الفصل 77
“سأخرجُ اليومَ مع أليك لنلعبَ قليلًا.”
عندَ سماعِ كلماتِ فانيسا، عقدَ رايان حاجبيهِ.
“إلى أينَ مجددًا؟ منذُ أن حصلتِ على حارسةٍ وأنتِ تخرجينَ في كلِّ وقتٍ وحينٍ.”
“إلى أينَ برأيكَ؟ إلى كونيغ بالطبعِ. في الحقيقةِ، وعدتُ جان بالأمسِ أن نلعبَ معًا. سأعرّفُ أليك على إخوةِ جان، وسنأكلُ معًا، ثمَّ نصنعُ رجلَ ثلجٍ.”
“هاه، قصةُ رجلِ الثلجِ هذهِ لا تنتهي…”
نظرَ رايان من النافذةِ باشمئزازٍ.
فقد خرجت فانيسا مع أليك فورَ انتهائهما من الطعامِ بالأمسِ، وصنعا أربعةً وعشرينَ رجلَ ثلجٍ في الفناءِ الأماميِّ.
كانت أنوفُ الجزرِ الغريبةِ تنظرُ جميعًا باتجاهِنا، مما جعلَ المنظرَ مخيفًا بعضَ الشيءِ.
“ألم تملّا بعدُ؟ ستذهبينَ إلى المدينةِ لتصنعي جيشًا آخرَ من رجالِ الثلجِ الغرباءِ هؤلاءِ؟”
“يجبُ أن ألعبَ مع أخي. سنُّ الثانيةِ عشرةَ هو سنُّ اللعبِ والمرحِ.”
قالت فانيسا وهي تحتضنُ أليك الواقفَ بجانبها بقوةٍ.
“أليك، أظنُّ أنَّ جان سيصلُ قريبًا، لذا فلنذهب ونغيرَ ملابسنا بسرعةٍ! سآتي إلى غرفتكَ لأختارَ لكَ ثيابكَ. ويجبُ أن ترتديَ الوشاحَ الذي أعطيتُكَ إياه بالأمسِ أيضًا!”
“هيهي. أجل، يا أختي!”
زفرَ رايان تنهيدةً عميقةً وهو يراقبُ الاثنينِ وهما يهرعانِ بصخبٍ نحو الطابقِ الثالثِ.
في الحقيقةِ…
–”وعدتُ جان بالأمسِ أن نلعبَ معًا.”
هو يعرفُ أنَّ رجلَ الثلجِ مجردُ عذرٍ، ويعرفُ سببَ خروجها الحقيقيَّ.
لابدَّ أنها ذاهبةٌ لعلاجِ ميليسا، شقيقةِ جان، باستخدامِ قدرتها.
“هوي.”
نادى رايان كارلي التي كانت قد أنهت طعامها للتوِّ.
“نعم، رايـ-…”
“اللورد رايان.”
“……”
“اللورد!”
“كارلي. فقط ناديهِ كما يريدُ.”
عندما تدخلَ ريڤان، أومأت كارلي برأسها فورًا.
“نعم، أيُّها اللورد. لماذا ناديتني؟”
“أنتِ حقًّا…، ما خطبُكِ؟ من هو الذي يدفعُ لكِ المالَ؟ إلى متى ستستمرينَ في سماعِ كلامِ أخيكِ وكلامِ الأرنبةِ فقط؟”
“لماذا ناديتني؟”
“فوه.”
حسنًا، لا فائدةَ.
لوحَ رايان بيدهِ وسألَ: “لقد اصطحبتِ الأرنبةَ إلى كونيغ كثيرًا في الفترةِ الماضيةِ، أليسَ كذلك؟”
“نعم.”
“وفي كلِّ مرةٍ، كنتم تقضونَ الوقتَ في منزلِ الحوذيِّ جان ويلينغز.”
“نعم.”
“صفي لي بالتفصيلِ ماذا تفعلُ ابنتي هناكَ.”
“تلعبُ مثلَ بقيةِ الأطفالِ.”
“أنا أسألُ كيفَ تلعبُ مثلَ بقيةِ الأطفالِ… هاااه، لماذا الحديثُ معكِ صعبٌ هكذا؟”
تنهدَ رايان ومسحَ وجهه بيدهِ من الإحباطِ.
بدت كارلي متعجبةً من السؤالِ المفاجئِ.
“في الغالبِ… نشتري الكثيرَ من المسلياتِ أولًا ثمَّ نذهبُ إلى منزلِ جان ويلينغز. وبعدَ مشاركةِ الوجباتِ الخفيفةِ مع إخوةِ جان، يلعبونَ ألعابَ الورقِ. وأحيانًا تلعبُ بدمى الفتياتِ مع الآنسة ميليسا، شقيقةِ جان.”
“ميليسا هذهِ، هي طفلةٌ مريضةٌ، أليسَ كذلك؟”
“آه، نعم. عندما رأيتُ الآنسةَ ميليسا لأولِ مرةٍ لم تكن حالتها جيدةً. لكنها الآن بخيرٍ. يمكنها الخروجُ الآن، لذا يخططونَ لصنعِ رجلِ ثلجٍ اليومَ.”
“حسنًا. ساعديهم في صنعهِ جيدًا.”
“نعم؟”
بينما كانَ رايان يحللُ تقريرَ كارلي، تبادلَ مع ريڤان نظراتٍ صامتةً فوقَ الطاولةِ.
طفلةٌ تعاني من مرضٍ داخلي وظلت طريحةَ الفراشِ لسنواتٍ، تماثلت للشفاءِ التامِّ بعدَ ثلاثةِ أشهرٍ فقط من لقاءِ فانيسا.
إذًا، لا داعيَ لمزيدٍ من الشكِّ.
كما خمنَ الرجلانِ، فانيسا تملكُ بالفعلِ قدرةَ <ينبوع التطهير> المتخصصةَ في علاجِ الإصاباتِ الداخليةِ.
وبإضافةِ <شفاء الضوء>، و<أغلال التقييد>، و<قصيدة العودة>، أصبحَ لديها أربعُ قدراتٍ خارقةٍ!
‘إنّها مخيفة!’
صرخَ رايان وهو يضغطُ على قطعةِ الخبزِ في يدهِ وكأنهُ سيفجرُها.
ثمَّ نظرَ نحو الدرجِ الذي صعدت منهُ فانيسا.
‘لكن من المؤكدِ أنها لا تملكُ كلَّ القدراتِ الخارقةِ في يدها. هناكَ حدودٌ.’
لو كانت تملكُ جميع القدرات، لكانت فانيسا قد قتلت والدها سِرًّا وخرجت منذُ زمنٍ طويلٍ.
‘يبدو أنها تستطيعُ استخدامَ قدراتٍ متنوعةٍ… ولكن يبدو أنَّ هناكَ شرطًا معينًا للتفعيلِ…’
9. ريتشارد <أغلال التقييد>
كما تأكدَ بالأمسِ، قدرة ذلكَ المدعوِّ ريتشارد هي <أغلال التقييد>، وهي إحدى القدراتِ التي تملكها فانيسا.
وبالإضافةِ إلى ذلكَ، تملكُ أيضًا <شفاء الضوء> الخاصةَ بالابنة الثالثةِ ديانا، و<ينبوع التطهير> الخاصةَ بالابن الرابعِ غابرييل
والأمرُ المذهلُ هو أنَّ هذا يتناقضُ تمامًا مع قانونِ القدراتِ الخارقةِ الذي ينصُّ على أنَّ القدرةَ لا تُورثُ إلا عندَ وفاة صاحبها السابقِ.
إذًا، فلنفكر بالعكسِ.
إذا افترضنا أنَّ فانيسا، المخلةَ بالنظامِ الطبيعي، لا تستطيعُ استخدامَ إلا القدراتِ التي ‘يوجدُ أصحابُها حاليًّا’……
‘…لا. إذا كانَ الأمرُ كذلكَ، فيجبُ نسفُ فرضيةِ أنَّ الأرنبة قد عادت بالزمنِ تمامًا.’
هذا هو السببُ الذي يجعلُ شرطَ تفعيلِ بركةِ فانيسا يبدو واضحًا وغامضًا في آنٍ واحدٍ.
قدرةُ العودةِ بالزمنِ، <قصيدة العودة>، لا يوجدُ لها صاحبٌ حاليًّا!
ولم تكن موجودةً حتى في قائمةِ الإخوةِ غيرِ الأشقاءِ التي أعطتني إياها فانيسا!
“آه، هذا الخناقُ سيقتلني…”
–”إذا كنتَ فضوليًّا، فالثمنُ خمسونَ مليونَ قطعة ذهبية.”
أغمضَ رايان عينيهِ بشدةٍ.
“…يجبُ أن أستخرجَ المزيدَ من الأحجارِ السحرية بسرعةٍ.”
* * *
– “إذا كنتَ فضوليًّا، فالثمنُ خمسونَ مليونَ قطعة ذهبية.”
–”…واو، ستفعلينَ هذا؟!!!”
“كيكيكي…”
كنتُ أضحكُ بخبثٍ وأنا أنظرُ إلى نفسي في المرآةِ.
كم كانَ شعورُ الانتصارِ رائعًا بعدَ نجاحي في الانتقامِ ليلةَ أمسِ.
‘إذا كنتُ أشعرُ بهذا القدرِ من النشوةِ لمجردِ انتقامٍ بسيطٍ كهذا… فماذا سيحدثُ بعدَ أن أنتقمَ من والدي؟!’
سيكونُ شعورًا لا يُوصفُ.
يبدو أنَّ رايان يكادُ يُجنُّ من الفضولِ ليعرفَ ما هي قدرتي، لكنني سأتركُهُ يعاني قليلًا.
بالطبعِ لا أحتاجُ لإخفاءِ الأمرِ وليسَ لديَّ نيةٌ حقيقيةٌ لإخفائهِ.
لقد أخفيتُها في البدايةِ عندما لم تكن هناك ثقةٌ بيننا…
لماذا؟ لأنَّ رايان سيشعرُ بالقلقِ إذا عرفَ أنني أستطيعُ نسخَ قدراتهِ هو أيضًا.
‘لكنَّ الأمرَ لا يهمُّ الآن.’
أنا أثقُ برايان وهو يثقُ بي. لذا يمكنني إخبارُهُ بوضوحٍ عن ماهيةِ قدرتي.
ولكن، يجبُ أن يظلَّ فضوليًّا أكثرَ!
لأنَّ هذا هو جزاءُ الأسدِ الذي بخلَ عليَّ بالمعلوماتِ في البدايةِ وطالبني بخمسمئةِ قطعة ذهبية مقابلَ سرٍّ تافهٍ!
“كيكيكي…”
“آ-آنستي!”
في تلكَ اللحظةِ، شعرت إيما التي كانت تصففُ شعري بالرعبِ وهي تنظرُ إليَّ عبرَ المرآةِ.
“لا يصحُّ لسيدةٍ أن تظهرَ بتلكَ التعبيراتِ.”
“أختي، ما بكِ…؟”
حتى أليك، الذي كان يقفُ خلفَ إيما، بدا خائفًا مما جعلني أشعرُ ببعضِ الحرجِ.
يبدو أنَّ تعابيرَ وجهي كانت مرعبةً حقًّا…
“احم. سأنتبه للامر. على أي حال، هذا رائع جدًا!”
ساعدتني إيما في الاستحمامِ بالأمسِ.
في البدايةِ رفضتُ، لكنني استسلمتُ لخدمتها في النهايةِ، وكانَ الأمرُ رائعًا ومريحًا لدرجةِ أنني كدتُ أبكي.
يبدو أنَّ جسدي لا يزالُ يتذكرُ حياةَ الأميرةِ التي اعتادَ عليها طوالَ عمرهِ…
وحتى الآن.
“ما الذي يسعدكِ لهذا الحدِّ؟”
“لقد مرَّ وقتٌ طويلٌ منذُ أن حصلتُ على تسريحةِ شعرٍ جميلةٍ كهذهِ.”
شعري المجدولُ بعنايةٍ والمصففُ على شكلِ دوائرَ من الجانبينِ مع شرائطَ جميلةٍ.
تلكَ المهارةُ البارعةُ كانت تليقُ بإيما التي قضت نصفَ عمرها في تصفيفِ شعرِ فتياتِ قلعةِ ويندسور.
“ولكن يا إيما، لديَّ سؤالٌ.”
“ما هو؟”
ابتسمت إيما بودٍّ وهي تنظرُ إلى عينيَّ في المرآةِ، بينما كانت تجربُ عدةَ شرائطَ لتختارَ الأنسبَ لشعري.
“……”
توقفتُ قليلًا عندَ رؤيةِ تلكَ النظرةِ.
شعرتُ بنفسِ الشيءِ بالأمسِ؛ كانَ هناكَ دفءٌ لم ألحظهُ عندما كنتُ طفلةً ‘حقيقيةً’.
“آه، في الحقيقةِ…”
لا أتذكرُ ذلكَ، لكنني أنا وأليك قيل أننا كبرنا ونحنُ نرضعُ من حليبِ إيما عندما كنا صغارًا.
‘لكنني لم أشعر قطُّ بأنَّ إيما قريبةٌ مني لهذا الحدِّ.’
فقد كانت تتعاملُ بصرامةٍ، ربما لأنها لم ترد أن تتعلقَ بأطفالِ قلعةِ ويندسور الذينَ سيرحلونَ عاجلاً أم آجلاً.
ولكن، هل يمكنُ لقلبِ الإنسانِ أن يطيعَ الأوامرَ هكذا؟
ربما كانت إيما تربي جميعَ الأطفالِ وهي تحبهم وترعاهم سِرًّا.
“ألم تترددي قبلَ المجيءِ إلى هنا؟ لقد عملتِ في قلعةِ ويندسور لفترةٍ طويلةٍ، ولابدَّ أنَّ الدوقَ كان سيعطيكِ الكثيرَ من المالِ عندَ التقاعدِ.”
بالطبعِ لابدَّ أنهُ سيضع حراسةً لمراقبتها، لكن…
“لذا ظننتُ أنكِ ستعيشينِ حياةً مريحةً الآن مع زوجكِ. لم أتوقع أن تأتيا مع أليك إلى هنا.”
“آه…”
حسنًا، إنهُ سؤالٌ أعرفُ إجابتهُ.
أليك بالنسبةِ لإيما ليسَ سوى ابنٍ حقيقيٍّ، فكيفَ كانت ستتركهُ يرحلُ وحدهُ؟
“لأنني كنتُ قلقةً على السيدِ الشابِّ. وأردتُ رؤيتكِ أنتِ أيضًا، يا آنستي.”
“فهمتُ.”
“وأيضًا يا آنستي… أنا آسفةٌ.”
“هاه؟ لماذا؟”
لمست إيما يديها بترددٍ، ثمَّ نظرت إليَّ بعينينِ دامعتينِ.
“عندما طُردتِ من القصرِ… لم أستطع فعلَ أيِّ شيءٍ لكِ…”
“آه.”
“قد يبدو هذا الكلامُ سخيفًا… لكن منذُ ذلكَ اليومِ، كنتُ أنا وزوجي نقلقُ عليكِ كثيرًا…لقد صليتُ كلّ ليلةٍ لأتمكن من رؤيتكِ من جديد، لذا، كنتُ سعيدةً جدًّا لأنني تمكنتُ من رؤيتكِ مجددًا ولو بهذا الشكلِ.”
ابتسمتُ بضعفٍ.
ماذا كانَ بإمكانِ إيما أن تفعلَ عندما طُردت؟ خاصةً وأنهُ كانَ لا يزالُ هناكَ أليك الذي يحتاجُ لرعايتها.
“لا بأسَ. المهمُّ أننا التقينا مجددًا، أليسَ كذلك؟”
مسحت إيما دموعها وابتسمت لي. رغمَ أنها قضت عمرها في تربيةِ الأطفالِ، إلا أنَّ ملامحها كانت جميلةً دونَ تجاعيدَ عميقةٍ.
لو كانَ لي أمٌّ، لكانَ هذا هو شعور أمتلاكها.
لماذا لم أدركْ ذلكَ حينها؟
إيما هذهِ، الرقيقةُ التي تبدو وكأنها لا تستطيعُ قولَ كلمةٍ قاسيةٍ واحدةٍ……
–”أيها الشيطان! أيها الحثالة! حتى الحيوانات لن تفعلَ ما تفعلهُ!!!”
“أوه.”
شعرتُ بقشعريرةٍ مفاجئةٍ ومسحتُ ذراعي.
مالت إيما برأسها بتعجبٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 77"