ظهور وحوش شافت المتوقّع سيكون في أوائل فبراير من العام المقبل.
لذا، حين يتغيّر العام.
‘سيأتي نايكي!’
بالطبع لن يأتي نايكي وحده، بل ستصل مع كافّة كوادر فرق التطهير.
على أيّ حال، أنا في حالةٍ من الحماس!
“فانيسا، إذا كنتِ ستفعلين ذلك، فافعليه بإتقان. لا تزال هناك رغوة هنا.”
“…أنا آسفة، أيّها الأمير. سأصحّح الأمر.”
أنا الآن أغسل الأطباق مع الأمير….
لقد كان منظر مارشين وهو يتعرّض لاستغلال قوّته العاملة بثمنٍ بخسٍ مثيرًا للشفقة حقًّا، لذا كنتُ أساعده قدر الإمكان.
“هوي، أيّها الأمير!”
في تلك اللحظة، ناداه صاحب العمل الفاسد الذي تناول غداءً دسمًا وكان يتناول التحلية (تفاحة قطّعها مارشين) في الخلف.
“لماذا تناديني، رايان؟”
قال مارشين، المستغرق في غسل الأطباق، دون أن يلتفت إلى الوراء.
“لو حدث وتحدّثتَ في مواضيع شخصيّة مع أولئك الحراس في الخارج أو مع أيّ غرباء، فماذا قلنا إنّ موقعك في هذا المنزل؟”
واو. هذا هو اليوم الثالث الذي يدرّبه فيه على هذا….
“أنا مارشين، الأخ الأصغر للآنسة كلارا، حبيبتك التي تكبرك بخمس سنوات والأم الحقيقيّة لفانيسا. بالنسبة لك يا رايان، أنا صهرك، وبالنسبة لفانيسا، أنا خالها.”
بفضل تأثير التعلّم التكراريّ، تلا مارشين الكلمات بطلاقة دون خطأ في حرفٍ واحد، بينما كان يطقطق بالأطباق.
“وأين أمّ الطفلة؟”
“إنّها مفقودة. لقد بحثتَ عنها في كلّ مكان، لكنّك لم تجد سوى أنا، الأخ الأصغر للآنسة كلارا. وأنت لم تستطع تجاهلي وأنا أعيش بصعوبة في مكانٍ ما جنوب الإمبراطورية، فأحضرتني إلى هنا لنعيش معًا.”
“رائع!”
ردّ رايان برضا.
في الحقيقة، أنا مَن وضعتُ هذا السيناريو!
لماذا فعلتُ ذلك؟
مع زيادة الاحتكاك بالعالم الخارجيّ تدريجيًّا، كان من الممكن أن تصل أخبار معيشتنا إلى مسامع “فاسنبيرغ”.
إذًا؟
يجب أن أتصرّف قبل أن يثور الشكّ.
حتى يتمكّنوا، حين يسمعون عن أحوالنا، من التفكير قائلين: ‘إنّهما يتصرّفان كأبٍ وابنةٍ تمامًا كما أُمروا!’
“بالمناسبة أيّها الأمير، هل أنت متأكّد من عدم رغبتك في الذهاب معنا؟ هل ستكون بخير؟”
سألتُ مارشين، فهزّ رأسه.
“العاصمة الإمبراطوريّة…. لا أحبّ الأماكن المزدحمة كثيرًا. مَن يدري ماذا قد يحدث لي.”
“هذا صحيح.”
“طالما بقيتُ داخل المنزل، فلن أتعرّض للأذى. وبما أنّه صار لدينا حراس الآن، فقد أصبح المكان آمنًا تمامًا.”
قال الأمير وهو يبتسم لي: “لا تقلقي عليّ، بل اذهبي أنتِ وعودي بسرعة وبحذر.”
“حاضر!”
بعد يومين.
سأنطلق أنا ورايان إلى العاصمة الإمبراطوريّة.
وذلك من أجل حضور ‘مسابقة الإمبراطوريّة للمبارزة’ التي تُقام في أوائل ديسمبر.
‘الحدث الذي كنتُ أنتظره لشهورٍ لأحضر فارستي كارلي…!’
في الأصل، كنّا نخطّط للذهاب جميعًا، ولكن بسبب ظروفٍ مختلفة طرأت في المنتصف، تقرّر أن أذهب أنا ورايان فقط.
مارشين يخشى أن يتحوّل إلى وحشٍ إذا أصيب بأذىً في مكانٍ مزدحم.
أما ريڤان…
“يجب أن يكون هناك شخصٌ يحمي البيت. صحيحٌ أنّ فرسان القصر الإمبراطوريّ لن يقتحموا منزلنا لسرقته، لكن هناك الكثير من الموادّ البحثيّة التي لا يجب أن تتسرّب أبدًا…”
قال إنّه يجب أن يحمي المنزل بأيّ ثمن.
التفتُّ إلى الوراء.
إلى اليمين تمامًا من باب المدخل.
هناك سلالم تؤدّي إلى القبو.
باستثناء اليوم الأوّل، لم أدخل قبو منزلنا (الخاصّ بريڤان) أبدًا….
لكنني أعلم.
أنّ بداخل ذلك المكان الآن، قد وُجدت أشياء كثيرة لا يجب إظهارها للآخرين.
“فا… ني….”
“هيك؟ أخي!”
في تلك اللحظة.
صعد ريڤان من القبو بخطواتٍ متثاقلة. كان وجهه شاحبًا وغائر العينين.
“يا إلهي! هل هذا إنسانٌ أم جثّة؟”
تجاهل ريڤان رايان الذي كان يرتعد فزعًا، واقترب مني.
“هيا… لنذهب في نزهةٍ للجبل مع أخيكِ…”
“أمم؟ فجأة؟”
-كليك.
قام ريڤان بتجهيز السلاح، وأمسك المسدّس بيده اليمنى بينما أسنده بيده اليسرى.
“هذا له ارتدادٌ قويّ. لذا، على عكس الذي أعطيتكِ إيّاه سابقًا، يجب تثبيته هكذا لتكون الإصابة دقيقة.”
تانغ!
في اللحظة التي سحب فيها الزناد.
المقذوف الذي طار بسرعةٍ يصعب تتبّعها بالعين المجرّدة قد……
‘يا إلهي…’
لقد ‘اخترق’ الشجرة.
حقًّا. تلك الشجرة السميكة.
لم تنغرس الرصاصة فيها، بل اخترقتها.
وتصاعد دخانٌ أبيض من الثقب الفوهة.
‘القوّة هي نفسها كما في ذلك الوقت.’
استعدتُ صدمة ما قبل العودة بالزمن.
أسلحة ‘مهندس السحر الأبيض’ التي أباد بها جنود فاسنبيرغ بقوّةٍ تدميريّة وقتاليّة لا تُصدّق.
هذا العبقريّ نجح في أقلّ من شهرين من حصوله على الاحجار السحرية و اخترع سلاحًا مطوّر….
“كيف فعلتَ هذا؟”
فتح ريڤان مخزن الرصاص فورًا وأخرج رصاصة واحدة ليريني إيّاها.
كان من الصعب التعرّف عليها فورًا لأنّها كانت مصقولة، لكنها بدت وكأنّها حجرٌ سحري أحمر.
“بما أنّ القوّة التدميريّة هائلة كالانفجار، لماذا لا يصدر صوتٌ تقريبًا؟”
هذا التساؤل كان يراودني منذ زمن، فلقد كان من المدهش حقًّا كيف تعرّضنا للهجوم بصمت قبل عودتي.
“إزالة الضوضاء هي أمرٌ أساسيّ، كما تعلمين…”
“…….”
قال المهندس العبقريّ ذلك بلا مبالاة وهو يحكّ أذنه،
وكأنّ الأمر ليس بتلك الصعوبة….
“على أيّ حال، فاني.”
قام بتدوير المسدّس بخفّة في يده ثمّ سلّمني إيّاه.
“الآن إذا أصاب هذا شخصًا، فإنه سيموت. إذا أصبتِ القلب، أو الرأس، أو أيّ مكان، فالموت فوريّ.”
“…….”
“بالطبع لا أقول لكِ اقتلي، بل احتفظي به واستخدميه فقط عند الخطر. تدرّبي على الإطلاق قليلًا قبل الذهاب للعاصمة.”
بلع.
ابتلعتُ ريقي الذي جفّ تلقائيًّا، وقلتُ: “…نعم. لقد تعبتَ كثيرًا يا أخي. تبدو مرهقًا.”
“لم أنم تقريبًا مؤخّرًا لصناعة هذا. الآن سأغيب عن الوعي ليومين ثمّ أبدأ في البحث عن شيءٍ جديد.”
مسح ريڤان وجهه الشاحب بيده.
“فاني، لا تتبعي أيّ شخص غريب حتى لو قال إنّه سيشتري لكِ طعامًا لذيذًا، ولا تلحقي بأيّ شخص لمجرّد أنّه وسيم.”
“حقًّا، ماذا تظنّني…”
“أنا قلقٌ عليكِ فحسب. لا تتجوّلي في كلّ مكان، وابقِي ملتصقةً بجانب أخينا الأكبر. وحين تنتهي المهمّة، عودي بسرعة، مفهوم؟”
ربما لأنّها المرّة الأولى التي سنفترق فيها لأكثر من يوم منذ لقائنا، كان قلقه زائدًا.
“واحصلي على حارسٍ سويّ. إذا كان هناك شخصٌ يجيد استخدام السيف بجانبكِ، سأرتاح أنا أيضًا.”
“هاها، نعم….”
شعرتُ بشعورٍ جيّد لأنّه كان يقلق عليّ كأخٍ حقيقيّ.
بالتفكير في الأمر، كان ريڤان لطيفًا معي منذ البداية.
يقول رايان إنّ ريڤان ليس من النوع الذي يصادق أحدًا أو يفتح قلبه بسهولة….
وربما يعزّني لأنّه يتذكّر أخته الصغرى التي افترق عنها منذ الصغر ولا يعرف مصيرها.
–”كان من الأفضل لو وجد جثّتها على الأقل. عدم معرفة مصير شخصٍ عزيزٍ عليك بعد التورّط في حادثة وحوش هو الأمر الأكثر رعبًا. …لأنّ الاحتمال بنسبة مئة بالمئة هو أنّها قد أُكلت.”
تنهّدتُ وأنا أتذكّر كلمات رايان.
مدينة روتشيلد التي كان يعيش فيها ريڤان بعيدة نوعًا ما عن أرض فارنيري الملعونة في الجنوب.
ومع ذلك، فإنّ تورّطها في حادثة وحوش يعني–
‘أنّ عائلتنا لم تذهب للمساعدة رغم أنّها كانت حالة طوارئ من الدرجة الأولى حيث زحفت الوحوش حتى روتشيلد.’
كلّما نبشتُ أكثر، وجدتُ أنّ خطايا عائلتنا كبيرة حقًّا….
صدرت مني تنهيدة.
“هل ستنهار الأرض من هذا التنهّد؟”
“آه.”
ضحكتُ ثمّ أومأتُ بيدي.
“أخي، احنِ رأسك قليلاً.”
يبدو أنّه لم يغسل شعره، فهو يشبه عشّ الغراب تمامًا.
بينما كنتُ أرتب شعر ريڤان الذي أحنى رأسه، رأيتُ عينيه الخضراوين الجميلتين عن قرب.
‘إنّه يذكرني بكارلي.’
وبما أنّ سبب ذهابي للعاصمة هو كارلي، كان من المستحيل ألّا أتذكّرها.
“أتعلم، أنا أعرف شخصًا عيونُه تشبه عينيكِ بطريقةٍ مذهلة؟”
“مَن؟ خادم قصر ويندسور؟”
“هاه…”
ذلك الخادم اللعين لقصر ويندسور….
بدأت أكرهك للغاية، و أنت غير موجودٍ حتى!
“أليس من الصعب جدًّا مضاهات هذا الجمال؟”
تفاخر ريڤانزوهو يمسح على ذقنه.
“هذا صحيح.”
“هل تعترفين بذلك؟”
“أنا لم أرَ شخصًا أجمل من أخي.”
“آهاها!”
كان ريڤان جميلاً.
وبما أنّه كان نحيفًا أيضًا، فغالبًا ما كان يُساء فهمه على أنّه امرأة.
لذلك.
“باستثناء العينين والجمال، فكلّ شيءٍ آخر متعاكسٌ لدرجةٍ مضحكة. هيهيهي.”
تذكّرتُ كارلي التي بقيت بجانبي لثماني سنوات قبل العودة بالزمن، التي كانت كعائلتي، كارلي اللطيفة… فارستي الحارسة المحبوبة.
* * *
“هيااااااع…”
“توقّفي عن البكاء. إذا بكى شخصٌ بالغٌ كالطفل، سيسخر منه الآخرون.”
فارستي كارلي كانت بالتأكيد شخصًا لطيفًا، لكنها كانت حازمةً حين يتطلّب الأمر.
التعليقات لهذا الفصل " 62"