كانت جوزفين، الخادمة، هي طرقت على الباب. ترددت راشيل للحظة، ثم دخلت تاركةً الرسالة مُخبأة تحت المكتب. كانت ستفكر في الرسالة بعد العشاء.
‘وإذا سنحت لي الفرصة، سأتحدث مع…… والتر.’
لقد بدا رجلاً لطيفاً.
***
كانت قاعة المأدبة في الطابق الأول، حيث تبعت الخادمة، بيضاء نقية، مثل المعبد.
كانت الستائر الزرقاء التي كانت تتدلى فوق النوافذ الزجاجية التي تصطف على جانب واحد من الغرفة هي البقعة الوحيدة من اللون في المساحة البيضاء النقية.
“أوه، آنسة هوارد، تعالي من هنا”
ابتسمت السيدة أوتيس عند رؤيتها لراشيل. ابتسم راشيل بامتنان ونظرت حول الطاولة بشكلٍ خفي.
كان هناك عددٌ قليل من الضيوف في عشاء الليلة. كانت السيدة أوتيس على رأس المائدة، وروجرز والتر إلى يسارها، وصبيٌ إلى جانب روجرز.
تعثرت مشية راشيل المستقيمة قليلاً عندما لمحت الصبي.
“إنه يشبهُ بطلَ سيد قلعةِ الجليد في كتابِ الأطفال ذاك.’
كانت هناكَ روايةٌ تلهو بها في طفولتها. كانت تحكي عن قصةِ صبيٍ جميل أحبته حاكمة الشتاء لدرجة أنها سجنتهُ في قلعةٍ جليدية، وكانت هناك فتاةُ انطلقت في مغامرة لإنقاذه.
كانت راشيل الصغيرة تستلقى في فراشها وتتخيل الصبي كل ليلة.
الصبي الذي لم تستطع حتى حاكمة الشتاء الشرسة والباردة إلا أن تقع في حبه. كانت حاكمة الشتاء تذرف كل يوم دموعًا كبلورات الثلج على أمل أن يبتسم ذلك الصبي.
كم كان جميلاً ذلك الصبي الذي جعلَ العالمَ كلهُ يغرقُ في الثلج.
لم تكُن راشيل هي الوحيدة التي تساءلت عن ذلك، ففي مدرسة هارييت الداخلية كانت هناك لوحةٌ للصبي رسمها فنان مشهور.
لقد كانت لوحةً ساحرة، لوحة كانت تخطف أنفاسي في كل مرة أنظر إليها.
ومن الأشياء المعروفة في مدرسة هارييت أن باب الغرفة التي توجد فيها اللوحة كان مهترئًا من كل الفتيات اللاتي يأتين للإعجاب برموش الصبي الرقيقة.
ولكن لو رأى رسام تلك اللوحة الصبي الجالس على الطاولة الآن، فهي مُتاكدة من أنه كان سيهلل ويحرق لوحته.
وهو محق في ذلك، لأنه من غير ذلك الصبي يجرؤ على أن يكون النموذج الحقيقي لـبطل (سيد قلعة الجليد).
كان شعره الذهبي، يغطي جبهته ومؤخرة رأسه بلطف، وكان جبينه تحت شعره أكثر روعة.
كانت بشرته شاحبة بشكل شفاف ولا تشوبها شائبة. الهواء البارد الوحيد الذي كان يحيط به جعله يبدو أقل شبهاً بالرجل وأكثر شبهاً بمنحوتة جليدية نحتها بعناية حرفي بارع.
إذا كانت ملامحُ روجرز والتر المُستديرة هي مثال الوسامة، فإن رقة ملامح الصبي هي مثال الجمال.
إنه ذلك النوع من الجمال العابر الذي يخشى الإنسان أن يذوب عندما يلمسه.
كانت الملامح العامة للفتى تحمل تشابهاً صارخاً مع ملامح السيدة أوتيس، ولم تدرك إلا بعد فوات الأوان أنه أول أبناء أوتيس.
خفضت راشيل نظرها وهي محرجة من أنها كانت مفتونة به إلى هذا الحد.
ثم خطر ببالها سؤال. لماذا كان أبن أوتيس البكر يجلس على رأس الطاولة؟
ألقت نظرة حول الغرفة، ولكن لم يبدو أن أحدًا في غرفة الطعام، ولا حتى هو نفسه، كان يبدو أنه منزعجًا من الموقف.
[لا داعي للاهتمام بأبن أوتيس البكر]
فجأة، خطرت في ذهنها جملةٌ من الرسالة.
دفعت الرسالة من ذهنها، وجلست على الكرسي الذي سحبه لها الخادم.
“ما رأيكِ في غرفتكِ؟”
سألت السيدة أوتيس بمرح. انحنت راشيل بأدبٍ.
“إنها ألطف غرفة رأيتها في حياتي يا سيدتي، وأشكركِ على لطفكِ.”
“إذا كان هناك أي شيء تحتاجينه، فقط أخبريني، فالمال هو الشيء الوحيد الذي يمتلئ به هذا القصر، وهذا كل ما يمكنني فعله”
بدأ الخدم في إحضار الطعام. ومن فوق الذراع التي وضعت حساء الملفوف، رمقها روجرز بتحية ودية بالعين.
كانت ابتسامته منعشة بما فيه الكفاية لتصفية ذهنها المشوش. وبادلته راشيل الابتسامة.
عندما أنهى الخدم عملهم وخرجوا، تحدث روجرز إلى السيدة أوتيس.
“هل هذه هي المرة الأولى التي تلتقي فيها الآنسة هوارد بآلان يا سيدتي؟”
كانت راشيل مندهشةً قليلاً من طريقة روجرز غير الرسمية في مخاطبة سيدته.
على الرغم من أنها لم تظهر ذلك فقد حرّكت السيدة أوتيس حسائها بملعقتها وأجابت دون أن تنظر إلى الأعلى.
“نعم.”
“هل تمانعين لو قدمت آلان للآنسة هوارد بدلاً من ذلك؟”
“كما تشاء، ليس من شأني ما تفعله معه”
عند ذكر ابنها، تحول سلوك السيدة أوتيس إلى حادٍ مرةً أخرى. في الصمت المحرج، دحرجت راشيل عينيها بقلق. تساءلت عما إذا كان آلان أوتيس سيكون بخير بعد أن رفضته أمهُ مباشرة.
تحول قلق راشيل إلى الصبي الجالس في المقعد المائل، وحينها أدركت الأمر. كان آلان أوتيس يحدق في الدجاجة على طبقه كما لو كانت عدواً، ثم نظرَ فجأة إلى الأعلى.
“……!”
لم يكن هناك وقت للمراوغة، والتقت العيون. عينان زرقاوان سماويتان مثل حبات الزجاج، صافيتان لا تشوبهما شائبة.
كان هناكَ شيءٌ واحدٌ فقط يتبادر إلى ذهنها المذهول.
‘آه، لا بد أن حاكمة الشتاء قد وقعت في حب هاتين العينين الصافيتين.’
لأن سماء الشتاء دائماً ما يكون لونها رمادياً قاتماً.
“آنسة هوارد؟”
“نعم…… نعم؟”
ارتجفت راشيل بغضبٍ وتصلب ظهرها. حدق فيها روجرز مبتسماً بهدوء.
“هذا هو السيد آلان، الابن الأول لعائلة أوتيس. أتمنى أن تكونا صديقين جيدين في المستقبل.”
“لا تكون سخيفاً.”
رد آلان أوتيس ببرود، وعاد بنظره إلى صحنه. كانت العداوة المنبعثة من الصبي واضحة بشكل مقلق.
قررت راشيل التي ذهلت قليلاً، ألا تأخذ الأمر على محمل الجد.
شعرت بشيء من الخفة عندما تذكرت الآنسة أليسون أو بالتحديد مارغريت التي كانت تخجلُ من لمسها في الماضي و الآن هما مقربتان أكثر مما يتخيلُ أيُّ شخصٍ.
كانت راشيل أول من انحنى.
“من سروري مقابلتك يا سيد أوتيس.”
لم يرد آلان أوتيس، لكنها لم تهتم.
كان لراشيل موهبةٌ خاصة في إيجاد الخير في أيٍّ موقفٍ. كانت قدرتها على التكيف والتقبل لا مثيل لها.
حتى أمام هذه الطاولة الخانقة، كانت موهبتها واضحة للعيان. فكرت راشيل بهدوء:’سأكون مُحاطة بالجمال’
‘ليس كل يوم يتسنى لي تناول الطعام محاطةً بالجمال’
على الرغم من حذرها من الترف، لم تكن راشيل تنفر من الجمال. بل على العكس، كانت تستمتع بتقدير الفن بجميع أنواعه.
كان الأشخاص الثلاثة الجالسين حول المائدة الآن أعمالاً فنية لم ترِ مثلهم إلا مرة واحدة في حياتها. كان قلب راشيل قد اغتنى، حتى وإن كانت متعبةً من حذرها من المجهول.
‘أنا متأكدة من أن الأطفال الذين سأعتني بهم سيكونون ملائكيين في المظهر. حتى لو كانوا حساسين مثل السيدة أوتيس، فلن تكون هناك مشكلة، لقد تعاملت مع هذا النوع من الأطفال من قبل، لذا لن يكون الأمر صعباً جداً…….’
على الرغم من هذا الاطمئنان، لم يكن العشاء ممتعاً على الإطلاق.
لم تنطق السيدة أوتيس ولا آلان أوتيس بكلمة واحدة منذ بدء الوجبة. كانت السيدة أوتيس تلتقط السلطة التي تم تقديمها كمقبلات، ولم يلمس آلان حتى أدوات المائدة الخاصة به.
فقط روجرز تناول طعامه بلا مبالاة وتحدث إلى راشيل.
قال: “سمعتُ أنكِ كنتِ معلمةً مساعدة في مدرسة هارييت الداخلية، أنتِ رائعة جداً على الرغم من أنكِ صغيرة لابد أنكِ كنتِ طالبةً موهوبة وشابة لطيفة، ولهذا السبب أتت لكِ هذه الفرصة”
كان لدى روجرز موهبة في جعل الآخرين يشعرون بالرضا. وسرعان ما وجدت راشيل ، التي كانت تراقب السيدة أوتيس وآلان أوتيس باستمرار، نفسها مسترخية في المحادثة.
وفي هذه الأثناء، تم تقديم الطبق الرئيسي. وُضع أمام كل واحد منهم طبق من الأطباق المطهوة بشكلٍ فاتح للشهية.
“إنه فخذ خروفٍ طويل العمر، متبلٌ بالنبيذ الأحمر ومشوي. يقدم مع الكرفس والبطاطا المهروسة.”
التقطت راشيل سكينها وهي تستمع إلى وصف الخادم. وقبل أن تداعب السكين، راودتها فكرة مفاجئة.
على الرغم من شكوكها، انجذبت شوكتها إلى اللحم.
و في تلك اللحظة..
-بانج!
ضرب آلان أوتيس فجأة قبضته على الطاولة. أسقطت راشيل المندهشة شوكتها على الأرض.
“آلان.”
نادى روجرز أسم الصبي بهدوء. ولكن كما لو أن نداءه لم يُسمع، نهض آلان أوتيس بصمت من مقعده، ومد يده إلى كأس النبيذ الذي أمامه.
راقبته راشيل في عدم تصديق بينما كانت أصابعه الطويلة الرشيقة، مثل عازف البيانو، تميل الكأس بتكاسل.
التعليقات لهذا الفصل " 9"