في ردهة قصر “فانديرميل” المزدانة بالثريات الكريستالية.
كانت “كلير” ترتشف شايها ببرودٍ مدروس.
جلست قبالتها سيدة القصر الرفيعة، تتبادلان أحاديثاً منمقة.
حول الزواج السياسي الوشيك الذي سيعزز نفوذ العائلتين.
وعندما أبدت الفتاة رغبتها في تفقد “أدريان”، حاولت السيدة إليانور ثنيها بابتسامة وقورة:
“عزيزتي ، أدريان ، لا يحبذ الاقتحام إلى غرفته دون إذنه ، حتى من أقرب الناس إليه.”
لم يهتز ثبات “كلير”، بل ردت ببراعة تخفي خلفها أنياب المكر:
“أوه ، لا تقلقي يا سيدة فانديرميل، نحن زملاء دراسة قبل كل شيء، وهناك بعض النقاط المعقدة في دروس التاريخ تحتاج لتوضيح عاجل منه ، لذا سأنتظره هناك.”
بمجرد أن أغلقت باب غرفته خلفها، شعرت ببرودة المكان التي تشبه صاحبها.
كانت الغرفة خالية ، لكن شيئاً ما على الطاولة الجانبية جذب عينيها كالمغناطيس.
ورقة قديمة ، أطرافها مهترئة وكأنها عانت من كثرة التقليب.
بفضولٍ جامح ، فتحتها..
لتتجمد الدماء في عروقها.
كانت هي ! “الوثيقة ” التي هزت أركان الطبقة المخملية.
تلك الفضيحة التي ظل السيد “فانديرميل” يقتفي أثر فاعلها المجهول لفترة دون جدوى.
بسرعة البرق ، طوت الوثيقة ودستها في الثنيات المخفية لمشدّ فستانها
لتلتصق بجلدها البارد كأنها قطعة من الجمر.
خرجت من الغرفة بخطوات واثقة، لكن عقلها كان يشتعل بالتساؤلات.
كيف لهذا النبيل الرفيع أن يشفق على فتاة بائسة من العامة ؟
هل هو الحب ؟
هزت رأسها رافضة:
“مستحيل!”.
لكن صورته في المكتبة ، وتلك المرة التي حمى فيها “تولين” بجسده من المحلول و الزجاج المكسور.
كانت حقائق لا يمكن إنكارها.
قالت في نفسها بخبث:
“إذا كان يريد الحفاظ على سمعته، فليختر. فضح هذا الأمر سيجعل عائلته ، منبوذي المحافل الرفيعة ، وسينزع عنهم ‘قداسة الدم الأزرق’ في أعين النبلاء، ليتحول اسم ‘فانديرميل’ إلى مرادف للتمرد والهوان الطبقي.”
رسمت على وجهها قناع البراءة، وعادت لقاعة الاستقبال.
لتستأنف جلستها مع إليانور بهدوء مصطنع وضحكة مكتومة ، وكأن شيئاً لم يكن.
بعد رحيل “كلير” بوقتٍ قصير، دخل أدريان القصر بخطواتٍ هادئة.
ولكنها تحمل ثقلاً لا يفسره إلا من يعرف ما يدور في خلده.
ألقى تحيةً مقتضبة على والدته، السيدة إليانور.
التي بادرته بابتسامة رقيقة قائلة:
“لقد كانت خطيبتك هنا منذ قليل، صعدت لغرفتك لتبحث عنك، أخبرتها أنك لا تريد أن يقتحم أحد خصوصيتك ، لكنها أصرت على انتظارك هناك لبعض الوقت قبل أن تغادر.”
تجمدت ملامح أدريان للحظة ، وشعر بوخزة مفاجئة في صدره.
لم ينطق بكلمة ، بل أومأ برأسه وصعد السلم متجاوزاً درجاته بسرعة لا تناسب وقاره المعتاد.
بمجرد أن دلف إلى غرفته وأغلق الباب خلفه.
اتجهت عيناه مباشرة نحو الطاولة الجانبية.
ساد صمتٌ قاتل في أرجاء الغرفة، صمتٌ لم يكسره سوى صوت أنفاسه التي بدأت تضطرب.
امتدت يده المرتجفة نحو المكان الذي ترك فيه الوثيقة..
لكنه وجد السطح الخشبي أملساً بارداً، وخالياً تماماً.
قلب الأوراق المبعثرة ، بحث تحت الكتب ، ونبش في أدراجه بجنونٍ مكتوم.
لكن الحقيقة كانت قاسية كالجليد:
الورقة قد اختفت.
استند بيده على حافة الطاولة، وأغمض عينيه بقوة وهو يشعر بانهيار العالم من حوله.
صورة “كلير” وابتسامتها الواثقة بدأت تهاجم مخيلته ككابوس.
لم تكن مجرد ورقة قديمة ؛ كانت صك الأمان الذي يحمي “تولين”
ويصون هيبة عائلة فانديرميل من السقوط في وحل الفضيحة.
همس بصوتٍ مخنوق:
“كلير.. ماذا فعلتِ؟”
أدرك في تلك اللحظة أن “كلير” لم تعد مجرد فتاة نرجسية تطارد حبه.
بل أصبحت عدواً يملك حبل المشنقة الذي قد يلتف حول عنقه في أي لحظة.
نظر من النافذة نحو حديقة القصر، وبدا ضوء الضحى الذي كان يراه جميلاً قبل قليل.
باهتاً ومهدداً ، وكأنه ينذر ببداية عهدٍ جديد من الابتزاز والخضوع.
في صباح اليوم التالي ، وتحت أشعة الضحى التي لم تعد تحمل لأدريان أي دفء.
سار بخطواتٍ حازمة في ممرات الكلية ، وخلفه تتبعه “كلير” بابتسامة نصرٍ خفية.
بمجرد أن انفردا في زاوية معزولة بالحديقة الخلفية.
بعيداً عن أعين المتطفلين ، التفت إليها فجأة.
كان وجهه نحيتاً من رخام ، وصوته يخرج كفحيح الجليد:
“كيف تجرأتِ على اقتحام خصوصيتي ؟ وما الذي يمنحكِ الحق في سرقة وثيقة من فوق مكتبي ؟”
ارتجفت “كلير” للحظة أمام هيبته الطاغية وبرودة عينيه التي كانت تعدمها مع كل كلمة.
لكنها سرعان ما استجمعت شتات نفسها ، ورفعت رأسها بتحدٍّ مرير:
“لقد أحببتك لسنوات يا أدريان.. انتظرتُ كلمة واحدة ، نظرة واحدة تليق بمقامي ، لكنك لم ترَ غيري سراباً ! وبدلاً من ذلك ، ذهبت لتلاحق فتاةً عامية.. حثالة من القاع لا تملك حتى ثمن الحبر الذي تكتب به دروسها!”
اقترب منها أدريان خطوة واحدة، وبرزت عروق عنقه من شدة الغضب المكتوم.
كأنه بركانٌ يوشك على الانفجار.
وهمس بصوتٍ يرتعد من القهر:
“إياكِ أن تنطقي باسمها على لسانكِ السام..”
لم تتراجع كلير ، بل أخرجت نبرة الوعيد الأخيرة:
“إن أردت حمايتها وحماية اسم عائلتك من ‘الهوان الطبقي’ ووصمة العار، فعليك أن تنفذ شروطي حرفياً. ابتعد عن تلك البائسة تماماً ، تجاهلها وكأنها لم تكن ، وأظهر للعالم أجمع أنك لا ترى غيري شريكةً لك. وإلا.. فإن هذه الوثيقة ستكون بين يدي والدك الصارم قبل مغيب الشمس.”
احتقن وجه أدريان بالدم ، وشعرت كلير أن الأمور ستخرج عن السيطرة تحت وطأة غضبه الكاسح.
فانسلت من أمامه بسرعة وهي تقول بنبرة لاهثة:
“فكر جيداً.. الخيار لك. وإذا قررت أن تكون عاقلاً ، فانتظرني لنكون معاً في يوم احتفال الكلية .”
تركته واقفاً هناك ، تائهاً وحائراً في وسط الحديقة.
كان الصراع يمزقه ؛ فإذا وافق، فسيحمي “تولين”.
وعائلتها من بطش الطبقة المخملية ومن قسوة والده ، لكنه سيكسر قلبها وقلبه بالخداع.
وإذا رفض ، فسيشاهد اسم “فانديرميل” يغرق في وحل الفضيحة
وستكون “تولين” الضحية الأولى لغضب والده الذي لا يرحم.
لم يغمض لـ أدريان جفن في تلك الليلة.
ساد السكون في جناحه الخاص بقصر “فانديرميل”، لكن عقله كان ساحة معركة ضارية.
كان يقف أمام النافذة الكبيرة يراقب القمر الشاحب ، وفي يده كأس من الماء لم يلمسه.
وعيناه غائرتان تعكسان انكساراً لا يليق بكبريائه.
كانت خياراته مريرة كالعلقم ؛ فإما أن يتمسك بـ تولين ويواجه والده الصارم
و يرى كيف يسحق والده عائلتها تحت أقدام النفوذ الأرستقراطي بمجرد رؤية الوثيقة.
وإما أن يرتدي قناع الجليد مرة أخرى ويمزق قلبها ببروده.
“ليكن.. سأكون الشرير في قصتها، مادام ذلك سيمنحها الأمان”.
تمتم بصوتٍ خافت خالٍ من الحياة.
اتخذ قراره المر:
سيجاري “كلير” في لعبتها القذرة، سيرافقها في احتفال الكلية.
وسيتظاهر بأن “تولين” لم تكن يوماً سوى عابرة سبيل في حياته.
لم يكن هذا استسلاماً لـ “كلير”، بل كانت مناورة بائسة لكسب الوقت.
فبينما يمثل دور الخطيب المخلص أمام الجميع.
سيجند كل دهائه ليعرف أين تخفي تلك “الأفعى” الوثيقة ويستعيدها بأي ثمن.
ومع خيوط الفجر الأولى ، وقف أمام المرآة يعدل ياقة قميصه.
وقد اختفت كل ملامح الرقة التي كانت تظهر فقط أمام “تولين”.
نظر إلى انعكاس صورته بـ اشمئزاز؛ فقد أدرك أن أشد أنواع العذاب ليس الموت.
بل أن تضطر لإيذاء من تحب لكي تحميه.
قال في نفسه بمرارة:
“أكرهيني يا تولين.. ابصقي على اسمي ، فذلك أهون عليّ من أن أراكِ منبوذة أو محطمة بسبب خطيئة لم ترتكبيها”.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 12"