3
## الفصلُ الثَّالثُ
“مربيتي، كيفَ عرفتِ أنَّ ذلكَ الصبيَّ هو سموُّ الأميرِ؟”
سألتُ بنبرةٍ مشرقةٍ تخلو من الحذرِ، تماماً كما يليقُ بطفلةٍ في السادسةِ، فاعتذرتِ المربيةُ لليونهارت بدلاً مني بوجهٍ مرتبكٍ.
“آنسة! لا تقولي ‘ذلك الصبي’ لسموِّ الأميرِ! اعتذرُ منك، يا سموَّ الأميرِ. آنستُنا لا تزالُ صغيرةً لذا…….”
أنا في السادسةِ وليونهارت في الرابعةِ. بل إنَّ ليونهارت كانَ أصغرَ حجماً من الأطفالِ في مثلِ سنِّهِ.
يبدو أنَّ المربيةَ شعرتْ بأنَّ عذرَها كانَ غريباً، فاحمرَّتْ أذناها قليلاً. أما أنا، فتبادلتُ نظراتٍ سريعةً مع ليونهارت وابتسمتُ دونَ أن تلاحظَ.
“لا بأسَ.”
أجابَ ليونهارت وهو يحاولُ نطقَ الكلماتِ بوضوحٍ. بفضلِ مظهرِهِ الوديعِ، شعرتُ أنَّ حذرَ المربيةِ قد تبدَّدَ بشكلٍ كبيرٍ، فودَّعتْهُ بنبرةٍ أكثرَ لطفاً مما سبقَ:
“نشكرُكَ على غفرانِكَ لهذا التجاوزِ. إذن، سنستأذنُ الآنَ بالرحيلِ.”
رغمَ أنَّنا دخلنا القصرَ بدافعِ العجلةِ ظنّاً منَّا أنَّهُ خالٍ، إلا أنَّ اكتشافَ صاحبِ القصرِ لنا كانَ يُعدُّ قلةَ ذوقٍ كبيرةً، حتى لو كانَ ليونهارت أميراً مُهاناً.
انحنتِ المربيةُ باحترامٍ كما تقولُ كتبُ الإتيكيتِ، وحاولتْ إخراجي من القصرِ بسرعةٍ قبلَ أن يلمحَنا أحدٌ.
لكنَّ دخولَ الخادمةِ إلى غرفةِ ليونهارت كانَ أسرعَ من خروجِنا.
“سموُّ الأميرِ، حانَ وقتُ الطعامِ.”
نادتِ الخادمةُ بصوتٍ فاترٍ، ثمَّ قطبتْ حاجبيها عندما رأتْنا.
“من أنتم؟”
رغمَ أنَّ نبرتَها كانتْ مهذبةً لأنَّها رأتْ ثيابي الفاخرةَ التي تكلفتُ في ارتدائِها لزيارةِ القصرِ، إلا أنَّ نظراتِها التي تفحصتني من الأعلى إلى الأسفلِ كانتْ وقحةً. لم تكنْ مربيتي امرأةً تسمحُ بمرورِ قلةِ الأدبِ بسهولةٍ.
“إنَّها آنسةُ عائلةِ دوقِ رودريك.”
عائلةُ رودريك كانتْ أرقى عائلةٍ نبيلةٍ في الإمبراطوريةِ. والدي، الدوقُ الحاليُّ، كانَ وصيَّ الإمبراطورِ عندما كانَ مجردَ أميرٍ، وهو من ساعدَهُ بشكلٍ حاسمٍ للفوزِ بالعرشِ.
لذا، فإنَّ آنسةَ عائلةِ رودريك كانتْ بالنسبةِ لخادمةٍ في القصرِ كالنجمةِ البعيدةِ في السماءِ.
‘وعندما تصلُ العائلةُ لمكانةِ الدوقِ، فإنَّ مربيةَ الآنسةِ تكونُ نبيلةً أيضاً.’
المرأةُ التي أمامنا كانتْ مجردَ خادمةٍ لا وصيفةٍ.
وبما أنَّها نُقلتْ للعملِ في “القصرِ المهجورِ”، فمنَ المرجحِ أنَّها من عامةِ الشعبِ ومن الطبقةِ المتوسطةِ. فوارقُ الطبقاتِ كانتْ شاسعةً بينَها وبينَ المربيةِ، فكيفَ بي أنا؟
عندما ردَّت المربيةُ بنبرةٍ باردةٍ، أدركتِ الخادمةُ الموقفَ فجأةً وقالتْ بلهجةٍ مطيعةٍ:
“لقد تشرَّفتُ برؤيةِ هذهِ الشخصيةِ الموقرةِ.”
اكتفيتُ بالرمشِ بعينيَّ ولم أردَّ التحيةَ. وبحسبِ قواعدِ الإتيكيتِ، يجبُ على الطرفِ الآخرِ الحفاظُ على وضعيةِ التحيةِ حتى يقبلَها الطرفُ الأعلى شأناً. وبما أنَّ التحيةَ الرسميةَ في القصرِ تتطلبُ وضعيةً صعبةً، بدأَ توازنُ الخادمةِ يختلُّ بسرعةٍ.
هذهِ الخادمةُ كانتْ تعملُ في هذا القصرِ في حياتي الأولى أيضاً. وبحسبِ ما سمعتُهُ من ليونهارت حينَها، فقد كانتْ معهُ منذُ أن كانَ رضيعاً لا يتذكرُ شيئاً. كانتْ تسرقُ المكوناتِ الغذائيةَ المخصصةَ للقصرِ لتملأَ جيوبَها الخاصةَ.
‘لقد تركتِ الطفلَ جائعاً، لذا فإنَّ هذا الموقفَ ليسَ عقاباً كافياً حتى.’
في الماضي، وبفضلِ صمتِ ليونهارت غيرِ المبررِ، ظلتْ تلكَ الخادمةُ تمثلُ دورَ المخلصةِ التي ترعى الأميرَ المضطهدَ وتعيشُ في رغدٍ من المالِ المسروقِ، ولم أتخلصْ منها بيديَّ إلا بعدَ أن أصبحَ ليونهارت إمبراطوراً. سأراكِ لاحقاً.
يبدو أنَّ المربيةَ أيضاً انزعجتْ من غطرسةِ الخادمةِ، فتظاهرتْ بأنَّها ترتبُ ثيابي لتكسبَ مزيداً من الوقتِ. وبعدَ مرورِ خمسِ دقائقَ تقريباً، سمحت لي المربيةُ بقبولِ التحيةِ.
“يا إلهي، آنستي. خادمةُ القصرِ تلقي عليكِ التحيةَ.”
كانَ تظاهرُها بأنَّها لاحظتِ الخادمةَ للتوِّ طبيعياً للغايةِ وهي تغطي فمَها بيديها. تظاهرتُ بالخجلِ وأمسكتُ بطرفِ فستانِ المربيةِ وتمتمتُ:
“أوه، أهلاً.”
أخيراً استطاعتِ الخادمةُ الاعتدالَ، وأصبحتْ أكثرَ تواضعاً بكثيرٍ مما كانتْ عليهِ قبلَ قليلٍ.
“نعم، إنَّهُ لشرفٌ عظيمٌ لقاؤكِ، يا آنسة.”
حتى سؤالُها عن سببِ وجودِنا في هذا القصرِ المهجورِ كانَ بنبرةٍ حذرةٍ:
“ولكنْ، ما الذي أتى بالآنسةِ إلى هذا القصرِ المنفصلِ……؟”
“الآنسةُ تتجولُ في أنحاءِ القصرِ الإمبراطوريِّ بفضلِ إذنٍ خاصٍّ من جلالةِ الإمبراطورِ.”
أجابت المربيةُ بدلاً مني بنبرةٍ متعاليةٍ. وبالطبعِ، كانَ الإذنُ مخصصاً لحديقةِ القصرِ فقطْ، لكنَّنا أسقطنا هذا الجزءَ من الحديثِ.
“آه، فهمتُ. إذا كنتِ بحاجةٍ لمن يرشدُكِ، فسأتشرفُ بمرافقتِكِ إلى أيِّ مكانٍ ترغبينَ بهِ.”
حاولتِ الخادمةُ استغلالَ الموقفِ بذكاءٍ وأظهرتِ التوددَ، طمعاً في كسبِ رضايَ لكوني ابنةَ الدوقِ.
“لا حاجةَ لذلكَ. سنذهبُ وحدَنا.”
جاءَ الرفضُ قاطعاً من المربيةِ. وتحولت نظرتُها الباردةُ تجاهَ الخادمةِ إلى نظرةٍ دافئةٍ عندما نظرتْ إليَّ:
“آنستي، ألم تقولي قبلَ قليلٍ إنَّكِ ترغبينَ في الذهابِ لزيارةِ حديقةِ البحيرةِ؟”
“أوه، نعم، قلتُ ذلكَ ولكنْ…….”
في الحقيقةِ، أنا أكرهُ حديقةَ البحيرةِ؛ لأنَّ وليَّ العهدِ يظهرُ هناكَ كثيراً. لقد كانتْ مجردَ حجةٍ للوصولِ إلى هذا القصرِ. ومع ذلكَ، أمسكت المربيةُ بيدي لنتوجهَ إلى هناكَ فوراً.
لكنْ كانَ لا يزالُ لديَّ أمرٌ واحدٌ لم ينتهِ بعدُ.
“لم أعدْ أرغبُ في الذهابِ الآنَ.”
تصلبتُ في مكاني وضغطتُ بقدميَّ على الأرضِ.
كنتُ في السادسةِ من عمري، طفلةً مدللةً ومن الصعبِ إرضاؤها أحياناً، لكنني كنتُ مطيعةً بشكلٍ عامٍ. تعابيرُ المربيةِ أصبحتْ مرتبكةً لأنَّها لم تتوقعْ مني هذا العنادَ.
حاولت المربيةُ إقناعي بشيءٍ ما، لكنَّها صمتتْ عندما أحست بوجودِ شخصٍ آخرَ. كانَ ليونهارت، الذي يراقبُ الموقفَ بصمتٍ، قد انتفضَ هو الآخرُ.
‘أنتَ، لماذا تنظرُ إليَّ هكذا؟’
وكأنَّهُ لم يمضِ على عودتِهِ للماضي سوى أسبوعٍ واحدٍ، كانَ ينظرُ إليَّ وكأنَّهُ يحضرُ اجتماعاً رسمياً للدولةِ.
‘افتح عينيكَ ببراءةٍ أكثرَ!’
كيفَ يمكنُ لطفلٍ في الرابعةِ أن يملك تلكَ النظرةَ التي سئمتِ الحياةَ! أنا أفعلُ كلَّ هذا لمصلحتِكَ، حتى لو لم تساعدني، فلا تعيقني على الأقلِّ.
أملتُ رأسي بجانبٍ ببراءةٍ شديدةٍ كأنني أُعطي مثالاً. كنتُ واثقةً من هذا التعبيرِ لأنني كنتُ أستخدمُهُ كلما شكَّت عائلتي في نضجي الزائدِ.
عندما رآني ليونهارت أميلُ رأسي، تجمدَ وجهُهُ وكأنَّهُ رأى شيئاً لا يصدقُ. لم أكنْ أعلمُ أنَّ ملامحَ طفلٍ في الرابعةِ يمكنُها أن ترسمَ مثلَ هذا التعبيرِ.
لقد فشلتُ. المربيةُ، التي كانتْ قد خففت حذرَها لرؤيةِ مظهرِهِ الصغيرِ والضعيفِ، بدأت تشعرُ بالتوترِ مجدداً بسببِ نظراتِ الجمودِ المتبادلةِ بيني وبينَ ليونهارت. غمزتُ لليونهارت بكلِّ قوتي.
‘تصرفْ كطفلٍ، أيُّها الأرنبُ الصغيرُ!’
يبدو أنَّ صرخةَ قلبي قد وصلتْهُ، فابتسمَ ليونهارت ابتسامةً باهتةً وغيرَ متقنةٍ. كانتْ محاولةً جيدةً لكنَّها لم تكنْ كافيةً، فقد كنتُ أتمنى أن يبدو خائفاً أكثرَ.
‘يا ليتني! لقد كنتُ طبيعيةً أكثرَ منهُ في يومي الأولِ.’
هل هذا هو الفرقُ في الموهبةِ؟ قررتُ التدخلَ لتعويضِ تمثيلِ ليونهارت الضعيفِ.
“أريدُ أن ألعبَ مع هذا الصبيِّ!”
كانت المربيةُ امرأةً تقدِّرُ الآدابَ والأخلاقَ فوقَ كلِّ شيءٍ. لدرجةِ أنَّها التزمت بكلِّ قواعدِ الإحترامِ الواجبةِ للأميرِ رغمَ علمِها بأنَّهُ لا يلقى معاملةً تليقُ بمكانتِهِ.
“آنسة!”
نادتني المربيةُ بنبرةٍ منخفضةٍ وحازمةٍ. كانَ تخميني في محلِّهِ؛ فقد نسيتِ المربيةُ حذرَها تجاهَ ليونهارت وبدأتْ تحاولُ توبيخي بسببِ تصرفاتي الطائشةِ.
“يجبُ أن تقولي ‘سموُّ الأميرِ’.”
تظاهرتُ بالخوفِ من نبرتِها الصارمةِ وصححتُ قولي:
“نعم، أريدُ أن ألعبَ مع سموِّ الأميرِ!”
رغمَ تغييرِ اللقبِ، إلا أنَّ وقاحتي البريئةَ جعلت المربيةَ تبدو وكأنَّها تعاني من صداعٍ، لكنَّ الطفلةَ في السادسةِ لا تكونُ طفلةً إذا كانتْ مطيعةً دائماً.
‘مربيتي، أنا آسفةٌ. ولكنْ بما أنَّنا عشنا معاً لسنواتٍ، لا يمكنني تركُ الصبيِّ هكذا.’
اعتذرَ عقلي البالغُ للمربيةِ في سرِّهِ، لكنَّ الطفلةَ في الخارجِ ظلتْ تصرُّ وتلحُّ وكأنَّ الحماسَ قد غلبَها، وصرختُ بصوتٍ أعلى من المعتادِ:
“ألا يمكنني ذلكَ؟”
عندما سألتُ بدلالٍ، ذابَ صمودُ المربيةِ وارتختْ ملامحُ وجهِها. فقد كانتْ هي أيضاً من الأشخاصِ الذين لا يصمدونَ أمامَ دلالي في منزلِ الدوقِ. لكنَّها لم تكنْ صيداً سهلاً على أيِّ حالٍ.
“سموُّ الأميرِ مشغولٌ الآنَ.”
كنتُ أعلمُ أنَّ المربيةَ لن تسمحَ لي باللعبِ مع ليونهارت في هذا القصرِ المليءِ بالغبارِ من المرةِ الأولى.
“وإلى متى سيظلُّ مشغولاً؟”
“ربما لفترةٍ من الوقتِ.”
أجابت المربيةُ بابتسامةٍ غامضةٍ عندما رأتني أعقدُ حاجبايَ بضيقٍ.
“إذن، لا بأسَ. هيا بنا إلى حديقةِ البحيرةِ، يا مربيتي!”
تظاهرتُ بالاستسلامِ، فأشرقَ وجهُ المربيةِ فوراً.
“هل نذهبُ؟”
أمسكتُ بيدِ المربيةِ، وقلتُ بصوتٍ عالٍ بما يكفي ليسمعَهُ ليونهارت والخادمةُ:
“لكنْ، في المرةِ القادمةِ عندما لا يكونُ مشغولاً، يمكنني المجيءُ للعبِ، أليسَ كذلكَ؟”
—
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 3"