1
الفصل الأوّل
لم يكن المشهدُ خارج النافذة سوى مراعي ممتدّة ومناطقَ زراعيّة، وقد استمرّ ذلك منذ ثلاث ساعاتٍ بالفعل.
إدموند، ذو الأعوام الخمسة، كان ينظر بفتورٍ إلى موجات الخُضرة الربيعيّة التي تنساب ببطءٍ خارج نافذة العربة.
‘كما توقّعت… الريف مملّ. لو كنتُ أعلم، لبقيتُ في المنزل ألعب مع صوفي.’
كانت والدة إدموند، التي لاحظت عبوس ابنها وتحديقه الصامت إلى الخارج منذ فترة، تحاول تطييب خاطره، فتحدّثت إليه بلطف.
“إدموند، تحلَّ بالصبر قليلًا. سمعتَ ما قاله موظّف تحصيل الرسوم قبل قليل، أليس كذلك؟ لم يتبقَّ سوى خمسة كيلومترات حتّى نصل إلى مدينة رودر.”
“خمسة كيلومترات؟ هذا يعني أنّنا وصلنا تقريبًا.”
أضاف والده من المقعد المقابل، وهو يطالع الجريدة. كان قد كثر سعاله في الآونة الأخيرة، فتنحنح قبل أن يُكمل كلامه.
“كحّ… ثمّ إنّ الحفل الذي سنحضره اليوم سيكون مختلفًا عن المرّة السابقة. هذه المرّة، سيحضر أطفال في مثل عمرك. ومن بينهم صديقٌ عليك أن تتعرّف إليه لا محالة.”
حاول الأب أن يزرع في ابنه شيئًا من الترقّب للحفل، لكنّه فشل.
إدموند كان شديد الخجل، ويفتقر إلى أيّ مهارات اجتماعيّة، لذلك لم يكن متحمّسًا إطلاقًا للقاء أطفالٍ غرباء.
لهذا، وبينما كان والده يتحدّث، انتقل اهتمامه من تلقاء نفسه إلى الجريدة.
عينان زرقاوان تتدلّى فوقهما رموشٌ ذهبيّة راحتا تمسحان العناوين العريضة والرسوم المرافقة لها، بحثًا عن شيءٍ يثير الفضول.
[التوسّع العشوائي لحكومة آدامز في الأراضي الغربيّة، قبل ذلك ينبغي حلّ النزاع مع الجنوب…….]
ما شدّ انتباه طفلٍ في الخامسة لم يكن العنوان العدائيّ بحدّ ذاته، بل الكاريكاتير الساخر أسفله، الذي صوّر الرئيس الحاليّ على هيئة رجلٍ بدينٍ شره.
كان عمًّا بدينًا لافتًا للنظر.
انشغل إدموند بالتحديق في الرسم لدرجة أنّه لم ينتبه إلى جملة والده الأخيرة عن ‘صديقٍ يجب أن يلتقيه حتمًا’.
—
الحدث الذي حضرتْه عائلة شور في ذلك اليوم كان حفل وضع حجر الأساس لمحطّة القطار في رودر.
ومع اجتياح حُمّى السكك الحديديّة للمناطق الشماليّة الشرقيّة، مركز التجارة والصناعة في قارة ويستميز، أصبح مشروع مدّ السكك محطّ اهتمام المستثمرين، لا الحكومة وحدها، بل أيضًا أمثال السيّد شور.
وبفضل ذلك، تشابكت مدن الشمال الشرقيّ خلال فترةٍ وجيزة بخطوط السكك كشبكة عنكبوت، وحين بدأت القطارات تتفوّق على السفن البخاريّة كوسيلة نقلٍ وانتقال، سارعت رودر، التي كان نهر ميلس هو شريان تجارتها الرئيسيّ، إلى ركوب موجة التغيير.
المدينة الصغيرة كانت تضجّ بالحماس منذ مدخلها، متطلّعةً إلى الأرباح الضخمة والتنمية التي ستجلبها السكك الحديديّة.
دخلت عربة عائلة شور شارعًا مزيّنًا بالأعلام والأقمشة الملوّنة، وكانت الحشود تملأ المكان عن آخره.
وبشقّ الأنفس، وصلت العربة إلى خيمةٍ ضخمة نُصبت على الأرض المخصّصة لبناء المحطّة، تفاديًا للازدحام.
ما إن نزلت عائلة شور حتّى خرج كبار مسؤولي شركة ميلس للسكك الحديديّة لاستقبالهم بأنفسهم، احترامًا لضيوفٍ استثمروا مبالغ طائلة.
“السيّد شور، شكرًا لتحمّلكَ عناء السفر الطويل.”
“تفضّلوا من هنا، السيّد شور. رئيس البلديّة يتطلّع للقاءكم فورًا.”
وبينما كان السيّدان شور يتبادلان التحيّات مع رئيس البلديّة وكبار الشخصيّات، ثمّ مع من توافدوا للتعارف، شقّ رجلٌ طريقه عبر الحشد، ولوّح بيده حالما تعرّف إلى العائلة.
“كارل!”
كان رجلًا طويل القامة، ضخم البنية، يبرز بين الناس كأنّه شجرةٌ شامخة.
ارتسمت ابتسامةٌ مشرقة على وجه كارل شور عندما تعرّف إلى صديقه على الفور.
“يا إلهي، جورج!”
كان جورج فانينغ صديقًا أقرب إلى الأخ. وبعد سنواتٍ لم يتبادلا فيها سوى الرسائل، تعانق الاثنان بحرارة.
“مرّ وقتٌ طويل فعلًا!”
“آخر مرّة التقينا كانت عندما عدتَ من كوينزلاند لفترةٍ قصيرة. أي منذ ثلاث سنوات بالضبط!”
“ازدادت تجاعيدك، أليس كذلك؟”
قال كارل مازحًا وهو يربّت على كتف صديقه، فضحك جورج قائلًا:
“جرّب تربية أربعة أطفالٍ وستفهم!”
بعد ذلك، لحقت زوجة جورج به وتبادلت التحيّة.
كانت السيّدة فانينغ جميلةً لافتة، بشَعرٍ أحمرَ ناريّ وعينين خضراوين، وهي سماتٌ مميّزة لأهل آيرين.
التفتت بلطفٍ إلى إدموند، الذي كان لا يزال متشبّثًا بطيّات تنّورة أمّه، وحيّته بودّ.
“مرحبًا؟ إذًا أنت إدموند؟”
كان شعره الأشقر الذهبيّ، وعيناه الزرقاوان كالبحر، ووجنتاه الورديّتان الممتلئتان، تجعله أشبه بملاكٍ صغير.
تنفّسَت السيّدة فانينغ بإعجاب.
“كنتُ أظنّ أنّ أولادنا هم الأجمل في العالم، لكن يبدو أنّ هناك من هو أجمل!”
“صحيح. من المؤسف أن نزوّجه ابنتنا روز.”
كان إدموند معتادًا على المديح، فلم يُحرّك فيه شيئًا، لكن كلمات السيّد فانينغ التالية جعلته يرفع رأسه فجأة.
عيناه اتّسعتا. أُزوَّج؟ ومن؟
غير أنّ الكبار انشغلوا بحديثهم، غير آبهين بدهشة الطفل.
“جورج، لا تقل إنّك تحاول التهرّب من تزويج روز لابني؟ لا تنسَ وعدنا.”
“هاهاها، بالطبع لا. كيف أنسى؟ وعدنا بأن نزوّج أبناءنا إن رُزقنا بابنٍ وابنة.”
بينما كان الأبوان يستعيدان ذكريات الشباب، ظلّ إدموند يرمش بعينيه، وقد خلا رأسه تمامًا.
زواج؟ ما الذي يتحدّثون عنه؟
شدّ بطرف فستان أمّه المخمليّ، طالبًا تفسيرًا.
لكنّ السيّدة شور، التي لم تدرك اضطرابه، ابتسمت بمرح وقالت:
“إدموند، ألم يقل لك والدك إنّ هناك صديقًا يجب أن تلتقيه اليوم؟ ذلك الصديق هو خطيبتك.”
تجمّد فمه الصغير وهو مفتوحٌ.
خطيبة؟ هذه أوّل مرّة يسمع بذلك.
متى أخبره والداه عن خطيبةٍ له؟
على مائدة العشاء؟ قبل النوم حين كانا يقبّلان جبينه؟
بحث في ذاكرته المضطربة، لكن لم يجد أيّ أثرٍ لكلمة ‘خطيبة’.
يا إلهي. شحب وجه إدموند من شدّة الصدمة.
لم يكن والداه يعلمان، لكن كان هناك طفلةٌ واحدة استحوذت على قلبه بالفعل.
صوفي ميسون.
خادمته ورفيقة لعبه، الفتاة الوحيدة التي وجدها جميلةً بحقّ.
فكيف يُطلب منه الزواج بفتاةٍ لم يسمع بها قطّ؟
“ها هي قادمة. روز! تعالي وحيّي أصدقاء أمّك وأبيك!”
استدار إدموند بسرعة.
أوّلًا، ليتأكّد من وجود هذه الخطيبة أصلًا.
وثانيًا، لأنّ جزءًا منه كان يأمل أن تكون أجمل من صوفي.
لكن مهما حدّق، لم يرَ فتاةً في المكان الذي أشارت إليه السيّدة فانينغ.
كان هناك فقط صبيّ يرتدي فستانًا، يلوّح بذراعيه ويعدو بحماس.
ومع اقترابه، لم يستطع إدموند كبح ذهوله.
شَعرٌ مجعّد بلون اللهب، منتفش كأنّ صاعقةً ضربته، ووجهٌ مدفون فيه، قبيحٌ كخنزيرٍ سمين، وملابس متّسخة عالقة بها أعشاب.
لم يكن هناك شيءٌ واحد يمكن التغاضي عنه.
قبيح… ومقزّز.
“روز، حيّي صديقك. هذا إدموند، ستتزوّجان عندما تكبران.”
“صديق؟”
نظرت عينان خضراوان فاتحتان إليه، وسال المخاط من أنفها.
كاد إدموند يصرخ.
“مرحبًا!”
تراجع مذعورًا.
“أنا لن أتزوّج هذا الصبي!”
“……أنا فتاة.”
لكنّه لم يسمع.
“لا! سأتزوّج صوفي!”
وانفجر باكيًا، مختبئًا خلف أمّه.
وفي خضمّ الفوضى، كانت روز تحدّق في الأرض بصمت، تبحث عن شيءٍ واحد.
‘خنفسائي… أين ذهبت خنفسائي؟’
في ذلك اليوم، ظنّ إدموند أنّ والديه سيعيدان التفكير في الخطوبة.
لكنّه لم يكن يعلم أنّ الكبار كانوا يخطّطون لشيءٍ أسوأ بكثير.
التعليقات لهذا الفصل " 1"
الرواية تحفة واخيرا راح تترجم بالتوفيق 😘😘💕