8
الفصل: بين ما يُقال وما يُشعَر
لم يكن الليل مختلفًا في شكله، لكنه كان مختلفًا في شعوره
رين مستلقية على سريرها، عيناها مفتوحتان، تحدّقان في الظلام وكأن السقف يخبّئ لها إجابة لم تسألها بعد.
البيت صامت، إلا من أصوات خفيفة مألوفة: حفيف ستارة، صرير خشب، أنفاسها المتقطعة.
لم تكن متوترة.
ولم تكن مطمئنة تمامًا.
كانت…
تفكّر.
تفكّر في اليوم، في المدرسة، في الطريق، في المتجر، في المطبخ، وفي تلك اللحظة الصغيرة التي وضعت فيها طبقين بدلًا من واحد دون أن تشعر أن الأمر غريب.
متى أصبح وجوده طبيعيًا إلى هذا الحد؟
تقلّبت على جانبها، وأغمضت عينيها للحظة، لكنها لم تستطع النوم.
نهضت أخيرًا، بهدوء، وخرجت من غرفتها متجهة نحو العليّة.
كانت العليّة مضاءة بضوء خافت، كما لو أنها لم تُغلق تمامًا منذ الأمس.
وقفت رين عند الباب للحظة، ثم دخلت.
ليونيل كان هناك.
لم يكن جالسًا أمام المرآة مباشرة هذه المرة، بل إلى جانبها، ظهره مستند إلى الجدار، عيناه تتبعان انعكاس الضوء على الأرض.
لم يلتفت فورًا.
رين، بصوت منخفض
رين: لم أنم.
رفع رأسه ببطء، نظر إليها، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
ليونيل: ولا أنا.
جلست على الأرض قبالته، قرب المرآة، ولفّت ركبتيها بذراعيها.
ساد صمت قصير، لكنه لم يكن ثقيلًا.
رين: هل فكّرت… في الطعام؟
أومأ.
ليونيل: ليس في طعمه فقط… بل في السبب.
ترددت قليلًا، ثم قالت بصراحة
رين: أردت أن أفعل شيئًا عاديًا.
شيئًا يشبه… الحياة.
نظر إليها مطولًا، كأن كلماتها فتحت بابًا لم يكن يعرف أنه موجود.
ليونيل: في عالمي… لا أحد يطبخ لي لأنه يريد.
كل شيء يحدث لأن عليه أن يحدث، لأنه هذا عملهم.
خفضت رين نظرها.
رين: في عالمي، أغلب الأشياء تحدث لأننا لا نفكر فيها كثيرًا.
سكتا.
ثم، دون تخطيط، قالت
رين: فكرت فيك اليوم… في المدرسة.
رفع حاجبه باهتمام.
ليونيل: وكيف كانت الفكرة؟
ابتسمت بخفة.
رين: غريبة.
تساءلت…
ماذا لو عشت هنا؟
ماذا لو خرجت من المرآة فعلًا؟
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض
ليونيل: أخاف أنني سأضيع.
رين: كلنا نضيع في البداية.
رفعت رأسها، نظرت إلى انعكاسه في المرآة.
رين: وأنت؟ هل فكرت يومًا أنني قد أعيش في عالمك؟
هذه المرة، لم يجب فورًا.
ليونيل: فكرت… لكن الفكرة ليست عادلة.
رين: لماذا؟
ليونيل: لأن عالمي لا يرحم من لا يعرف قواعده.
وأنتِ… لا يجب أن تتعلّمي القسوة.
شعرت بشيء يتحرّك في صدرها، شيء بين الامتنان والحزن.
في اليوم التالي، استيقظت رين بإحساس مختلف.
ليس حماسًا، وليس ثقلًا…
بل وعي.
كأنها بدأت تلاحظ نفسها داخل الأيام.
في المدرسة، جلست في مكانها، فتحت دفاترها، وبدأت تكتب.
لم تكن الكلمات مهمة بقدر فعل الكتابة نفسه.
كانت المعلمة تشرح، وصوتها واضح، والطلاب حولها منشغلون.
رين هذه المرة لم تسرح فورًا.
لكن عقلها عاد إليه…
ببطء.
هل يشعر بالوحدة الآن؟
هل ينتظر؟
هل الانتظار مؤلم؟
إيدن: رين.
انتبهت فجأة.
إيدن ينظر إليها، لا بابتسامة، بل بنظرة متفحّصة قليلًا.
إيدن: أنتِ هنا… لكنكِ لستِ هنا تمامًا.
تنفست بعمق.
رين: هل هذا سيئ؟
هزّ رأسه.
إيدن: لا.
لكنه… واضح.
ثم أضاف بعد تردد
إيدن: يبدو أنكِ تحملين شيئًا مهمًا.
لم تعرف لماذا، لكن كلماته أثّرت فيها.
هل أبدو كذلك فعلًا؟
بعد انتهاء الدوام، خرجت رين من المدرسة وحدها.
لم تمشِ بسرعة، ولم تتوقّف.
كانت تفكّر في فكرة واحدة تتكرّر:
الانتظار.
في الطريق، مرّت بمكان كانت تجلس فيه وحدها سابقًا، وتجنّبته.
ليس لأنها تكرهه…
بل لأنها لم تعد تحتاجه.
عادت إلى المنزل، هذه المرة دون المرور بالمتجر.
لم يكن لديها سبب.
دخلت العليّة مباشرة.
ليونيل كان واقفًا أمام المرآة، كأنه شعر بها قبل أن تدخل.
رين: عدت.
ليونيل، بابتسامة صغيرة
ليونيل: كنت أعلم.
جلست، وأسندت ظهرها إلى الحائط.
رين: هل الانتظار صعب؟
فكّر للحظة.
ليونيل: ليس عندما تعرف أن من تنتظره سيعود.
ابتلعت ريقها.
رين: وأنا؟
هل… يجب أن أقلق إن انتظرتُك؟
نظر إليها مباشرة، لأول مرة دون انعكاس.
ليونيل: أنا لا أريد أن أكون عبئًا على أيامك.
أجابته بسرعة، ربما أسرع مما يجب
رين: لست عبئًا.
ساد صمت مشحون.
ثم قالت، بصوت أقل ثباتًا
رين: لكنني خائفة.
ليونيل: من ماذا؟
رين: من أن أعتاد وجودك…
ومن أن يأتي يوم لا تكون فيه هنا.
لم يقترب، لكنه خفّض صوته.
ليونيل: وأنا خائف…
من أن أكون مجرد مرحلة.
شعرت رين بقلبها ينقبض.
مرحلة؟
في تلك الليلة، جلست أمام المرآة أطول من المعتاد.
لم يتحدثا كثيرًا.
لكن وجوده كان كافيًا.
عندما نهضت لتغادر، توقفت.
رين: ليونيل؟
ليونيل: نعم؟
رين: إن اختفيتَ يومًا… هل ستتركني دون وداع؟
تردد.
ليونيل: لن أختفي دون أن تعرفي السبب.
ابتسمت، لكنها لم تشعر بالطمأنينة.
أغلقت باب العليّة خلفها، وعادت إلى غرفتها.
استلقت على السرير، وحدّقت في الظلام.
أنا أعيش بين عالمين…
وأخشى أن أفقد أحدهما.
أغمضت عينيها، وقلبها مثقل بأسئلة لم تُخلق لها إجابات بعد.
يتبع…
التعليقات لهذا الفصل " 8"