1
## الفصلُ الأوَّلُ
“هه، هل نسيَ حقاً ذكرى زواجِنا؟”
لسنا زوجينِ أمضيا خمسينَ عاماً معاً، بل نحنُ في عامِنا الرَّابعِ فقطْ!
هل يعني هذا أنَّهُ لم يعدْ يطيقُ حتَّى التَّمثيلَ بأنَّهُما زوجانِ؟
سكبتُ النَّبيذَ الذي أعدَّتْهُ الخادماتُ لتهيئةِ جوٍّ رومانسيٍّ، وشربتُهُ منَ الزُّجاجةِ مُباشرةً دفعةً واحدةً.
“أليسَ هو الوحيدَ المَشغولَ هنا!”
ثُرتُ فجأةً ونهضتُ أصيحُ بغضبٍ، ثمَّ عدتُ وجلستُ بإحباطٍ.
……ولكنْ، هذا صحيحٌ، إنَّهُ الشَّخصُ الأكثرُ انشغالاً في الإمبراطوريَّةِ.
كانَ ليونهارت دائماً مشغولاً.
لقد كانَ رَجلاً يعملُ بجدٍّ أكثرَ من أيِّ شخصٍ آخرَ، خاصَّةً وأنَّهُ أصبحَ إمبراطوراً بعدَ أن تغلبَ على الشَّائعاتِ التي لاحقتْهُ بصفتهِ “الأميرَ الملعونَ”.
كما كانَ زوجاً مُهذَّباً ومُخلصاً للغايةِ معي أيضاً.
‘ولكنَّهُ يُعاملني كغريبٍ.’
كنتُ أشربُ النَّبيذَ وحدي دونَ مُقبِّلاتٍ وأنا أندبُ حظِّي.
“كانَ يجبُ عليَّ الاسْتماعُ لوالدي وإخوتي عندما طلبوا منِّي البحثَ عَنْ رَجُلٍ يقبلُ بأنْ يكونَ زوجاً مُقيماً في مَنزلِنا.”
كنتُ أظنُّ أنَّ الشُّعورَ بالمُتعةِ والسَّعادةِ أثناءَ التَّواجدِ معاً هو الحبُّ.
لذلكَ، عندما تقدَّمَ ليونهارت لخطبتي، قبلتُ بسعادةٍ.
ولكنْ بمُجرَّدِ أن تزوَّجنا، اكتشفتُ أنَّ عِلاقتنا كانتْ فاترةً جداً لدرجةِ أنَّها لا يُمكنُ تسميتُها حباً.
‘إنَّها عِلاقةٌ مَزيجٌ منَ الصَّداقةِ، والزَّمالةِ، وقليلٍ منَ المَسؤوليَّةِ والامْتنانِ.’
لقد اخْتلطتْ ألوانٌ عديدةٌ حتَّى أصبحتْ بالصُّدفةِ تُشبهُ لونَ الحبِّ.
ولكنْ تماماً كما يختلفُ حجرُ “الاسبينيل” عَنِ “الياقوتِ”، كانتْ مشاعرُنا مُختلفةً عَنِ الحبِّ.
لم أُدركْ ذلكَ إلا بعدَ الزَّواجِ.
واسْتمررتُ في التَّذمُّرِ بمرارةٍ.
كنتُ أرغبُ في الشُّعورِ بحبٍّ مُلتهبٍ، وليسَ بهذهِ المَشاعرِ الفاترةِ.
صحيحٌ أنَّني لا أزالُ أشعرُ بالصَّداقةِ والزَّمالةِ تجاهَ ليونهارت، لكنْ لا داعي لأنْ أظلَّ مُقيَّدةً بعِلاقةِ الزَّواجِ مَدى الحياةِ بهذهِ المَشاعرِ، أليسَ كذلكَ؟
“أُقسمُ أنَّني لو وُلدتُ من جديدٍ، فلنْ أتزوَّجَكَ أبداً.”
لا أعرفُ ما إذا كانَ ذلكَ بسببِ السُّكرِ، أم هو انْفجارٌ لمشاعرِ الخيبةِ المُتراكمةِ، لكنَّني في تلكَ اللَّحظةِ كنتُ صادقةً تماماً.
—
“فـووو.”
مسحتْ يدٌ صغيرةٌ خصلاتِ الشَّعرِ المُزعجةِ عَنْ جبهةٍ بيضاءَ.
انْتفضَ ليونهارت ونهضَ فجأةً عندما شعرَ بالمَلمسِ النَّاعمِ ليديهِ.
“ما هذا؟”
كانَ الصَّوتُ الذي ارتدَّ إلى أذنيهِ صوتاً طُفولياً.
نظرَ ليونهارت حولَهُ.
“هذا المَكانُ هو…….”
لا شكَّ في ذلكَ.
كانَ هذا هو القصرُ المُنْفصلُ الذي أقامَ فيهِ عندما كانَ طفلاً.
بينما كانَ يتجوَّلُ في الغُرفةِ لتفقُّدِ الوضعِ، فتحَ أحدُ الخدمِ البابَ بخشونةٍ، وكأنَّهُ سمعَ صريرَ الأرضيَّةِ القديمةِ تحتَ أقدامهِ.
“لا تتجوَّلْ مُنذُ الصَّباحِ وتجلبَ لنا النَّحسَ، ابقَ مَنزوياً بهدوءٍ كما تفعلُ دائماً!”
رغمَ أنَّهُ وقتُ العملِ، إلا أنَّ رائحةَ الكُحولِ كانتْ تفوحُ منهُ ووجهُهُ كانَ مُحمراً.
وفقاً لذاكرةِ ليونهارت، كانَ هذا الخادمُ سريعَ الغضبِ وسَيِّءَ اليدِ بشكلٍ خاصٍّ.
كانَ دائماً ما يُفرغُ غضبَهُ فيهِ إذا خسرَ مالَهُ في القِمارِ أو إذا وبَّخَهُ رئيسُهُ بسببِ إهمالهِ.
‘أنا صَغيرٌ الآنَ.’
جسدُهُ لم ينمُ بما يكفي لتحمُّلِ ضرباتِ الكبارِ.
عادَ ليونهارت وجلسَ على السَّريرِ بهدوءٍ.
تماماً كما كانَ يفعلُ في طُفولتِهِ.
رغمَ أنَّهُ وُلدَ بعيونٍ حمراءَ ملعونةٍ وتمَّ التَّخلِّي عنهُ، إلا أنَّهُ كانَ أميراً.
ضحكَ الخادمُ بصوتٍ عالٍ وغادرَ الغُرفةَ، وكأنَّهُ شعرَ بلذَّةٍ دنيئةٍ لرؤيةِ الأميرِ ينصاعُ لأوامرهِ.
انْتظرَ ليونهارت حتَّى تلاشتْ أصواتُ الأقدامِ وفكَّرَ:
‘لنْ يأتيَ أحدٌ إلى هنا حتَّى وقتِ الظَّهيرةِ، عندما يُحضرونَ قطعةَ خُبزٍ صلبةٍ وحَساءً خفيفاً.’
لقد كانَ وقتاً للانْفرادِ بنفسهِ.
في طُفولتِهِ، كانَ هذا الوقتُ مُؤلِماً للغايةِ، لكنَّ الآنَ، ومع وُجودِ الكثيرِ منَ الأشياءِ ليفكِّرَ فيها، كانَ يُرحِّبُ بهذا الهدوءِ في داخلهِ.
*قرقرة.*
يبدو أنَّ جسدَهُ الصَّغيرَ لم يكنْ يُشاركهُ الرَّأيَ.
ولكنْ على أيِّ حالٍ، سيتعيَّنُ عليهِ الجُوعُ حتَّى الظَّهيرةِ.
التَّفكيرُ المُستمرُّ في الجُوعِ سيجعلُ التَّحمُّلَ أصعبَ فقطْ.
قرَّرَ ليونهارت أوَّلاً اسْتيعابَ الوضعِ الرَّاهنِ.
منَ المُؤكَّدِ أنَّهُ كانَ رَجلاً بالغاً في الثَّانيةِ والعشرينَ من عُمرهِ ليلةَ أمسِ.
كانَ إمبراطورَ إمبراطوريَّةِ أركاديا وزوجَ ميلا.
‘أتذكَّرُ أنَّ ميلا طردتْني لأنَّني نسيتُ ذكرى زواجِنا، فذهبتُ للعملِ في المَكتبِ ثمَّ غفوتُ قليلاً.’
وعندما فتحَ عينيهِ، وجدَ نفسَهُ قد صغرَ في السِّنِّ.
‘لا، هل صغرتُ حقاً؟’
هزَّ ليونهارت رأسَهُ وهو ينظرُ إلى انْعكاسِ صورتهِ في النَّافذةِ التي غطَّاها الغُبارُ وأصبحتْ باهتةً.
‘أبدو وكأنَّني في الثَّالثةِ أو الرَّابعةِ من عُمري.’
ماذا لو كانتْ كلُّ تلكَ السَّنواتِ العشرينَ مُجرَّدَ حلمٍ؟
وماذا لو كانَ وُجودُ ميلا نفسهِ مُجرَّدَ خيالٍ رسمَهُ؟
انكمشَ كتفاهُ الصَّغيرانِ خوفاً للحظةٍ، لكنَّهُ سرعانَ ما اسْتقامَ.
كانَ ليونهارت يتذكَّرُ أحداثَ طُفولتِهِ جيداً.
عندما كانَ في الثَّالثةِ أو الرَّابعةِ، لم يكنْ طفلاً واسعَ الخيالِ.
وحتَّى لو لم يكنْ كذلكَ، فمنَ المُستحيلِ لطفلٍ أنْ يختلقَ كلَّ هذهِ الذِّكرياتِ المُفصَّلةِ المَوجودةِ في رأسهِ.
‘هل عُدتُ حقاً إلى الماضي؟’
ولحسنِ الحظِّ، حصلَ ليونهارت على الإجابةِ بعدَ فترةٍ وجيزةٍ.
—
“ماذا؟ لماذا صغرتُ هكذا؟”
شربتُ النَّبيذَ اللَّيلةَ الماضيةَ ونمتُ في قصرِ الإمبراطورةِ، لكنَّني عندما فتحتُ عينيَّ وجدتُ نفسي في غُرفتي في مَنزلِ عائلتي.
‘ظننتُ أنَّني هربتُ منَ المَنزلِ تحتَ تأثيرِ السُّكرِ.’
لكنَّ مُستوى نظري المُنخفضَ للغايةِ كانَ غريباً، وعندما نظرتُ في المِرآةِ، وجدتُ طفلةً صَغيرةً يجبُ أنْ تشربَ عصيرَ العنبِ بدلاً منَ النَّبيذِ.
منْ خلالِ شكلي في المِرآةِ، وغيابِ النَّدبةِ الصَّغيرةِ فوقَ حاجبي التي أُصيبتُ بها عندما تعثَّرتُ في سنِّ السَّابعةِ، يبدو أنَّني في السَّادسةِ من عُمري.
‘هل هذا حلمٌ؟’
قرصتُ خدِّي النَّاعمِ بقوَّةٍ للتَّأكُّدِ.
“آي.”
لقد كانَ مُؤلِماً لدرجةِ أنَّ الدُّموعَ طفرتْ من عينيَّ، ممَّا يعني أنَّهُ الواقعُ.
فركتُ خدِّي بيدي اليُمنى ومسحتُ الدُّموعَ بطرفِ كمِّي الأيسرِ وأنا أُفكِّرُ:
“هل هذا هو ما يُسمُّونَهُ ‘التَّناسخُ أو العودةُ’؟”
في هذهِ الأيَّامِ، أو بالأحرى في المُستقبلِ بعدَ عشرِ سنواتٍ، انْتشرتْ رواياتُ الرُّومانسيَّةِ التي تتناولُ العودةَ إلى الماضي أو الانْتقالَ إلى جسدٍ آخرَ أو التَّقمُّصَ.
قصصٌ مثلَ ابنةِ دُوقٍ سُلبَ لقبُها وقُتلتْ بسببِ مكيدةِ عمِّها، ثمَّ تعودُ للماضي لتنتقمَ، أو ابنةِ بارونٍ فقيرةٍ تنتقلُ لجسدِ أميرةٍ وتلتقي بالأميرِ الذي كانتْ تُحبُّهُ من بعيدٍ.
‘أتذكَّرُ أنَّني ضحكتُ يوماً قائلةً إنَّ هذهِ الرِّواياتِ مُنتشرةٌ لدرجةِ أنَّني قد أعودُ للماضي يوماً ما…….’
لكنَّني لم أتخيَّلْ أنَّ ذلكَ سيحدثُ حقاً.
لأنَّ سحرَ التَّلاعبِ بالزَّمنِ لم يكنْ يظهرُ إلا في الأساطيرِ.
‘ولكنْ ليسَ لديَّ شيءٌ أُريدُ تغييرَهُ بشدَّةٍ لدرجةِ الرَّغبةِ في العودةِ للماضي.’
كانتْ حياتي مُمَهَّدةً وناجحةً.
كانتْ مَكانتي هي ابنةُ الدُّوقِ في أقوى عائلةٍ في الإمبراطوريَّةِ، وكانَ والدايَ يُحبَّانني بشدَّةٍ، وإخوتي كانوا يُعانونَ من “عُقدةِ الأختِ الصُّغرى”.
“لماذا إذنْ؟”
مسحتُ جبهتي تماماً كما يفعلُ ليونهارت عندما يشعرُ بالضِّيقِ، ثمَّ تجمَّدتُ.
“آه، صحيحٌ. ليون.”
خطرتْ ببالي نقطةُ الضَّعفِ الوحيدةُ في حياتي.
كنتُ قد نشأتُ وأنا أتلقَّى حبَّ الجميعِ، وبالصُّدفةِ دخلتُ القصرَ المُنْفصلَ المَهجورَ والتقيتُ بليونهارت ذي السِّتِّ سنواتٍ، والذي كانَ يُلقبُ بـ “الأميرِ الملعونِ”.
في البدايةِ، شعرتُ بالشَّفقةِ تجاهَ طفلٍ يصغرني بسنتينِ ويعيشُ وحيداً دونَ رعايةِ الكبارِ.
في ذلكَ الوقتِ، كانَ وليُّ العهدِ يتَحَيَّنُ الفُرصَ للقضاءِ على عائلتنا، وكانَ علينا اختيارُ شخصٍ آخرَ غيرِ وليِّ العهدِ ليكونَ خليفةً للإمبراطورِ.
وبناءً على توصيتي القويَّةِ وحاجةِ الكبارِ، نشأَ ليونهارت في مَنزلِ الدُّوقِ.
‘حسناً، بعدَ ذلكَ…….’
رسمتُ تعبيراً مراراً لا يُناسبُ طفلةً.
لقد تعلمتُ أنَّ الزَّواجَ لا يُبنى على المودَّةِ فقطْ، وهذا يكفي.
بصرفِ النَّظرِ عَنْ ذلكَ.
‘إذا كنتُ في السَّادسةِ، فهل ليون في الرَّابعةِ؟’
تمَّ إرسالُ ليون إلى القصرِ المُنْفصلِ بمُجرَّدِ أن فُتحتْ عيناهُ بعدَ الولادةِ.
لذلكَ، لا بدَّ أنَّ ليون ذي الأربعِ سنواتٍ يعيشُ الآنَ في ذلكَ القصرِ.
كنتُ أكرهُهُ جداً بالأمسِ، لكنَّني شعرتُ بالقلقِ عليهِ مُجدداً.
‘أنا لا أُنقذُكَ لأنَّكَ وسيمٌ.’
بل أفعلُ ذلكَ ليرتاحَ ضميري فقطْ.
عضضتُ شفتي وحسمتُ أمري.
—
“آنسة، هل أنتِ سعيدةٌ جداً بالذَّهابِ إلى القصرِ الإمبراطوريِّ؟”
“أجلْ، يا مُربِّيتي!”
أجبتُ بحيويَّةٍ مَصطنعةٍ.
هزَّتِ المُربِّيةُ رأسَها وكأنَّها لا تملكُ خياراً آخرَ.
يبدو أنَّها عانتْ كثيراً بسببي لأنَّني تذمَّرتُ وافتعلتُ المَشاكلَ على غيرِ عادتي في الآونةِ الأخيرةِ.
“تعلمينَ أنَّهُ لا يُسمحُ للأطفالِ دونَ العاشرةِ بدخولِ القصرِ الإمبراطوريِّ ما لم يكونوا منَ السُّلالةِ الحاكِمةِ المُقيمةِ هناكَ، أليسَ كذلكَ؟”
بالطبعِ أعرفُ ذلكَ.
لولا ذلكَ، لكنتُ ذهبتُ لرؤيةِ ليونهارت مُنذُ زمنٍ طويلٍ.
كم تذمَّرتُ وبكيتُ للحُصولِ على إذنٍ بالدُّخولِ؟
في النِّهايةِ، والدي الذي لم يَستطعْ تحمُّلَ إضرابي عَنِ الطَّعامِ، طلبَ طلباً خاصاً منَ الإمبراطورِ للحُصولِ على إذنٍ بالدُّخولِ.
‘لقد عانيتِ كثيراً يا نفسي.’
تذكَّرتُ الأسبوعَ الماضيَ وأنا أمثِّلُ دورَ الطِّفلةِ التي كانتْ تقرأُ كتابَ قصصٍ وفجأةً رغبتْ بشدَّةٍ في الذَّهابِ إلى القصرِ الإمبراطوريِّ، رغمَ أنَّ عقلي هو عقلُ امرأةٍ في الرَّابعةِ والعشرينَ.
يجبُ ألا أُفكِّرَ بعُمقٍ، فهذا سيزيدُ منْ شُعوري بالخجلِ فقطْ.
دفعتُ ذكرياتِ الماضي إلى زاويةٍ منْ عقلي.
ثمَّ قلتُ بصوتٍ مليءٍ بالحيويَّةِ وكأنَّني مُتحمِّسةٌ جداً للذَّهابِ:
“أجلْ، بما أنَّهُ إذنٌ ‘خاصٌّ’، سأكتفي بالمُشاهدةِ بهدوءٍ ثمَّ أعودُ.”
ولكنْ على الرَّغمِ منْ جهودي، تملكَ القلقُ عيني المُربِّيةِ البنيَّتينِ الهادئتينِ.
وبدا أنَّها على وشكِ تكرارِ النَّصيحةِ التي قالتْها للمرَّةِ العشرينِ.
‘سأرتكبُ حادثةً بالفعلِ.’
سأفعلها ثمَّ أقبلُ العقابَ لاحقاً!
—
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 1"