاً، مليئة بالأنوار الصفراء الهادئة.
في الهواء البارد الخريفي، سعَل مرتين جافًا ثم التفت.
لكن فيفيان ، التي كان يجب أن تكون بجانبه، غير موجودة. فقط نسيم بارد يتجول.
«بي… بي…؟»
ارتجف صوته بالقلق.
لم تكن هناك.
دق قلبه بقوة مخيفة.
نزل بسرعة من الجدار، ينظر حوله بعصبية. لم يرَ شعرها الوردي الطويل في أي مكان. بدأ قلبه يدق بعنف، وتدفقت الأفكار المرعبة في ذهنه.
أين ذهبت؟ إلى أين إن ذهبت؟ كيف تتجول وحدها في مكان لا تعرفه؟
أم… اختطاف؟
سقط قلبه فجأة. على الرغم من أنه يعرف أنه لا يجب أن يتحرك بهذه الطريقة، إلا أنه بدأ يمشي بلا هدف وهو يصرخ اسمها.
«بيبي!»
وفي تلك اللحظة، سمع صوت حفيف خفيف من الخلف، ثم همس صغير:
«إيدي؟»
استدار إدموند فورًا. كانت فيفيان هناك.
ما إن رآها تميل رأسها وتناديه بصوتها الناعم، حتى غمرته موجة راحة لا تُوصف. ثم تحول القلق إلى غضب في لحظة.
«أين كنتِ! هذا مكان خطير، كيف تتجولين وحد…»
لكنه لم يكمل. صوته اليائس ارتجف بشكل مثير للشفقة.
«وجدتني؟»
كان السبب هو فيفيان التي تقف أمامه، ترمش بعينيها ثم تبتسم ابتسامة عريضة.
في يديها الصغيرتين البارزتين من الأكمام الطويلة، كوبان من القهوة.
تقدمت نحوه بحذر حتى لا تسكب شيئًا، خطوة خطوة.
عندما رأى إدموند وجهها المشرق، أدرك أنه كان يحبس أنفاسه طوال الوقت.
لم يستطع إبعاد عينيه عنها.
دق، دق، دق.
نبض قلبه المنتظم الوحيد الذي يصل إلى أذنيه.
كل شيء آخر – ساشا، اللوحة التي رسمتها، لوحات ميكابيلا التي كانت تأخذها، وحتى جسدها المريض – بدا وكأنه يتآكل ويختفي من ذهنه.
في هذه اللحظة فقط، كانت فيفيان أمامه، تبتسم أكثر إشراقًا من أي أحد، ترفع الكوبين بلطف.
فتح إدموند فمه قليلاً، ثم أخرج نفسًا قصيرًا: «ها…»
«لا، كنت أظن أنك ستشعر بالبرد. في مثل هذا الجو، إذا شربت شيئًا دافئًا وجلست هنا، سيكون الشعور رائعًا جدًا، أليس كذلك؟»
لم تكن فيفيان تعرف النظرة التي يحدق بها بها. كانت فقط مطمئنة أنه خاف من غيابها، ثم هدأ الآن.
اقتربت ومدت له الكوب. قالت إنها طلبت خصيصًا قهوة بالحليب الرغوي الكثيف الذي يحبها، وطلبت منه أن يشرب بسرعة ويخبرها برأيه.
لكن إدموند لم يفكر حتى في أخذ الكوب. نظر إليها وهي تقترب خطوة أخرى. شعرها الوردي الباهت يتمايل بلطف مع كل كلمة تتفوه بها.
«بيبي.»
«نعم؟»
جميلة جدًا.
«إيدي؟»
لمع عيناه الداكنتان الخضراوان تحت ضوء القمر. شعر إدموند بقلبه يدق بعنف لا يُطاق. مالت رأسها متعجبة.
وضعت كوبها على الجدار بحذر، ثم أمسكت يده ووضعت الكوب فيها بالقوة.
بقي إدموند يراقب حركاتها الصغيرة المحببة بذهول. يداها الصغيرتان تمسكان يده القوية.
انتشر دفء الكوب في كفه.
«دافئ، أليس كذلك؟ يداك باردتان جدًا.»
«…»
«امسكه جيدًا واشربه قبل أن يبرد. كيف هو؟»
رغم إلحاحها، لم يرفع إدموند الكوب إلى فمه. بدلاً من ذلك، وضع كوبه بجانب كوبها على الجدار.
تقدم خطوة كبيرة نحوها. مرّ على وجه بيبيان خيبة أمل خفيفة.
لكنها لم تدم.
لأن إدموند ضمها بقوة إلى صدره. ضمها أكثر، حتى مع الملابس التي ألبسها إياها، ملتصقًا بخدها البارد.
غاصت يده في شعرها المنعش بالنسيم. رأسها الصغير الذي يمكن أن يمسكه بيد واحدة… كيف يمكن أن يكون بهذا القدر من الجمال؟
تجمدت فيفيان في البداية من المفاجأة، لكنها – كجرو يبحث عن حضن أمه – ضمته هي الأخرى بلا حيلة.
شعر إدموند بشوق غريب ليديها وهي تربت على ظهره.
هو الذي يضمها، وهي المضمومة، لكنه يشعر كأنه هو من يغوص في حضنها، فيشدّها أكثر.
«أوف… خفف قليلاً… أنت لست كلبًا.»
من الضغط المفاجئ، أطلقت فيفيان أنينًا لا إراديًا. لم يخفف إدموند قوته.
يتصرف تمامًا ككلب كبير يظن أنها لا تزال جروًا صغيرًا.
أغمض إدموند عينيه بهدوء. النسيم يهب بلطف.
«بيبي.»
«نعم.»
«ربما تبدو قصة بسيطة، لكن بالنسبة لي… هناك أمر مهم أريد قوله.»
تذكرت كلماته اليائسة عندما سمع نكتيرن 21، وهو يمسكني بقوة.
قال إنه لا يتذكر، لكن العواطف بقيت كاملة. وفي تلك الأشهر المفقودة، ربما كرر عشرات أو مئات المرات تلك الكلمات دون وعي.
«…»
حدثني سابقًا عن اللحظة التي وقع فيها في حبي عند رؤية لوحتي. قال إنه شعر بالشوق أولاً.
الذاكرة المفقودة، والعواطف الباقية، والسحر، والحنين واللوم…
شعرت بضيق خفيف.
ربما كان ينتظر شخصًا طوال تلك الفترة الصعبة.
أصبحت أصابعي مبللة بالعرق من التوتر.
فقدان التعاطف والاهتمام بالعالم مع الذاكرة كان مؤسفًا، لكن ما تبعه كان أثقل عليّ. عندما قال إن اهتمامه بدأ بلوحتي «فيفي، في المهرجان»، شعرت بغصة.
بالطبع، قلب الإنسان غالبًا ما يكون غامضًا حتى على صاحبه، فلا يجب الحكم بسرعة. لكن…
«مؤلم جدًا، أليس كذلك.»
كلانا… الوضع حزين جدًا.
أن أكون بديلاً عن شخص آخر أمر مزعج بالطبع.
لهذا السبب كنت غاضبة من إدموند الذي لم يميز بين لوحتي وأنا. لكن الآن، بعد معرفة كل هذا… لا أعرف.
فوق الغصة، غمرني اليأس.
ربما لم أكن مجرد لوحة بالنسبة له.
«…كيف أقول له إذن.»
كيف أقول له إنني سأرحل، يجب أن أرحل، وأتركه هنا؟
حتى لو بقيت، سأضطر إلى الرحيل مبكرًا جدًا، لأن وقتي قصير جدًا… كيف أقول؟
كان يجب أن أرحل دون تردد عندما حذرتني يوريا منه، أو عندما قال لي أن أخرج بسرعة. لم يكن يجب أن أتشبث به بهذا القدر من التعلق.
لم يكن يجب أن آتي إلى دويو.
دفنت وجهي في يديّ.
إذا أخبرته أنني يجب أن أرحل… هل يستطيع قبول ذلك؟
ابتلعت ريقي الجاف.
من خلال ما رأيته من إدموند حتى الآن، لم أستطع التفاؤل. هو مهووس. حتى عندما رأيت ميكابيلا من خلال <أكريد> مؤخرًا، مرّ الأمر بهدوء غريب، فتعجب الجميع، لا أنا فقط.
التعليقات لهذا الفصل " 58"