في سنّ السادسة عشرة، بدأتُ أدركُ ولو بشكلٍ غامضٍ ما كان يفعله والدي وإخوتي.
في عمرٍ كانت فيه عائلتي هي كلّ عالمي، كيف كان لي أن أكرههم؟
أردتُ فقط إصلاحهم، وجعل الأمور صحيحة.
“أنا لا أكرههم. لكنني أريد أن أقول لهم ألا يفعلوا ذلك، غير أنّها المرّة الأولى التي لا يستمع فيها إخوتي وأخواتي لكلامي.”
“حسنًا، لقد فهمتُ الأمر.”
أكثر ما صدمني هو حقيقة أنّ إخوتي لم يكونوا يخمدون حوادث الوحوش بلا مقابلٍ طوال هذا الوقت.
“تلك الوحوش، أريدُ أن أصطادها بنفسي…”
كنتُ أملكُ قدراتٍ من الفئة العليا ذات القدرة الهجوميّة مثل إخوتي، لكنني كنتُ أمتلكها فحسب.
لم أكن مدرّبةً بما يكفي لمواجهة الوحوش بمفردي.
لذا، كان سبب بكائي في ذلك اليوم هو…
“سيكون الأمر أفضل لو أصبحتُ أقوى. لماذا يمنعني والدي؟ لماذا؟”
لأنني خرجتُ لتدريب القدرة فتعرّضتُ لتوبيخٍ قاسٍ من والدي، وصدر أمرٌ بحبسي لمدّة أسبوع.
“هل تسألين وأنتِ لا تعرفين الإجابة؟”
“لا، أنا أعرف. لا داعي للإجابة.”
“عائلة فاسنبيرغ تحافظُ على قوّتها من خلال الحصول على المصالح مقابل إخماد حوادث الوحوش. وبما أنّ الآنسة، التي تبدو وكأنّها ستذهبُ لإبادة الوحوش دون مقابل، تحاول تدريب قدرتها، فلم يجد الدوق بدًّا من منعكِ.”
“واو. قلتُ لكِ إنني أعرف! لم أسأل لأنني أجهل الأمر!”
ضحكت كارلي.
هل هذا ممتع؟…
“إنه لأمرٌ عجيب.”
“ما هو؟”
“السببُ في أنّ آنستي تنعمُ بحياةٍ مريحةٍ في هذا المنزل الجميل هو بفضل الدوق. وعلاوةً على ذلك، وبسبب معزّته لكِ، فإنّ كلّ الأعمال المتعبة والشاقّة هي من نصيب بقيّة الأبناء.”
“…….”
“يمكنكِ ببساطة أن تستمري في العيش كما عشتِ حتّى الآن. والدوق أيضًا قد ربّاكِ بعنايةٍ كجوهرةٍ مصونةٍ لم تلمس قطرةُ ماءٍ يديها، لتعيشي هكذا.”
رفعت كارلي حاجبيها.
“ومع ذلك، لماذا تعارضين والدكِ وتحاولين القيام بأمورٍ متعبةٍ بنفسكِ؟ هذا هو الغريب.”
“أنا مَن أجدكِ غريبة. أيّ إنسانٍ سيشعرُ بضرورة فعل ذلك.”
نظرت إليّ كارلي حينها بنظرةٍ غامضةٍ تمامًا.
“…أيّ إنسان؟”
“نعم، أيّ إنسان. أنتِ رأيتِ أيضًا، أليس كذلك؟ عائلتنا طلبت من القصر الإمبراطوريّ أرضًا في الجنوب هذه المرّة، ولما رُفض الطلب، تظاهروا بعدم المعرفة عن حادثة الوحوش من الفئة الأولى. لو أنّنا ساعدنا، لانتهى الأمر دون أن يموتَ أحد، لكن في النهاية وقع الكثير من الضحايا. هل ترين أنّ هذا صحيح؟”
“وما الخطأ في ذلك؟ هل يجبُ على مَن يملكُ القوّة أن يقاتلَ دون مقابل؟”
“مَن قال إنّ عليه التضحية؟ مَن يملكُ القوّة تقعُ على عاتقه مسؤوليّة. هناك قيمٌ تستحقّ ألّا نتجاهلها أبدًا حتّى لو لم نحقّق منها مكسبًا شخصيًّا.”
صمتت كارلي.
وقالت بعد فترةٍ طويلة: “…فهمت.”
مسحتُ دموعي ونهضت.
“كارلي، هلّا هربتِ بي بعيدًا؟”
“يبدو أنّكِ تفتقرين للحسّ بالواقع.”
“لا يمكنني فعلُ شيءٍ وأنا محبوسةٌ في المنزل. يجب أن أخرجَ وأفعلَ أيّ شيء!”
“مهما بلغتُ من القوّة، لا يمكنني الإفلات من مطاردة أصحاب القدرات الخاصّة. سيتمّ القبض علينا أينما هربنا. وبالطبع، ستعودُ الآنسة معزّزةً مكرّمة، لكنّ رأسي سيُقطعُ حتمًا. إذا كنتِ ترغبين في ذلك، فسأرافقكِ.”
“…….”
ضحكتُ، وضحكت كارلي أيضًا.
لم تكن ضحكةً بسبب المتعة، بل كانت ضحكةً يائسةً لشدّة شعوري بالاختناق من هذا الوضع الذي أعيشه.
“أنتِ تكرهين عائلتنا، أليس كذلك؟”
“كيف لي أن أكره الشخص الذي يدفعُ لي المال.”
“هل كلّ شيءٍ بخيرٍ بالنسبة لكِ طالما يُدفع لكِ المال؟”
“نعم. إذا وُعدتُ براتبٍ أعلى من هذا، فسأحرسُ العامّة، أو المتسوّلين، أو حتّى الوحوش.”
“…هذا غير معقول. ماذا لو كنتِ حارسةً لأحد إخوتي الآخرين؟ إذا طلب منكِ أخي الأكبر قتل شخصٍ ما، فهل ستفعلين؟”
“سأفعلُ إذا أُمرت بذلك.”
“…….”
يا للصدمة….
“من حسن حظّي حقًّا أنّكِ حارستي.”
“أنا أيضًا أشعرُ بالشيء نفسه.”
لكن رغم قولها ذلك، كنتُ أعلمُ أكثر من أيّ شخصٍ آخر أنّ كارلي التي بقيتُ بجانبها لفترةٍ طويلةٍ ليست شخصًا يفعلُ ذلك.
ومن ناحيةٍ أخرى، فكّرتُ أنّه من الجيّد حقًّا أنّها شخصٌ واضحٌ في القيم التي يسعى وراءها.
“آنستي.”
جلست كارلي بجانبي المكتئب، ومسحت على رأسي قائلةً:
“هل ننامُ متعانقتينِ الليلة؟”
كانت كارلي لطيفة، حقًّا.
“نعم….”
* * *
عاصمة الإمبراطوريّة، فالين.
إذا سألتَ عن نقابة المرتزقة الأكثر شهرةً في العاصمة حاليًّا، فسيشيرُ الجميعُ بالإجماع إلى <سيربيروس>.
نقابة مرتزقة من الفئة (S)، تتكوّن من عشرين عضوًا من النخبة، بقيادة رئيسة نقابة شابّة تبلغ من العمر 22 عامًا.
القوّة العسكريّة لكلّ عضوٍ فيها هائلة لدرجة تمكّنه من مواجهة أكثر من خمسة فرسان مدرّبين.
تجمّعٌ لمرتزقةٍ مخضرمين ذوي خبرةٍ ميدانيةٍ واسعة، حيث يتمّ استئجارهم في كلّ حادثة وحوش.
لذا، يتلقّى جميع الأعضاء عروضًا مستمرّة من النبلاء لتوظيفهم كجنودٍ خاصّين… لكن لم يستجب أحدٌ منهم قطّ.
و ماذا إذا أردتَ رؤية مهارات مرتزقة سيربيروس؟
عليك استئجارهم لفترةٍ قصيرةٍ أقصاها أربعة أيام.
وبتكلفةٍ باهظةٍ تجعلُ العيون تجحظُ من هول الرقم.
“ممم.”
وقفت كارلي، رئيسة نقابة سيربيروس، أمام المرآة وهي تترنّم بلحنٍ ما.
[مسابقة الإمبراطوريّة للمبارزة الـ 105
الطريق لتصبحَ فارسًا مكرّمًا!]
بجانب المرآة، إعلانٌ معلّقٌ على الجدار.
تقدّمت كارلي بطلب المشاركة في هذه المسابقة، وتبقّى على انطلاقها ثلاث ساعات.
إنّها مسابقةٌ تقام سنويًّا، فما السبب في مشاركتها للمرّة الأولى هذه المرّة؟
طوال تلك الفترة، كانت تصقلُ مهاراتها في السيف والفنون القتاليّة وتطوّر جسدها دون انقطاع.
مع مراعاة الفروق الجسدية الفطرية، فهي الآن في سن الثانية والعشرين، حيث يكون الجسد في أوج صحّته وكماله.
الآن هو وقتُ ذروة كارلي الحقيقيّ.
‘أخيرًا!’
هذا يعني أنّها مستعدّة و ستتمكن من هزيمة أيّ محترفٍ سيأتي من شتّى أنحاء القارّة.
‘بالطبع لن أفوز بالمركز الأوّل.’
إذا فازت، فسيتحتّمُ عليها أن تصبحَ فارسةً في القصر الإمبراطوريّ دون خيارٍ آخر، لذا كانت كارلي تنوي الخسارة عمدًا في المباراة النهائيّة.
‘سيكون من الأفضل لو جاء أحدٌ من عائلة فاسنبيرغ للبحث عني قبل الوصول للنهائيّ.’
هذه المرتزقة الشابّة لا تحتاجُ لا للمجد ولا للمال.
هدفها الوحيد هو دخول عائلة فاسنبيرغ والحصول على منصب فارس لأحد أفرادها.
لقد عاشت فقط من أجل هذا الهدف الواحد.
“أوه.”
كان هناك وجهٌ مبتسمٌ ينعكسُ في المرآة.
يبدو قويًّا.
شعرٌ أحمر طويل. نظرةٌ حادّة. قامةٌ فارعة و كتفان عريضان.
وقبل كلّ شيء.
“إنني جميلة.”
نعم. الوجه الجميل هو وسيلةٌ سهلةٌ للحصول على استحسان أيّ شخصٍ منذ البداية.
وبما أنّها ستكون ألطفَ من أولئك الرعاع، فإنّ احتماليّة أن تصبح حارسةً للابنة الثالثة لعائلة فاسنبيرغ عاليةٌ جدًّا.
‘تلك المرأة ليست من أصحاب القدرات الهجوميّة، لذا سيكون من السهل القضاء عليها.’
فكرت كارلي بذلك وهي تترنّم بلحنٍ، ثمّ رفعت شعرها الطويل لتربطه للأعلى.
لا، حاولت ربطه ولكن.
“؟!”
كانت صبغةُ شعرها عند قمّة الرأس قد زالت، وبدا الشعر الأبيض واضحًا.
التعليقات لهذا الفصل " 63"