وقفَ آلان أوتيس. ولأنهُ كان يرتدي قميصًا رقيقًا، كانت حركةُ عظامه تحتَ القميصِ المفتوح واضحةً.
“ما رأيكِ، أيتها المعلمة الذكية والتي تعرفُ الكثير. هل تعتقدين أنني سأموت إذاً قفزتُ من تلك النافذة؟”
أصبح وجههُ الشاحب، الذي كان يحجبهُ ظلال الأشجار سابقاً، مرئياً بالكامل.
كانت هناك كدمةٌ حمراءُ على خدهِ الأيسر. حتى أن شفتهِ كانت مشقوقة وتنزفُ الدم. بدأ كما لو أنهُ قد صُفِعَ من قبلِ شخصٍ ما. بالحكم على حالة الجرح، فهو لم يكن قديماً.
نظرت راشيل إلى نافذة الطابق الثالث مرةً أخرى.
“……ربما، إذا كنتَ محظوظاً.”
“محظوظاً؟ لذا، بالنسبةً لكِ، الموت يندرج أيضاً ضمن نطاق ‘الحظ’؟”
“إنهُ أفضل من أن تصبحَ مقعداً أو أن تدخل في غيبوبة، وتصبح عبئاً على عائلتك.”
تلقت أنظارنا بهدوء. الشخص الذي أدار رأسه أولاً هو آلان أوتيس.
“أعتقدُ أنكِ لم تحظي بحياةٍ سهلةٍ للغاية أيضاً. حسناً، من منا هنا لم يمرَ بذلك؟.”
ضاع صوتهُ الخافت في النسيم. هل كان وهمها أنهُ كان هناكَ استنكارٌ خفي للذات في النهاية؟
“على أيّةِ حال، لقد أخذتُ رأيكِ بعين الاعتبار. يبدو من الأفضل التوقف عن هذه الطريقة. لم يكن الحظ إلى جانبي منذ ولادتي.”
وقف آلان أوتيس كما لو أن عملهِ قد أنتهى. مدت راشيل يدها على عجل ووقفت خلفه.
“هل انت بخير؟ هل أستطيع مساعدتك بإي شيء….”
“أبتعدِ عني. لستُ بحاجة إلى أيِّ مساعدةٍ.”
صفع آلان يد راشيل الممدودة بقسوة. أحمر وجهها من الحرج، لكن قلقها كان يفوق خجلها.
“لكنكَ تبدو شاحباً. هل كنتَ مستلقياً لأنك شعرت بالدوار؟ إذا كنتَ غير مرتاحٍ معي، سأحضر شخصاً آخر.”
“لا بأس! لقد كنتُ مستلقياً فقط.”
رفع حاجبيه بإنزعاج ونظر إلى نافذة غرفته مرةً أخرى.
“……لقد كان مجرد إحماء، أردتُ أن أشعر كيف يبدو الأمر.”
هل يجب أن أسال ما هو بالضبط هذا الاحماء؟ أم يجب أن أسأل ما سبب الكدمة على خدهِ؟
حتى لو سألتُ حقاً، هل سيعطيني إجابة؟
بينما كانت راشيل مرتبكةً ومترددة، قام آلان أوتيس بإزالة الأوراق الملتصقة بملابسه. كانت بقع العشب تغطي قميصه الأبيض، لكنهُ بدا غيرَ مبالٍ ولو للحظة.
هبت بينهما ريحٌ ربيعيةٌ باردة، ورفعت شعرَ الصبي الأشقرَ الرقيق، الذي كان يتلألأُ مثل حقلِ قمحٍ واسع تحت شمسِ المساء.
قام آلان بتمشيط شعرهِ الأشعث، والتفت إلى راشيل.
“يجبُ أن تذهبي أيضاً. أنتِ تبحثينَ عن التوأم، أليس كذلك؟”
“نعم؟ كيف عرفتَ ذلك؟”
“لقد ركضوا نحو الغابة الاصطناعية من ذلك الطريق. أذهبِ وَ عودي بهم.”
“آه، الغابة الاصطناعية!”
لقد كانوا هناك بعد كل شيء! أضاءَ وجهُ راشيل.
“شكراً لكَ على إعلامي…….”
“وَ.”
سقط ظل فوق رأسي.
قبل أن تعرف راشيل ذلك، أقترب آلان أوتيس وكان ينظر إليها.
استنشقت راشيل بشكلٍ لا إرادي رائحةً منعشة قليلاً ممزوجة بالهواء. لقد كانت رائحتهُ.
ليست رائحةَ الورد التي أعتادت عليها خلال الشهر الماضي، بل رائحةً غير مألوفةٍ ولكنها مألوفة.
عرفت راشيل هذهِ الرائحة.
‘هذا…….’
لا شك أنها كانت رائحةَ مطهر الجروح.
كانت رائحة المطهر تنبعثُ من جسدهِ كلهُ، لدرجة أنني أخطأت في أنها رائحة جسدهِ.
عن غير قصد، تحولت نظرتها نحو صدرهِ. من خلال قميصه المبلل الملتصق بجلده، ظهرت ندوبٌ باهتة، بالكاد مرئية.
لماذا مثلُ هذهِ الندوب موجودة؟
من يجرؤ على إيذاء وريث عائلة أوتيس؟
“من الآن فصاعداً، سيكون من الأفضل لكِ التخلي عن هذا النوع من التعاطف الفضولي.”
نظرتُ للأعلى فجأةً. عيون الشاب، التي كانت صافيةُ مثل السماء، أصبحت الآن غارقةً بالظلام.
“تظاهري أنكِ لا تعرفين هذا. إذاً كنتِ تريدين البقاء على قيد الحياة هنا.”
“ماذا تقصدُ…….”
حاولتُ السؤالَ مرةً أخرى وأنا في حالةِ ذهول، لكن آلان مر بجانبي غير مبالي.
أضاف بهدوء كما لو كان يتحدث إلى نفسه.
“حسناً، سينتهي الأمرُ كما هو دائماً على أيِّ حالٍ.”
أختفى الصبي بسرعة. كل ما بقي هنا هو الورود، المعلمة العاجزة، ورائحة المطهر العالقة في الهواء.
راشيل، التي كانت في حالة ذهول، جلست بعناية في المكان الذي كان يرقد فيهِ. قمت بإمالة الجزء العلوي من جسدي، وكنتُ على وشك الاستلقاء، وأملت رأسي لأنظرَ إلى الطابق الثالث من القصر.
خطرت ليّ فكرةٌ فجأةً.
إذاً ألقيتُ بنفسي من تلك النافذة، فمن المحتمل أن أموت.
***
أسرعتُ في الاتجاه الذي أشار إليه آلان، صادفت غابة صناعية صغيرة تم إنشاؤها في زاوية من الحديقة.
من المؤكد أن التوأم كانا بالداخل.
‘كيف وصلوا إلى هنا!’
أخذتُ نفساً عميقاً واختبأتُ خلف شجرة طويلة. كان الأطفال يخبطون أقدامهم في الوحل بوجوهٍ بريئةٍ. يبدو أنهم يستمعون كثيراً.
‘أنهم يحبون ذلك.’
هل يجب أن أتركهم يلعبون لفترة أطول قليلاً؟ ستكون ملابسهم متسخة، لكن تغيير الملابس وغسل الطين لن يكون بالأمر الصعب.
مع ذلك، فإن تساهلها اللحظي أختفى في أقل من ثلاث ثوانٍ بعد أن شاهدت التوأم مستلقين فوق بركةِ الطين.
خرجت راشيل، مذعورةً، بخطى واسعة.
“بيني! نيرو!”
“آه! لقد ظهرت الساحرة!”
رفع التوأم أذرعهم وأطلقوا صرخة، ثم انفجروا في الضحك. لقد كانت فرحتهما واضحة وجميلة مثل ضوء الشمس.
لقد ابتسمت بسعادة للحظة تقريباً، لكنني لم أستطع السماح للأمر بالاستمرار على هذا النحو. وضعت راشيل يديها على خصرها وضيقت حاجبيها.
“بيني، نيرو. لقد كنتُ قلقةً لأنكما اختفيتما دون أن تقولا كلمةً واحدة.”
“نحنُ آسفانِ! لا تأكلينا!”
ضحك التوأم مرةً أخرى. في نهاية المطاف، لم يكن بوسع راشيل إلا أن تبتسم أيضاً.
“حسناً حسناً. أستسلم.”
أخرجتُ منديلاً لتنظيف وجهيّ وأيدي التوأم. كان لا يزال هناك الكثير من الطين عليهم، لكنه كان مقبولا في الوقت الحالي.
وضعت راشيل المنديل المتسخ في جيبها وجلست أمام الأطفال.
“إذا كنتما تريدانِ الخروج، عداني بأنكما ستخبراني أولاً في المرة القادمة. إذا تعرضتما للأذى أثناء وجودكما بمفردكما، فسيجعلني ذلك حزينة جداً.”
“حسناً.”
“إذا وعدتِنا أنكِ لن تأكلينا، بعد ذلك؟”
سأل التوأم بلطافة، حتى أنهم أظهروا تشريفاً احتفظوا بها للمناسبات الخاصة.
للحظة، كنتُ في حيرةٍ من أمري لماذا أستمرا في إخباري بعدم أكلهما، ولكن سرعان ما أدركتُ ذلك.
‘لابد أنهم قرأوا قصة خيالية عن ساحرةٍ تأكلُ الأطفال.’
إنهُ ليس جيداً للتعليم، لذلك أعتقد أنني بحاجة إلى تنظيم رف الكتب.
على أيِّ حالٍ، كان مشهد التوأم وهما يتدليان حواجبهما ويتمتمان لطيفاً للغاية. قامت راشيل بقرص خدود التوأم بخفة.
“آوه؟ لكنني كنتُ أخطط لـتنظيفكما جيداً، ورش بعض المرق اللذيذ عليكم، ومن ثم التهمكم في قضمة واحدة!”
“كيهاها!”
“أنقذونا!”
خفت تعابير الأطفال بسرعة عندما ضحكوا بحرارةٍ. قامت راشيل بالتربيت على خدودهم السمينة بلطف ووقفت.
قامت بتعديل تنورتها وقالت بمرح.
“دعونا نعود. أنتما بحاجةٍ إلى الاغتسال وتغيير ملابسكما.”
“إيه.”
“لا أريد أن أستحم.”
“لا، إذا واصلتم على هذا المنوال، فسوف تأتي الجراثيم السيئة وتجعلكما مرضى جداً.”
عندما مددت يدي، أمسك بها الأطفال بسرعة. عبر الثلاثة الحديقة واتجهوا نحو القصر.
عندما دخلت قاعة المدخل، صدمتني رائحة الورد الكثيفة. أدارت الخادمات الأربع اللاتي كن ينظفن القاعة رؤوسهن في الحال ونظرن إلى راشيل.
وظهرت ابتساماتٌ مرسومةٌ على وجوههن.
“يوم سعيد، آنسة هوارد.”
“أهلاً بالجميع.”
بعد تبادل التحيات، عادت الخادمات إلى مهامهن كما لو أن السادة الصغار الموحلين بجانب راشيل كانوا غير مرئيين.
كان من المقلق دائماً رؤية هذا السلوك، بغض النظر عن عدد المرات التي شاهدته فيها.
ابتسمت راشيل بشكلٍ محرجٍ وتحدثت إليهم مرةً أخرى.
“عذراً، هل يمكنكم من فضلكم إعدادُ بعضِ ماء الاستحمام لتغتسل فيهِ الآنسة بيني والسيد نيرو؟”
“بالتأكيد.”
على الرغم من أنهم عاملوا السادة الصغار وكأنهم غير موجودين، إلا أنهم لم يرفضوا أي طلب أبداً. غادرت خادمتان أولاً لتحضير ماء الاستحمام، وابتعدت راشيل مع الأطفال.
‘حان وقت الغداء تقريباً. ماذا عليّ أن أفعل؟’
أعتقدت أنها ستطعمهم السندويشات أو شيئاً سريعاً بينما يستعد ماء الاستحمام.
يمكنهم الحصول على وجبةٍ خفيفة مناسبة في غضون ساعات قليلة، لذا يمكنها على الأقل إرضاءُ جوعهم في الوقت الحالي.
لحسن الحظ، كان الأطفال يتصرفون بشكل جيد بعد المشاكل الذي ارتكبوها….
“آوه؟ إنها أمي!”
يا إلهي. كان ينبغي عليّ أن أكون حذرةً مع أفكاري!
قبل أن تتمكن من إيقافهم، أنطلق الأطفال مثل السهام. كانت السيدةُ أوتيس قادمة من الممر الأيسر.
بدت السيدة أوتيس جميلةً كالعادةِ اليوم أيضاً. تألقت قطعُ الألماسِ المطرزة على فستانٍ طويل باللون الكريمي بطريقة متعددة الألوان. أسرعت راشيل في ملاحقتهم، لكن بيني ونيرو كانا أولَ من تواصلا مع والدتهما.
“أمي!”
كادت يدُ الطفلةِ أن تلامس طرف فستان أمها باهظَ الثمن. أصبح وجه راشيل شاحباً.
السيدة أوتيس، التي كانت علاقتها متوترةً بالفعل مع أطفالها، سوف تشعرُ بالاستياء إذا أصبح الفستان موحلاً….
كانت راشيل قلقةً من أن السيدة أوتيس ستكون مستاءة، وأن الأطفال سيتأذون من رفض أمهم لهم.
لكن ما حدث بعد ذلك كان خارج نطاق فهم راشيل تماماً.
-بـوك!
ترددت صفعةٌ عاليةٌ في القاعة، وسقطت بيني، التي كانت في المقدمة، على جانب.
سقط نيرو أيضاً بعد اصطدامه ببيني.
حدقت راشيل بصراحة في السيدة أوتيس لكن قبلَ أن تدركَ ذلك، قامت السيدة أوتيس بإبعاد المظلة التي أستخدمتها لضرب طفلتها بعيداً، وكانت تحدق الآن مباشرةً إلى راشيل.
التعليقات لهذا الفصل " 14"