الفصل 68
“في الحقيقة… هذا رهانٌ بالنسبة لي أيضًا. يمكن القول إنّها مقامرةٌ وضعتُ فيها كلّ ثقتي بابنتي…”
تنهّد رايان وهو يتحدّث.
“لذا أنا آسف، ولكن منذ اللحظة التي رأيتِ فيها سرّي، لم يعد لديكِ خيارٌ آخر. إمّا أن تأتي معي بهدوء، أو تموتي هنا على يديّ، عليكِ اختيار أحدهما.”
قطب رايان جبينه وهرّز رأسه وكأنّه يتحدّث إلى نفسه.
“كلا. ابنتي تُريد بشدّة أن آخذكِ معي، لذا لا يمكنني قتلكِ… لنقل إمّا أن تأتي بهدوء أو تُؤخذي بالقوّة، اختاري أحدهما.”
“……”
“أعرف إنّكِ فتاة. أودّ أن أعاملكِ برقيّ قدر الإمكان…”
“سأتي معك.”
“؟”
“وتلك الثقة بأنّك تستطيع إخضاعي بالتأكيد، تُزعجني. أمّا مسألة المعاملة الراقية وما شابه، فهي تُشعرني بالإهانة وكأنّك تستخفّ بي.”
أضافت كارلي وهي ترفع ذقنها: “لا تهتمّ بجنسي، وعاملني فقط كشخصٍ ذي مهارة. هذا هو شرطي لمرافقتك.”
“……”
رمش رايان بعينيه عدّة مرّات، ثمّ انفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ.
“آهاها! لقد أعجبتِني!”
“والآن، يجب عليك التحقّق من مهاراتي.”
“… هاه؟”
* * *
–”أيّ نوعٍ من الآباء المهووسين بابنتهم أنت؟ ومن ذا الذي يوظّف مرتزقًا لا يعرف مهارته بـ 60 ألف قطعة ذهبية لمجرّد أنّ ابنته طلبت ذلك؟”
هذا صحيح تمامًا.
فكّر رايان وهو يراقب كارلي المندفعة نحوه بسرعةٍ كبيرة.
“لا أريد أن أعمل لدى صاحب عملٍ مجنون. تحقّق من مهاراتي بنفسك.”
بصراحة، كان يعرف من عينيها فقط أنّها بارعة، ولكن…
بات-!
بدأ الالتحام الأول لتقدير قوّة كلّ منهما.
ذُهل رايان.
‘ما هذه القوّة…’
لقد كان جسدًا يتجاوز تمامًا أيّ عجزٍ بدنيّ ناتجٍ عن الجنس.
لا بدّ أنّها بذلت مجهودًا دمويًّا لتصل بجسدها إلى هذا المستوى.
علاوةً على ذلك، تخلّت السيّافة عن سيفها.
كانت تلك ثقةً بمهارتها في خوض نزاعٍ بالقوّة البدنيّة المجرّدة دون أيّ ميزاتٍ إضافيّة.
بات-!
هويك-!
‘لا يبدو أنّها تدرّبت في العاصمة فقط…’
بينما كان يتبادل معها الهجمات، لاحظ أنّ أسلوب حركتها يمزج بين فنونٍ قتاليّة من مختلف أنحاء الإمبراطورية.
وحركات جسدها كانت تظهر إتقانًا تامًّا لكلّ ذلك.
لولا أنّه رايان، لكان قد سُحق بضربةٍ واحدة أمام هذه المهارة.
والأهمّ من ذلك.
‘إنّها… إنّها مجنونة!’
شعر بذلك فورًا.
في كلّ مرّة كانت هجمات رايان تصيبها، كانت كارلي تزداد إثارة.
عينان تلمعان، وزاوية فمٍ ترتسم عليها ابتسامةٌ عريضة.
لقد كانت مقاتلةً تستمتع بالقتال بحدّ ذاته.
–”يا بنيّ، الخصم الذي يجب أن تحذر منه أكثر في القتال ليس ضخم الجثّة ولا صاحب التقنيات المبهرة. بل أولئك الذين يستمتعون بالقتال.”
تذكّر كلمات معلّمه نوكس شيراخ حين كان في السجن.
–”أولئك المجانين يشعرون بالألم كلذّة. إنّهم يخوضون قتالاتٍ لا تنتهي إلا بموت أحدهم، لذا لا تُتعب نفسك بمواجهتهم بلا داعٍ.”
لقد أخبرني ألا أواجه المجانين بل أن أهرب فحسب، ولكن…
“آخ! لا! توقّفي عن ضربي!”
وفوق كلّ ذلك.
“أووه! لا تفعل! هييييك…”
كانت فانيسا تلتزم الصمت عندما يُضرب رايان، ولكن عندما تُضرب كارلي، كانت تصرخ وتبكي وتُثير جلبةً كبيرة.
يا له من أمرٍ يُشعرني بالخذلان! انظروا لهذا الأرنب الخائن!
“ألا يمكننا… التوقّف؟ ابنتي ستصنع بحرًا من الدموع…”
“ركّز في القتال بجدّية.”
“ماذا! أنا أفعل ذلك بجدّية… تسك!”
بَدت كارلي الهائجة وكأنّها لا تنوي التوقّف.
لم يجد رايان خيارًا سوى استهداف كتفها الأيسر.
‘لم أرغب في فعل هذا، ولكن يبدو أنّها لن تتوقّف إلا إذا أصيب عظمها بشرخٍ على الأقل.’
ماذا عن العواقب؟ لنترك الأمر لفانيسا!
في تلك اللحظة ظهرت ثغرة، و…
كوانغ-!
بوك-!
في اللحظة التي ضرب فيها كتف كارلي الأيسر.
فوجئ رايان حين أدرك أنّهما تبادلا الضربات في آنٍ واحد.
أخفض نظره ببطء.
‘كتفها الأيسر… هل قدّمته لي عمدًا؟’
يبدو أنّ كارلي قدّمت كتفها مقابل استهداف أضلاع رايان اليسرى.
إلا أنّها شعرت غريزيًّا بفشلها في اختراق العضلات السميكة وتحطيم الأضلاع…
“… هه، تبًا.”
تمتمت وهي تبتسم.
ثمّ وقفت باستقامةٍ ببطء.
“لقد خسرتُ إذن. يا للأسف.”
“أين الخسارة في هذا؟!”
“كان نزالاً جيّدًا.”
“……”
بينما كان ينظر إلى كارلي التي تبدو في غاية الإثارة والسعادة، ابتلع رايان ريقه.
إصابة كتفها الأيسر لا بدّ أن تكون بليغة.
لكنّه لم يستطع معرفة ما إذا كانت تتظاهر بذلك أم أنّها لا تشعر بالألم حقًّا.
‘إنّها… إنّها حقًّا مجنونة. هل ستكون بخير كحارسةٍ للطفلة؟!’
* * *
بعد أن عاد الجميع للتحرّك نحو بيلزر، حلّ المساء فاستأجروا غرفًا في قريةٍ قريبة.
“هل أنتِ بخير؟”
سأل ماكس.
نظرت كارلي إلى كتفها الأيسر المضمّد.
بَدَا أنّ هناك شرخًا في العظم، فقاموا بتثبيته لمنع تفاقم الإصابة.
“لا مشكلة. سيُشفى سريعًا. على أيّ حال يا ماكس، أليس لديك فضول؟ لماذا لا تسأل عن شيء؟”
لقد بذلوا جهدًا لسنواتٍ بهدف التسلّل إلى فاسنبيرغ، والآن وبكلّ بساطة يقرّرون الانضمام لعائلةٍ مجهولة، ومع ذلك تبعها الرفاق دون اعتراض.
حتّى دون أن يسألوا عن السبب…
“هل عليّ أن أسأل؟ لا بدّ أنّ القائدة اتّخذت القرار لأنّ لديها خطّة. أخبرينا عندما ترغبين في ذلك.”
“هاه، أيّها الوغد. شكرًا لك.”
ابتسمت كارلي بفتور وهي تشعر بالامتنان لهذه الثقة المطلقة.
في تلك اللحظة، طُرق الباب.
“هل يمكنني الدخول للحظة؟”
إنّه صوت الآنسة الصغيرة فانيسا، الشخص الذي ستحرسه.
ارتدت كارلي معطفها بسرعة، ثمّ فتح ماكس الباب.
“أوه، أيتها الآنسة! قائدتنا قد أجهدت نفسها قليلاً. لقد وضعتُ اثنين من الرفاق عند غرفتكِ… هل يمكنهما تولّي الحراسة بدلاً منها اليوم فقط؟”
“كلا، يا ماكس.”
قطبت كارلي جبينها.
“أنا لستُ بهذا السوء. سأكون بجانبكِ. فلنذهب أيتها الآنسة.”
“كلا!”
لوّحت فانيسا بيدها.
“لقد جئتُ فقط لأنّ لديّ حديثًا أودّ قوله لكارلي وحدنا.”
“أوه، حقًّا؟ إذن سأخرج أنا… آوه.”
ابتسم ماكس لفانيسا قبل خروجه وقال: “تحدّثي براحةٍ دون كلفة يا آنستي.”
“آها! أجل، فهمت.”
أومأت فانيسا برأسها.
وعندما أصبحتا وحدهما، أعادت كارلي التي كانت تحاول الوقوف بصعوبة للجلوس على السرير.
“كارلي، لقد سمعتُ كلّ شيء من أبي.”
“تحدّثي معي براحةٍ أنتِ أيضًا. فأنا منذ اليوم حارستكِ الخاصّة رسميًّا.”
“حقًّا؟!”
تهلّل وجه فانيسا لسببٍ ما.
“في الحقيقة، أشعر ببعض الغرابة في الحديث الرسميّ. إذن سأتحدّث براحة، اتّفقنا؟”
“… أجل، افعلي ذلك.”
“أرني كتفكِ قليلاً.”
“ماذا؟”
أشارت فانيسا بابتسامةٍ إلى كتف كارلي.
“يبدو أنّكِ تعرّضتِ للإصابة.”
“لا، ليست إصابةً كبيرة.”
“ومع ذلك، أريد رؤيته لمرّةٍ واحدة فقط.”
“……”
“مرّةً واحدة فقط. ألا يمكن؟”
زمّت فانيسا شفتيها ورفعت سبابتها وهي تتوسّل.
‘اللعنة…”
أدركت كارلي منذ رفقتهما حتّى الآن، أنّ هذه الآنسة تعرف مدى جمالها وتستغلّه جيّدًا.
‘لا عجب أن يدفع والدها 60 ألف قطعة ذهبية دون رؤية المهارات إذا طلبت ابنةٌ مثلها.’
فجأةً بدأت تتفهّم مشاعر رايان الذي كانت تظنّه مجنونًا…
في النهاية، خلعت كارلي معطفها.
وبما أنّ فانيسا طلبت منها فكّ الضمادات أيضًا، فعلت ذلك. كانت هناك كدمةٌ زرقاء داكنة.
“… هوو.”
عندما رأت فانيسا ذلك، عضّت على شفتيها.
“يبدو أنّ أبي لم يتحكّم في قوّته. سأعتذر لكِ بالنيابة عنه.”
“لا بأس. فأنا أيضًا لم أتحكّم في قوّتي. لقد كان نزالاً اتّفقنا فيه على ذلك.”
“أجل، كان كذلك. أبي أيضًا يتظاهر بالألم بسبب الكدمات في كلّ مكان.”
جلست فانيسا بجانبها.
ثمّ وضعت يدها على كتف كارلي.
“……؟”
في تلك اللحظة، شعرت كارلي بإحساسٍ دافئ يسري في كتفها الأيسر حيث تلمسها يد فانيسا…
<شفاء الضوء>
ظهرت هالةٌ من الضوء الأبيض.
حينها تلاشت الكدمة الزرقاء.
وشعرت بالعظم المشروخ، الذي كان يؤلمها طوال الوقت، وهو يلتحم بقوّة.
“……”
بقت كارلي مذهولة، وبعد حوالي 3 ثوانٍ أدركت الموقف.
انتفضت من مكانها و صرخت في نفسها.
‘ما هذا بحقّ الجحيم!!!’
التعليقات لهذا الفصل " 68"