الفصل 73
هل بدأت هذه الأحلام منذ ذلك اليوم الذي اجتمعت فيه كارلي بريڤان بلقاءٍ ملؤه الدموع؟
لسببٍ ما، كنتُ أرى الحلم ذاته كلّ يوم.
بما أنّ لي أخًا صغيرًا أنا أيضًا…
كان حلمًا عن أخي الأصغر الوحيد، أليكسندر.
“أختي! ما هو أوّل شيءٍ تودّين فعله حين تخرجين من القصر؟”
كان أليك، الذي يصغرني بنحو 11 شهرًا، هو أصغر سكّان قصر ويندسور، والابن الثاني عشر لأبي.
“حين ألتقي بأبي، سأطلب منه إرسالي إلى الأكاديميّة. الدراسة بمفردي ليست ممتعة. أريد تكوين الكثير من الصداقات.”
كان أليك يشعر بالوحدة كثيرًا.
فعندما كبر بما يكفي ليبدأ في تكوين الذكريات، كان جميع إخوتنا في قلعة ويندسور قد غادروا بالفعل.
منذ أن كنتُ في التاسعة وأليك في الثامنة، لم يبقَ في القلعة سوانا.
ربما لهذا السبب، كان أليك متعلّقًا بي بشدّة.
بالطبع لم يكن الأمر مبالغًا فيه، وبما أنّني كنتُ أحبّه كثيرًا، فقد كنتُ سعيدةً بتعلّقه ذاك.
كثيرًا ما كان يأتي إلى غرفتي حاملاً وسادته لينام بجانب “أخته الكبرى”…
وعندما بلغ الثامنة، أخبرته المربّية أنّها ستوبّخه بشدّة إن فعل ذلك مجدّدًا، فبكى أليك طوال اليوم.
كان لطيفًا حقًّا.
وكان طيّب القلب، أخي الصغير الجميل.
قبل العودة بالزمن غادرتُ أنا القلعة أوّلاً، وبعدها ثبُت أنّ أليك عديم القدرة.
توسّلتُ إلى والدي ألا يطرده، لكنّه أرسل طفلاً في الثانية عشرة إلى ساحة المعركة.
أولئك الذين قتلوا أليك هناك لم يكونوا وحوشًا، بل قتلةً مأجورين أرسلهم والدي بالتأكيد.
لكنّ أليك عاد حيًّا.
ومثلي تمامًا، استيقظت لديه قدرةٌ خارقةٌ من نوعٍ لم يسبق له مثيل.
“أليك مشغول. إنّه يدرّب قدرته.”
“أ- أبي… كيف تدرّب قدرة أليك…؟”
“أتسألين وأنتِ تعلمين؟ القدرة تصبح أقوى كلّما استُخدمت مرارًا.”
“أنا أعلم ذلك! لـ- لكن، أ- أن تدرّب قدرة أليك… فهذا يعني…”
كان والدي رجلاً مجنونًا.
كان عليّ أن أدرك ذلك حينها.
حين كان ينظر إليّ بملامح حزينة زائفة وأنا أبكي لرؤية حال أخي الصغير، ويخبرني أنّه يجب تدريب قدرته.
ذاك الشيطان.
ذاك الوحش الذي يرتدي قناع إنسان.
“أختي، أنا بخير. يجب أن أطيع أوامر والدي. أريد أن أكون مفيدًا للعائلة أيضًا…”
بعد غياب شهور، لم يكن هناك ضيقٌ في عينيّ أليك حين التقيته. ابتسم لي بضعف وهزّ رأسه حين طلبتُ منه الهرب.
أليك، الذي كان يعيش سجينًا تقريبًا في مركز إدارة القدرات التابع للعائلة.
لا أعلم ما الذي واجهه هناك لتدريب قدرته. كان الأمر مروعًا لدرجة أنّني لم أرغب في معرفته.
لكنّ أليك أصبح قادرًا على إخراج قدرته إلى حدّها الأقصى في غضون نصف عام فقط.
“هل ستخرج… للقتال مجدّدًا؟”
“أجل، أختي.”
“… حسنًا. كن حذرًا.”
ذاك الطفل الذي كان يحلم بالدراسة مع أصدقائه في الأكاديمية، أمسك بالسيف بدلاً من القلم.
حصل على منصب قائد فيلق المشاة التابع للعائلة، وكان عليه دائمًا أن يقف في الصفوف الأولى.
لم تكن مهمّة أليك في المقدمة قتل الوحوش أو الفوز في المعركة.
بل كانت أن يتمّ تمزيقه والتهامه قدر الإمكان، ثمّ يعود للحياة وكأنّ شيئًا لم يكن.
كان مجرّد “أداة لرفع الروح المعنويّة” للجنود.
“أرجوك اجعل أليك يتقاعد.”
حين كبرتُ قليلاً، وأدركتُ بشكلٍ غامض أنّ والدي يحاول الاستماع لطلباتي قدر الإمكان طالبتُ بتحرير أليك كنوعٍ من التمرّد، ووافق والدي.
اجعله يفعل ما يريد. ستستمع لطلبي، أليس كذلك؟”
لكن يبدو أنّ الأوان كان قد فات.
فقد رفض أليك ذلك، وهو الذي تحطّمت روحه تمامًا وأصبحت حطامًا.
“أختي، أنا بخير حقًّا. فائدتي الوحيدة هي هذه. لأنّني أستطيع فعل هذا، يمكنني العيش معكِ.”
“……”
“أنا حقًّا… بخير.”
منذ أن عرف أنّني أقلق عليه ولا أنام الليل، كان أليك يتعمّد الابتسام بإشراق.
“هاها! ربما سأكون أكثر إخوتنا عمرًا؟ يمكنني البقاء بجانب أختي لأطول فترة!”
كان يمزح بشأن قدرته إلى هذا الحدّ.
أكان لهذا السبب؟
منذ وقتٍ ما، بدأتُ أدفع القلق على أليك بعيدًا عن عقلي، قائلةً لنفسي: “أجل، لا بدّ أنّه بخير”.
“ماذا كنتِ تفعلين حين قُطع رأسي، أختي؟”
آه.
“حين كان الناس يقتلونني، ويقتلونني، ويقتلونني مرارًا و تكرارًا، ماذا كنتِ تفعلين؟ ألم تكوني مهتمّةً حتى بما حدث لي هناك؟”
هذا… ليس كلام أليك.
إنه حلم.
كابوس.
“ماذا كنتِ تفعلين حين كانت الوحوش تنهش جسدي!!!”
كلا. أليك. أنا آسفة.
أنا….
حقًّا. أنا آسفةٌ حقًّا……
“أليك!!!”
استيقظتُ بصرخةٍ مدويّة من ذاك الكابوس.
“هاه، هاه…”
كان جسدي يتصبّب عرقًا باردًا.
كان الظلام لا يزال يخيّم خارج النافذة، لكنّ الأرض كانت بيضاء ساطعة بسبب الثلوج المتراكمة.
في مثل هذا الوقت، وقت عيد ميلاد أليك، كان الثلج يغطي الخارج دائمًا.
كنّا نصنع رجل ثلجٍ معًا، ثمّ نعود للقلعة لنضع الشموع على كعكةٍ جميلة ونغنّي أغنية عيد الميلاد.
نظرتُ إلى التقويم الموضوع على الطاولة.
7 يناير.
تغيّرت السنة وأصبحتُ في الثالثة عشرة، وأصبح أليك في الثانية عشرة.
وعيد ميلاد أليك الثاني عشر كان في 2 يناير.
ربما في ذلك اليوم، ثبُت أنّ أليك عديم القدرة كما حدث قبل العودة بالزمن.
“… أنا آسفة.”
اعتذرتُ بهدوءٍ شديد، اعتذارًا لن يصل إليه.
أنا التي كنتُ أختًا مقصّرة، يجب أن أغيّر حياته هذه المرّة بالتأكيد.
فهذا هو طريقي الوحيد للتكفير عمّا فعلته حين كنتُ مجرّد متفرّجة.
حتى لا تستيقظ قدرة أليك للأبد…
وحتى يعيش سعيدًا يفعل ما يحلو له فقط…
‘هذه المرّة، بالتأكيد سأنجح…’
كتاب دروس القدرات الخاص بالعائلة، الذي استُخدم فيه أخي الوحيد كضحية.
لن يتمّ تسجيل قدرة أليك في ذاك الكتاب اللعين مرّةً أخرى أبدًا.
*قوة العودة للحياة بعد موت صاحبها.
الرتبة: متوسطة
أول من استيقظت لديه: أليكسندر فاسنبيرغ
* * *
“هوب!”
حاولتُ الوقوف على أطراف أصابعي بكلّ قوّتي، لكنّ يدي لم تصل.
كنتُ أريد تعليق إكليل الزينة على العمود في منتصف غرفة المعيشة…
للعلم، الشخص اللطيف الذي دقّ المسمار في ذاك الارتفاع الشاهق دون مراعاةٍ لطولي هو رايان.
“هاهاها.”
سمعتُ ضحكةً خلفي، فالتفتُّ لأجد كارلي واقفةً هناك.
“أعطِني إياها.”
أخذت كارلي الإكليل الأخضر الملوّن المزيّن بالشرائط ورقاقات الثلج والأجراس، وعلّقته بدلاً مني.
“شكرًا لكِ.”
“لا شكر على واجب.”
نظرتُ برضا إلى غرفة المعيشة في القصر التي ينبعث منها الدفء.
تجمعت صناديق هدايا بمختلف الأحجام فوق رف المدفأة التي تشتعل بدفء.
وبجانب المدفأة، شجرة صنوبر صغيرة بطولي (قطعها لي رايان، أنا آسفة أيّتها الشجرة) تتدلّى منها زينة الشتاء.
وبفضل أكاليل الزينة الممتدّة على الجدران والشموع السمينة الموزّعة هنا وهناك، كانت أجواء السنة الجديدة طاغية.
تمامًا كما كان منظر قلعة ويندسور في وقت عيد ميلاد أليك.
قالت كارلي: “سيفرح أخوكِ بالتأكيد.”
“حقًّا؟ هل سيحبّ ذلك؟”
“بالتأكيد. حين يرى أخته ترحّب به بهذا الشكل، كم سيكون سعيدًا.”
“هيهيهي.”
“فانيسا، تعالي إلى هنا.”
ناداني مارشين التي كان يكتب بالكريمة فوق الكعكة على مائدة المطبخ.
“ما رأيكِ؟ أيعجبكِ؟”
“وااو!”
يا للروعة، أميرنا المتعلّم سليل العائلة المالكة العريقة.
لقد كان خطّاطًا بارعًا…!
“إنه الأفضل!”
“إحم إحم.”
حين رفعتُ إبهاميّ له، مسح مارشين أنفه بفخر.
“إيييك، أيها الطفيلي! لا تلمس الطعام وانقل الأطباق!”
“يا لكَ من مزعج.”
حينها، بدأ رايان، الذي كان يحوم حول ريڤان وهو يطبخ ليسرق بعض الطعام، بالتذمّر وهو ينقل الأطباق.
“واو!”
وُضع ديكٌ روميّ شهيّ في منتصف الطاولة المزيّنة بالشمعدانات الجميلة ومفرش المائدة.
“هل أنتِ سعيدةٌ بهذا؟”
“أجل!”
قرص رايان خدّي وهو يبتسم بفتور، ثمّ نظر خارج النافذة.
كان منظر الثلوج المتراكمة هادئًا.
“أهو آتٍ اليوم حقًّا؟”
“… على الأرجح.”
ركضتُ نحو الأريكة أمام نافذة غرفة المعيشة وجلستُ واضعةً ذقني على إطار النافذة، أراقب متى ستصل العربة التي تقلّ أليك.
‘سيأتي، أليس كذلك؟’
وقعت عيناي على الوشاح الأحمر المطويّ بعناية فوق الأريكة.
اشتريتُه قبل يومين، كان هدية عيد ميلاد أليك.
‘يجب أن يأتي….’
كنتُ قد جعلتُ رايان يرسلُ رسالةً لأبي ليُرسل أليك له بمجرّد أن يثبت أنّه عديم القدرة.
لكن، هل سيتبع والدي إرادتنا ببساطة؟
ماذا لو حاول إرسال ذاك الطفل المسكين إلى ساحة المعركة مجدّدًا للتخلّص منه……
“آه!”
في تلك اللحظة.
رأيتُ عربةً مألوفة تدخل من البوابة.
بما أنني خشيتُ ألا يجد أليك عربةً تنقله إلى بيلزر، فقد طلبتُ من جان أن يذهب لاستقباله…
إنّها عربة جان!
“هوي! لا تركضي!”
تركتُ صوت رايان المندهش خلفي وركضتُ إلى الخارج بجنون.
وصلنا نهاية أحداث الغلاف الأول~
التعليقات لهذا الفصل " 73"