بينما كانت رائحة الورق العتيق الممتزجة بالرطوبة تملأ المكان..
كان أدريان يمسح العرق عن جبينه تحت ضوء مصباح مكتب أصفر خافت.
لم يكن هناك محركات بحث ، فقط فهارس ورقية ضخمة كان يقلبها بأصابع متربة.
أخيراً ، عثر على الملف المرجعي المطلوب.
أخرج منه وثيقة صفراء ، ملمسها كالحرير القديم ، تحمل ختماً ملكياً شمعياً أحمر.
كانت “وثيقة الوقف الطبي المستدام”.
بقلبٍ يخفق ، حمل أدريان الوثيقة إلى آلة تصوير “زيروكس” قديمة في زاوية الغرفة.
تلك الآلة التي تصدر ضجيجاً ميكانيكياً عالياً وتخرج أوراقاً دافئة يفوح منها حبر الكربون.
وضع النسخة الدافئة في مغلف ورقي بني ، وأغلقه بالشمع دون أن يكتب عليه اسماً.
في صباح اليوم التالي ، كان السيد أرثر يجلس خلف مكتبه الخشبي الضخم.
بزهو وهو ينتظر “ساعي المحكمة”.
طُرق الباب ، ودخل محاميه بملامح شاحبة ، يضع على المكتب ملفاً أزرق.
قال المحامي بنبرة مهزوزة:
“سيد أرثر.. لقد حدث ما لم يكن في الحسبان. المحكمة الكبرى أوقفت قرار الإخلاء تماماً. لقد ظهرت وثيقة ملكية قديمة ، نسخة مصدقة من ‘الوقف الملكي لعام 1920’.”
انتفض أرثر بغضب :
“وثيقة ؟ أي وثيقة ؟ تلك الأوراق فُقدت في حريق الأرشيف قبل ثلاثين عاماً! من أين جاءت ؟”
المحامي وهو يمسح نظارته بمرارة:
“لا نعلم.. وصلت في مغلف مجهول لمكتب القاضي فجراً. الوثيقة تمنح عائلة آيلان حصانة أبدية، بل وتعتبر منزلهم ‘حرماً طبياً’ لا يجوز المساس به. القانون القديم يحميهم بقوة لا نملك أمامها حيلة.”
ضرب أرثر مكتبه بقبضته ، وتطايرت الأوراق:
“هناك جاسوس بيننا ! شخص نبش في الأنقاض ليجد ورقة منسية منذ خمسين عاماً. أريد جرد جميع من دخل الأرشيف هذا الأسبوع ، أريد أن أعرف من خانني!”
في تلك اللحظة ، دخل أدريان المكتب حاملاً صحيفة الصباح.
بدا هادئاً كالعادة..
جلس على الأريكة الجلدية يقلب الصفحات ببرود.
قال أدريان بنبرة غير مبالية:
“يبدو أن الحظ وقف بجانب الجيران هذه المرة يا أبي. ربما التاريخ يرفض أن يمحو آثار الجراح ‘آيلان’.”
نظر إليه أرثر بشك ، لكنه استبعد الفكرة فوراً.
فأدريان لم يغادر القصر بملابسه الرسمية ، ولم يظهر عليه أي اهتمام بالأوراق القانونية المملة.
لم يتخيل أرثر أن ابنه قد يقضي ليله في سرداب مظلم يلوث يديه بالتراب من أجل ” العامة “.
على الجانب الآخر من السياج ، كانت تولين تقف في المطبخ تساعد والدتها.
حين دخل الدكتور بلير والابتسامة تشق وجهه المتعب لأول مرة منذ أسابيع.
وهو يلوح بالرسالة الرسمية:
“هيلين.. تولين.. المعجزة حدثت! المحكمة اعترفت بحق أبي الطبي. لقد أرسل شخص ما الوثيقة المفقودة للقاضي. نحن بأمان.. المنزل بأمان!”
سادت أجواء من البهجة الممزوجة بالذهول داخل منزل عائلة “آيلان”.
كانت هيلين تمسح دموع الفرح وهي تعيد ترتيب مزهريات اللافندر.
بينما جلس الدكتور بلير يقرأ نسخة الوثيقة الملكية مراراً وتكراراً ، محاولاً فك لغز ظهورها المفاجئ.
قالت تولين وهي تضع إبريق الشاي على الطاولة:
“لابد أنه أحد مرضى جدي القدامى يا أبي. ربما شخص يعمل في السجلات الوطنية وأراد رد الجميل بصمت. الحمد لله أن هناك من لا يزال يملك ضميراً في هذه المدينة ، بعيداً عن جشع جيراننا.”
“أياً كان يا تولين ، فقد أنقذ تاريخنا. السيد ‘أرثر’ لا بد أنه يستشيط غضباً الآن ، فخطته لابتلاع المنزل تبخرت في ليلة وضحاها.”
خرجت تولين إلى الحديقة لتسقي شجيرة الياسمين التي بدأت تتفتح أخيراً بفضل العناية المستمرة.
كانت تشعر بنوع من “النصر الصغير”؛ فالحق عاد لأصحابه رغم أنف القصور العاجية.
في تلك اللحظة ، رأت أدريان يخرج من الباب الجانبي للقصر.
بدا شاحباً قليلاً ، وكانت هناك هالات خفيفة تحت عينيه أثر السهر في الأرشيف..
لكن تولين فسرت ذلك بشكل آخر تماماً.
ظنت تولين في سرها:
‘ انظروا إليه.. يبدو محبطاً لأن خطة والده فشلت. لابد أن خسارة هذه القطعة من الأرض جرحت كبرياءهم ‘المقدس’. ياله من مسكين ، لا يتحمل رؤية الآخرين ينجحون.’
توقفت تولين عن السقاية ، ونظرت إليه بتحدٍّ.
ورفعت رأسها بشموخ متعمد وهي تبتسم ابتسامة عريضة تحمل كل معاني الانتصار.
توقف أدريان عند حافة حديقته ، يفصلهما السياج الحديدي.
رأى ابتسامتها ، وفهم أنها تظنه “مهزوماً” مع والده.
شعر بوخزة مريرة ؛ فهو الذي سهر الليالي لينقذ تلك الابتسامة ، يجد نفسه الآن “هدفاً” لسهام احتقارها.
أدريان بصوت هادئ ، محاولاً كسر الصمت:
“سمعتُ الأخبار.. يبدو أن بيتكم يملك جذوراً أعمق مما ظن الجميع.”
أجابته تولين بنبرة لاذعة ومنتصرة:
“أعمق بكثير مما تظنون يا سيدي، القانون القديم ظهر ليثبت أن ‘الركام’ كما وصفه والدك هو في الحقيقة حصن لا تطاله أموالكم. لابد أن هذا الخبر أزعج هدوء قصركم الجميل ، أليس كذلك ؟”
صمت أدريان..
أراد أن يصرخ:
‘ أنا من نبشتُ الحقيقة لأجلكِ! ‘
لكن كبرياءه منعه ، وخوفه من أن تظن أنه “يشتري” ودّها منعه أكثر.
أدريان ببرود مصطنع ليحمي قلبه:
“العدالة تأخذ مجراها دائماً.. مبارك لكم البقاء.”
استدار ومضى نحو القصر بخطوات ثقيلة ، بينما كانت تولين تنظر في أثره وهي تشعر بنشوة غريبة.
قالت تولين لنفسها:
‘ حتى مباركته باردة كالرخام. يظن أن كلمات المهذبة ستمحو حقيقة أنه فانديرميل . سأحتفظ بهذه الابتسامة ، ليعلم أننا هنا باقون ، رغم أنفهم جميعاً.’
دخل أدريان غرفته ، وألقى بنفسه على الكرسي الهزّاز.
نظر إلى يديه اللتين لا تزالان تحملان آثار حبر الأرشيف الأسود تحت الأظافر.
غسلهما بعنف ، وكأنه يحاول غسل حبه الذي ينمو في المكان الخطأ..
وفي الشخص الخطأ..
بينما كانت تولين في الجهة المقابلة ، تفتح مذياع والدها القديم..
و هي تظن أن “بطلاً مجهولاً ” من عامة الشعب هو من أنقذهم..
دون أن يخطر ببالها قط أن “البطل” كان يراقب ضوء غرفتها الوردي..
بقلبٍ محطم من خلف قضبان الذهب.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 9"