3
“أهي خادمة لم تنهِ دوامها وتتجوّل؟”
فتحت سيريَا فمها وهي تنوي مناداة الخادمة.
“أنتِ هناك.”
لكن الكلمات انقطعت عند هذا الحدّ. فقد استدار ذلك الظلّ نحو مصدر الصوت، ثمّ انقضّ فجأةً على سيريَا.
دفعها الشكل الأسود إلى الحائط وضغط عليها بقوّة.
“أُخ!”
أنَّت سيريَا أنينًا منخفضًا وقد انضغط كتفها، لكنها بالكاد لم تُسقِط المصباح.
إذ شعرت بالخطر، فرفعت سيريَا المصباح بسرعة وقرّبته من وجه الدخيل.
ومع انتشار الضوء الأصفر للمصباح، انكشف وجه المتسلّل.
فتحت سيريَا فمها بذهول.
“……سيدريك؟!”
يبدو أنّ سيدريك هو الآخر لم يتعرّف على وجهها إلّا في تلك اللحظة، إذ أرخى الذراع التي كان يضغط بها عليها.
كان الألم في ترقوتها وكتفها شديدًا إلى حدٍّ جعل الدموع تترقرق في عينيها.
وبينما كانت سيريَا تسعل كحّةً مكتومة وتحمَرّ أطراف عينيها، بدا سيدريك هادئًا بلا اكتراث.
“سيريَا، أكنتِ أنتِ.”
ذلك الصوت الهادئ المثير للاشمئزاز.
إنه سيدريك ميهاتيل بلا شكّ.
لمست سيريَا ترقوتها المكشوفة فوق فستان النوم، وصرخت بانفعال.
“هل جُننتَ؟ ما الذي تفعله؟”
“أعتذرُ.”
لكن وجهه لا يحمل أيّ ملامح اعتذار.
كان سيدريك، الابن الأكبر لأسرة الكونت، يشغل منصب نائب الكونت، وقبل أن يرث لقب الكونت كان يؤدّي واجبه فارسًا في الحرس الملكي.
جسده نحيل، لكنّه رشيق بقدر ذلك، وقد أتقن المبارزة بالسيف حتّى نال الاعتراف بمهارته في سنٍّ مبكّرة.
كما أنّ ملامحه ليست سيّئة، ما جعل بنات النبلاء من حوله يطمعن به.
‘لكن ماذا في ذلك؟ شخصيّتهُ سيّئة للغاية!’
صرّت سيريَا على أسنانها وهي تحدّق بسيدريك الذي لا يبدو نادمًا إطلاقًا.
نظر سيدريك إليها بنظرته المتعجرفة المعتادة.
“إلى أين تتجوّلين في هذا الليل المتأخّر؟ ولماذا لم تذهبي إلى فراشك؟”
“ليس من شأنكَ.”
“ما زال طبعكِ كما هو.”
منذ عامين، وبعد انضمام سيدريك إلى فرسان الحرس الملكي، صار نادر الظهور بقدر شارلوت، وبفضل ذلك كانت سيريَا تتنفّس الصعداء وتتصرف كسيّدة المكان في غياب النمر عن عرينه……
‘ما الذي جاء به إلى القصر الآن؟’
سألت سيريَا أخاها بنظرة حادّة.
“حصلتَ على إجازة على ما يبدو؟ لكنّي آسفةٌ، فالغائب نصف عام دون أثر فبدوتَ كدخيلٍ أكثر منّي.”
“هم. أحقًّا؟”
“إن لم يكن لديك غرض، فتنحَّ جانبًا. أنا في طريقي إلى المكتبة.”
“المكتبة؟ وهل تقرئين الكتب أيضًا؟”
سأل سيدريك بوجه هادئ لا يحمل أيّ خبث ظاهر.
‘آه، حقًّا، من أوّله إلى آخره شخص مزعج.’
قبضت سيريَا على يدها وقالت وهي تعضّ على أسنانها.
“هذا بطلب من شارلوت. وعدتُ بإرسال كتب لها إلى الأكاديمية.”
وما إن ذُكر اسم شارلوت حتّى تجعّد جبين سيدريك فجأة، وكان امتعاضهُ واضحًا.
نقر سيدريك لسانه بخفّة وقال.
“كنتُ أشعرُ بذلكَ منذ زمن، أنتِ دائمًا تحمين تلك الطفلة.”
“لأنّ شارلوت أختي الصغرى.”
“…….”
“وهل من الغريب أن تعتني الأخت بأختها؟”
اعوجّت عينَا سيدريك الزرقاوان بلون السماء، فابتسمت سيريَا ابتسامةً مستفزّة، وهي تعرفُ ما يجول في خاطرهُ.
“لا داعي لكلّ هذا الإنكار، سيدريك. نحن الثلاثة إخوة متشابهون، نشأنا من أمٍّ واحدة.”
“لا، يختلف الأمر إن كان دم الأب مختلفًا.”
تنهدت سيريَا عند نبرته الحاسمة.
نهارًا الكونت، وليلاً سيدريك، يسدّ أذنهُ كل منهما ويكرّران كلّ يوم أنّ الأب مختلف……
‘آه، لا فائدة، سأتعب فمي فقط.’
وبينما أدارت رأسها وهي تتنهّد، كان سيدريك يقفُ مكتوف الذراعين ينظر إليها.
بل كان ينظر تحديدًا إلى موضع قريب من ترقوتها.
وحين شعرت بنظرته، رفعت سيريَا حاجبيها.
“إلى ماذا تنظر؟ أعني، ما الذي تحدّق فيه؟”
“…….”
حدّق سيدريك في أخته الصغرى التي تشبهه كثيرًا، ثمّ تنهد وأدار وجهه.
“سأرسل لكِ دواءً غدًا، ضعيه على المكان.”
“……الآن تؤذيني ثمّ تعطيني الدواء؟”
يضربني ثمّ يعطيني علاجًا؟ هل يمزح حقًّا؟
وقبل أن تبدأ سيريَا بالاحتجاج، تجاهلها سيدريك تمامًا وتوجّه إلى حيث غرفته.
نظرت سيريَا إلى ظهره وهو يبتعد وتمتمت بغضب.
“ذاك المجنون حقًّا.”
* * *
بعد عودة ذلك المجنون، مرّت بضعة أسابيع.
وجاء اليوم الذي تعود فيه شارلوت إلى إقطاعية الكونت بعد انتهاء الفصل الدراسي.
استيقظت سيريَا باكرًا وهي تنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، فاكتفت بوجبة خفيفة وخرجت إلى الحديقة تنتظر وصول أختها.
كانت الحديقة الصيفية، المتفتّحة بالورود، تفوح برائحة العشب النضرة وتتباهى بخضرتها الزاهية.
ومن الشرفة المتّصلة بالحديقة، جلست سيريَا تشرب الشاي مستمتعةً بنسيمٍ عليل.
ولم تنسَ أن تُعدّ ماء الورد وبيجاما فاخرة ناعمة لشارلوت التي ستعود مرهقة من عناء السفر.
“في أيّ ساعة تقريبًا ستصل شارلوت؟”
“يبدو أنّها ستصل قبل غروب الشمس.”
قالت الخادمة.
خلال السنوات الأربع الماضية، بذلت سيريَا جهدًا شاقًّا لكسب ودّ شارلوت.
فـ”سيريَا ميهاتيل الحقيقية” كانت، مثل سيدريك والكونت، أختًا ذات هالة مخيفة تتجاهل شارلوت.
كانت باردة وقاسية إلى حدٍّ لا يُسمح معه حتّى بتبادل كلمة.
لذا، كانت شارلوت، بعد التجسدِ مباشرةً، كلّما عاملتها سيريَا بلطف، تراقبها بعينين متّسعتين كأرنبٍ خائف، محاولةً فهم نيّتها.
‘وهذا طبيعي.’
فلو أنّ أختًا تجاهلتك طوال حياتكِ بدأت فجأةً تتظاهرُ بالاهتمام، لكان الشكّ أمرًا لا مفرّ منه.
لم تتمكّن سيريَا من إجراء حديثٍ حقيقيّ مع شارلوت إلّا بعد قرابة نصف عام من التجسدِ، ولم تمسك يدها وتخرج معها إلّا بعد أن تغيّر الفصل خمس مرّات.
وبالطبع، فإنّ شارلوت الآن تعامل سيريَا بحميميّة، وتناديها بالأخت كثيرًا، وتقفز إلى حضنها بسهولةْ.
لكنّها، مع ذلك، لا تبدو وكأنّها تكشف عن مشاعرها العميقةِ حتّى الآن.
نشرت سيريَا على الطاولة في الشرفة الرسائل التي أرسلتها شارلوت طوال تلك الفترة.
كانت الرسائل مليئة بكلماتٍ مبهجةٍ ولطيفةٍ، عن اجتهادها في الدراسة، ومتعة الدروس، ورغبتها في اللعب مع أختها في العاصمة، لكن لم تُذكر كلمة واحدة عن صعوبة الحياة أو تعبها هناك.
قد تكون الأكاديمية أفضل من قصر الكونت.
لكن هل يعقل أن تكتب فتاة في الرابعة عشرة، تعيش بعيدًا عن مسقط رأسها للمرّة الأولى، كلّ هذا الكلام الإيجابي فقط؟
لمست سيريَا جبينها وتنهدت بعمق.
“يبدو أنّها لم تفتح قلبها بالكاملِ بعد.”
ليس من الصواب الاعتقاد أنّ التفاني الأعمى والتعلّق الدائم سيجعلُ الطرفَ الآخر يكشفُ كلّ شيء.
في مثل هذه الحالات، لا بدّ من الانتظار.
وإن لم يفتح قلبه في النهاية، فالتسليم الأمرِ للواقعِ هو الصواب.
ومع أنّها تدركُ ذلك، شعرت سيريَا بحزنٍ خفيّ في داخلها.
تذكّرت سيريَا اللحظة الأولى التي فتحت فيها شارلوت، ذات الأحد عشر عامًا، باب قلبها.
“هل هذه الدمية لي أنا؟”
وتذكّرت اليدين الصغيرتين النحيلتين وهما تقدّمان دمية قماشية مخيطة بشكلٍ بدائي. كأنها تستكشفُ كائنً غريب.
“نعم…….”
“…….”
ثمّ تلك الابتسامة الخجولة التي كشفت عن أسنانها.
إن كان ذلك الهدوء الخجول هو حقيقة شارلوت، فإنّهُ قد جعل طفلة هادئة تحبّ الكتب والرسم تتحوّل إلى وحشٍ عظيم بسبب مجرى الرواية فإن هذا لا يختلف عن الجريمة.
في تلك اللحظة، اقترب الخادم.
“آنسة سيريَا، وصلت الآنسة شارلوت.”
“آه، حسنًا. سأذهب حالًا.”
وحين توجّهت سيريَا مع الخادم إلى المدخل الرئيسي للقصر، كانت شارلوت قد نزلت لتوّها من العربة.
شعرها البنفسجي الداكن، الذي يذكّر بالبنفسج، مضفورٌ على شكل ضفيرتين، وكانت ترتدي بلوزةً الزيّ المدرسي الصفراء الخاصة بالأكاديمية.
نادتها سيريَا وهي تنظر إلى مؤخرة رأسها المستديرة.
“شارلوت.”
اتّسعت عينَا شارلوت الحمراوان كالرمان عندما رأت سيريَا، واحمرّت خدودها الشبيهة بالمارشميلو، وارتسمت على وجهها ابتسامة خجولةٌ.
“أختي!”
وضعت سيريَا يدها على فمها وهي ترى شارلوت بزيّها المدرسي الأنيق.
‘……إنها لطيفةٌ بشكلٍ مبالغ فيه!’
لم تفهم كيف يمكن لشيءٍ بهذه اللطافة أن يوجد هكذا.
‘لا بدّ أنّ ملاكًا أسقطها من السماء.’
أرادت أن تتصرّف كأختٍ هادئة وجميلةٍ، لكنّها لم تستطع كبح مشاعرها، فعانقت شارلوت بقوّةٍ.
كانت تتمنّى أن تحملها وتدور بها، لكن كثرة العيون حولها جعلتها تتحمّل بالكاد.
“شارلوت! اشتقتُ إليكِ!”
“وأنا أيضًا، أختي!”
ضحكت شارلوت بمرحٍ وهي تعانق سيريَا كأنّ الأمر مألوف لديها.
لم تُفلِت سيريَا أختها إلّا بعد أن شدّدتها بين ذراعيها حتّى كاد نفسها ينقطع.
“يا للعجب…….”
بدت شارلوت أطول قليلًا عمّا كانت عليه قبل نصف عام، لكن امتلاء طفولتها ما زال كما هو.
قالت سيريَا بإعجاب.
“ما زلتِ كما أنتِ، فقط كبرتِ قليلًا وصرتِ ترتدين الزيّ المدرسي.”
“حقًّا؟ أهذا مدح؟”
“بالطبع هو مدح. هل كان الطريق متعبًا؟ وهل كانت الأكاديمية ممتعة؟ ألم تشتاقي لأختكِ؟ هم؟”
ضحكت شارلوت بخفّة وهي تسمع سيل الأسئلة.
“لدينا متّسع من الوقت، أختي. اسألي شيئًا فشيئًا.”
دخلت الأختان القصر وهما تتبادلان الأحاديث الودّية.
نادَت سيريَا إحدى الخادمات.
“تخلّصي من الشاي الذي كنّا نشربه، وأحضري طقم شاي جديد. سنقضي وقت شاي ونحن ننظر إلى الحديقة.”
“نعم، آنستي.”
جلست الأختان متقابلتين في الشرفة المطلة على الحديقة، واختلط عبير الزهور مع رائحة الشاي الطازج.
ولأجل هذه اللحظة الخاصّة، صرفت سيريَا جميع الخادمات، فلم يبقَ في الشرفة سوى سيريَا وشارلوت.
“هل تعبتِ من المجيء إلى هنا؟ كيف حال جسدكِ؟”
“لستُ متعبةً أبدًا. فنحن نتدرّب على تقوية اللياقة في المدرسة هذه الأيام، وصحّتي أفضل.”
قالت شارلوت ضاحكةً بنشاطٍ.
“هذا جيّد. أعددنا لكِ ماء الورد وبيجاما جديدة لتريحي نفسك. آمل أن تعجبك.”
“حقًّا؟ سأستخدمهما اليوم بالتأكيد! أختي هي الأفضل!”
احمرّ وجه شارلوت وقفزت في مكانها فرحًا بانتظار سيريَا.
كانت ابتسامتها لطيفةً ومحبّبةً.
وبينما كانتا تتبادلان الأحاديث وتتناولان الحلوى، تذكّرت شارلوت أمرًا وقالت فجأةً.
“في الحقيقة، اشتريتُ هديةً لكِ عندما كنتُ في العاصمة. نقلها الخادم، فهل يمكنني إعطاءكِ إيّاها وقت العشاء؟”
“بالطبع. بدأتُ أتطلّع لمعرفة ما الذي اشتريتِه.”
“لا تتوقّعي الكثير…… فالإحباط يكون أكبر حينها.”
“كلّ ما تعطينه لي ثمين.”
وحين قالت سيريَا ذلك، احمرّت خدود شارلوت أكثر.
ابتسمت بخجل وقالت.
“في الحقيقة، اخترتُ الهدية مع صديقةٍ جديدة تعرّفتُ عليها في الأكاديمية. فهي ترافق والدها في عمله كثيرًا، ويقال إنّ لديها ذوقًا جيّدًا في اختيار الأشياء، فاعتمدتُ على رأيها.”
“آه، تلك الصديقة التي تذكرينها دائمًا في رسائلك؟”
كانت شارلوت تذكر في كلّ رسالةٍ تقريبًا صديقةً جديدة تعرّفتُ عليها في الأكاديمية.
قد يكون الأمر مجرّد سعادة بتكوين صداقة جديدة، لكنّ سيريَا تساءلت إن لم يكن في الأمر معنىً آخر، كأنّها تقول لها ألّا تقلق بعد الآن.
‘ربّما أكون مفرطةً في الحماية.’
وقد شعرت سيريَا ببعض الاطمئنان، فتناولت الشاي وتجاوزت الحديث عن الصديقة الجديدة بهدوء.
وبعد أن ارتشفت الشاي قليلًا، تريّثت سيريَا ثمّ فتحت فمها.
“يسعدني أنّكِ تتأقلمين جيّدًا مع حياتكِ في الأكاديمية، لكن لا داعي لأن تُجهدي نفسكِ كثيرًا، شارلوت.”
Chapters
Comments
- 3 منذ 4 ساعات
- 2 منذ يوم واحد
- 1 - أُخْتُ تلكَ الشِّرّيرة منذ يوم واحد
- 0 - المقدمة منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 3"