مرت الأيام، وتحولت تلك النوافذ المتقابلة إلى “لغة صامتة” لم يتقنها أحد سواهما.
لم يكن بينهما موعد، لكن العادة أصبحت أقوى من الاتفاق.
كانت تولين تتعمد أحياناً إطالة البقاء أمام مرآتها، تمشط شعرها القصير بخصلاته الثائرة.
وهي تشعر بظل أدريان في الجهة المقابلة .
لم تكن تنظر إليه مباشرة، لكنها كانت تبصر انعكاس طيفه في زجاج نافذتها..
يكتفي بوجوده هناك كجزء من أثاث ليلها.
ذات ليلة، كان المطر يهطل برقة، يغسل غبار “حي الأسياد” المتغطرس.
فتحت تولين نافذتها قليلاً لتسمح لرائحة التربة المبللة بالدخول
و فاجأها أن شرفة أدريان كانت مفتوحة أيضاً رغم البرد.
لم يكن يحمل كتاباً هذه المرة.
كان يسند ذقنه على كفيه ، وعيناه مائلتان نحو الأسفل ، حيث حديقة منزل “آيلان” المتواضعة.
بدا في تلك اللحظة مجرداً من هيبة “النبلاء” ؛ بدا وكأنه طفل يراقب حلماً لا يطاله.
تولين في سرها:
“لماذا يبدو حزيناً وسط كل هذا الذهب ؟ هل يمكن للرخام أن يكون بارداً لدرجة تجمد القلوب؟”
في حركة عفوية ، رفعت تولين يدها لتزيح خصلة شعر بللها المطر، فالتقت نظراتهما بوضوح هذه المرة.
لم تشح بنظرها كما في المرة الأولى. كانت هناك “هدنة صامتة”.
رفع أدريان يده ببطء شديد ، وكأنه يخشى أن يكسر زجاج اللحظة ، وأومأ برأسه إيماءة خفيفة جداً..
لم تكن سلاماً رسمياً ، بل كانت اعترافاً بوجودها.
ترددت تولين ، ثم استجابت بهزة رأس رقيقة ، قبل أن تسحب الستارة الوردية وتغوص في دفء غرفتها.
أغلق أدريان باب شرفته ، لكنه لم يبتعد .
كان ضوء غرفتها الوردي ينعكس على قطرات المطر العالقة على زجاجه، فيحولها إلى لآلئ ملونة.
قال أدريان مخاطباً نفسه بصوت خفيض:
“إنها تعيد الحياة لهذا الزقاق الميت.. بينما نحن نكافح لنبدو مثاليين، هي تكتفي بأن تكون ‘حقيقية’.”
شعر أدريان بشيء لم يشعر به من قبل
الفضول …
فضول لمعرفة ماذا تقرأ ؟
كيف تضحك ؟
وكيف استطاعت تلك الفتاة “الغريبة” أن تحول “ركاماً” إلى موطن يفوح منه الدفء ؟
بينما قصره لا يفوح منه سوى رائحة المنظفات الفاخرة والوحدة.
كانت عائلة “فانديرميل” لم تكن مجرد عائلة ثرية..
كانت مؤسسة تسير وفق قوانين صارمة لا تقبل الخطأ.
على مائدة عشاء تمتد لطولٍ مبالغ فيه ، جلس السيد “أرثر فانديرميل” برأسه الشائب ونظراته التي تشبه نصل السكين.
وبجانبه، كانت السيدة “إليانور” ترتدي عقداً من الألماس يبدو وكأنه قيد يطوق عنقها، تراقب بدقة وضعية الملاعق والمناديل.
كسر السيد أرثر الصمت بنبرة جافة:
“أدريان ، لاحظت أنك تقضي وقتاً طويلاً في الشرفة مؤخراً. أرجو ألا يكون السبب هو مراقبة ذلك ‘التشوه المعماري’ الذي يسكنه هؤلاء الغرباء.”
أجاب أدريان بهدوء، دون أن يرفع عينيه عن طبقه:
“إنه مجرد منزل قديم يا أبي، لا يستحق كل هذا التركيز.”
تدخلت السيدة إليانور بصوتٍ ناعم لكنه حاد كالزجاج:
“بل يستحق. وجودهم في هذا الحي يقلل من قيمة استثماراتنا. هؤلاء الناس يعيشون على الفتات والذكريات، ونحن لا نبني إمبراطورياتنا بالتعاطف مع الفاشلين الذين رفضوا التطور. لقد عرض والدك عرضاً سخياً لشرائهم، لكنهم يملكون كبرياءً يفوق حجم منزلهم المتهالك.”
بالنسبة لعائلة فانديرميل، لم يكن البشر بشراً، بل كانوا “أرقاماً” و“مكانة اجتماعية”.
كان أدريان بالنسبة لهم هو “الواجهة” التي ستكمل مسيرة السيطرة على الحي وتحويله إلى مدينة للمخمليين فقط.
كانوا يفتخرون بـ “نقاء” طبقتهم، ويرون أن الاختلاط بمن هم دونهم يشبه “العدوى”.
فكر أدريان وهو ينظر إلى والديه:
“نحن نملك كل شيء ، لكننا لا نملك ضحكة واحدة حقيقية مثل التي أسمعها أحياناً تتسلل من نافذة منزل ‘آيلان’. نحن نعيش في متحف، وهم يعيشون في ‘بيت’.”
بعد العشاء، عاد أدريان إلى غرفته.
نزع ربطة عنقه التي كانت تخنقه طوال المساء ، وأطفأ أنوار غرفته الفاخرة ليبقى فقط ضوء القمر.
اتجه فوراً نحو الشرفة. كانت تولين هناك، تقرأ كعادتها.
أدرك أدريان في تلك اللحظة أن عائلته لا تحارب “منزلاً قديماً”، بل تحارب “روحاً” لا يمكنهم شراؤها بالمال.
كانت عائلته تمثل “السلطة”.
بينما كانت تولين تمثل “الحرية”..
التي سُلبت منه منذ صغره ليصبح الوريث المثالي.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 4"