الفصل 52
بالضبط، عشرة أشخاص كما توقعتُ.
كانوا أناسًا غطّت الكدماتُ والجراحُ أجسادهم، يطلقون صرخاتٍ لا تخرجُ بسبب الكمامات التي أُلقمت في أفواههم.
كُبّلت أيديهم وأرجلهم بالأصفاد والأغلال لمنعهم من الفرار.
“… لا تصدروا صوتًا من الآن فصاعدًا. لا تخافوا أيضًا. أنا هنا لإنقاذكم.”
قال رايان ذلك وهو يفتشُ جيوب الرجلين الممددين على الأرض.
وبعد ثوانٍ، وجد المفاتيح التي تفتح الأصفاد والأغلال.
“أكرر، صمتٌ تامّ. إذا كُشف أمرنا بسبب صراخكم، فستموتون شرّ ميتة، لذا التزموا الهدوء تمامًا. مفهوم؟”
لحسن الحظ، كان المحتجزون متعاونين.
وبينما كان رايان يفكُّ قيودهم، كتم الجميع أفواههم بأيديهم لئلا يتسرب صوت بكائهم.
‘تبًّا، هذا مقززٌ حقًّا.’
عندما فكَّ قيد صبيٍّ صغيرٍ في مثل عمر فانيسا، كاد رايان ألا يتمالك نفسه ويشتم بصوتٍ مسموع.
أجل، هؤلاء الناس….
ربما هم ‘الألعاب’ التي كان إليوت ينوي إحضارها لغابرييل.
في الواقع، كان لدى رايان قصصٌ عن طفولة غابرييل لم يجرؤ على إخبارها لفانيسا، متذرعًا بـالرقابة على المحتوى.
غابرييل فاسنبيرغ كان إنسانًا متبلد المشاعر لا يتأثر بأيّ شيء، باستثناءِ أمرٍ واحدٍ.
كان لا يشعرُ بالنشوة إلا عندما يعذبُ الكائناتِ الحيةَ ويستمعُ إلى صرخاتِ الألم التي يطلقونها.
بدأت انحرافاتُ غابرييل بقتل الحيوانات الصغيرة ثم ازدادت حدتها تدريجيًّا حتى تعب والده من التخلص من الجثث وإسكات الخدم.
في النهاية، كان الحلُّ الذي وُضع لتهدئة نزعة غابرييل العدوانية التي تنفجر بين الحين والآخر، هو وضع ‘ألعاب’ في غرفته بانتظامٍ.
اعتقد رايان أنَّ ذلك الجنون لم ينتهِ، بل ازداد سوءًا خلال الفترة التي لم يره فيها.
و… كان اعتقاده في محله، في اللحظة التي رأى فيها عربة عائلة فاسنبيرغ تدخل المعبد.
لأنّه لم يتجاهل ذلك الحدس المريب، تمكن الآن من إنقاذ هؤلاء الناس على الأقل.
“بالطبع لا يمكنكم الخروج من الباب الأمامي بجرأةٍ، هل ترون ممر الجبل هذا؟ اتبعوا هذا الطريق واهربوا دون أن تلتفتوا وراءكم. مفهوم؟”
أومأ الناس برؤوسهم مرارًا بامتنانٍ لرايان دون أن يصدروا حتى صوت أنفاسهم.
“خذوا هذا معكم. واعتنوا جيدًا بذلك الطفل الصغير.”
وضع رايان بضع قطعٍ ذهبيةٍ في يد امرأةٍ في منتصف العمر كانت آخر المغادرين، وظلّ في مكانه حتى تأكد من هروبهم وتواريهم عن الأنظار.
وعندما استدار ليرحل.
“يا إلهي، لقد أفزعتني!”
واجه وجهًا مألوفًا جدًّا.
شعر أشقر داكن. وعينان حمراوان.
من بين الإخوة الذين ورثوا ملامح والديهم بالتساوي، كان الابن الثاني إليوت والرابع غابرييل يملكان المظهر نفسه بالضبط.
لكن الانطباع كان مختلفًا.
خلافًا لغابرييل ذي العينين اللطيفتين المائلتين للأسفل، كان إليوت يملك ملامح شرسةً.
“أنت… هل يُعقل؟ رايان؟”
لأنّه حتى بعد مرور 12 عامًا، لا يزال يبدو كشخصٍ تودُّ أن تلكمه على وجهه.
“أجل، هذا أنا. مضى وقتٌ طويل، يا أخي؟”
“كيف أصبحتَ ضخمًا هكذا؟”
“يبدو أنَّ طعام السجن كان لذيذًا.”
“……”
اتجهت عينا إليوت نحو أتباعه الملقين على الأرض.
وكأنّه أدرك أنَّ شقيقه الأصغر، الذي لم يره منذ زمنٍ، قد تسبب في مشكلةٍ كبيرةٍ، فاقترب وهو يتنهد.
“سمعتُ خبر إطلاق سراحك. لكن لماذا أنت هنا فجأةً؟”
“لأنني لا أملك قرشًا واحدًا ولا أجدُ ما أقتاتُ به. أخي الرابع يملك الكثير من المال، لذا جئتُ لأتطفل عليه بلا خجلٍ.”
“أهكذا الأمر.”
اقترب إليوت ورفع غطاء عربة الشحن.
كانت فارغةً.
“هل أنت من فعل هذا؟”
“أجل. وأنا أيضًا من سحق أتباعك الصغار. قبضة يدي التي لا تحتمل الظلم بدأت تتصرف بجنونٍ.”
“هااااا….”
تنهد إليوت وأخرج علبة سجائر من جيبه الخلفي.
وضع واحدةً في فمه وأشعلها ثم تمتم: “يا أخي الصغير، لو جئتَ لكان عليك أن تقترض المال وترحل بهدوءٍ، لماذا تثير المتاعب وتصعب الأمور؟ ها؟”
“هل أصبحتَ أنت من يتولى تقديم ألعاب غابي الآن؟”
“أجل، أيها الوغد…. تبًا، ماذا سأفعل الآن؟ غابي في حالةٍ من الحساسية المفرطة حاليًّا….”
عضَّ إليوت شفته بقلقٍ ونظر إلى رايان بحدةٍ.
“لا أستطيع حتى قتلك، حقًّا.”
“ولماذا لا تستطيع؟”
“يقولون إنَّ طفلي قلعة ويندسور الصغار بلا قدراتٍ حاليًّا. سمعتُ أنَّ والدي سيرسل الأصغر لك قريبًا لتتولى أمره.”
بعثر إليوت شعره بانزعاجٍ.
“تبًا، لقد وقعتُ في ورطةٍ حقًّا. ماذا أفعل. هففف، حسنًا. لنفكر. دعني أفكر قليلاً….”
“أكمل تفكيرك، أما أنا فسأرحل.”
“أجل، ارحل. آه، انتظر!”
أمسك إليوت برايان، وأخرج بضع شيكاتٍ من محفظته ودسّها في جيب قميصه الأمامي.
“لقد عانيتَ كثيرًا لتعفنك في السجن لمدة 12 عامًا بدلًا مني، ومباركٌ خروجك. يا أخي الصغير.”
“يا لكَ من أخٍ كريمٍ لدرجة البكاء.”
“وأيضًا.”
<غضب التنين>
في تلك اللحظة، اندلعت النيران.
التهمت شعلةٌ بدت وكأنها حيةٌ يد رايان اليسرى وتشبثت بها.
“كـ… غو!”
ألمٌ جعل عقله يكاد يطير.
عضَّ على أسنانه بقوةٍ.
ثم أمسك بساعده الأيسر بيده اليمنى وكأنّه سينتزعه، وتحمل النيران التي تحرق يده حيةً.
“……”
كان إليوت يكتفي بالنظر ببرودٍ إلى رايان المتألم وهو يسحب نفَسًا عميقًا من سيجارته.
انبعثت رائحةُ احتراق اللحم والدخانُ المتصاعدُ من الجلد المحترق.
مرّت عشر ثوانٍ بدت كأنها أبدية….
ثم انطفأت النار.
كانت يد رايان اليسرى متفحمةً لدرجةٍ تكفي لعدم تساقطها فقط.
“هاااه. كح. هاا، ها…. ففف. هه.”
انقلبت عيناه تلقائيًّا.
كان ألم حرق اللحم حيًّا مروعًا لا يوصف. كانت شفتاه التي عضهّما بقوةٍ لتحمل الألم تنزفان بغزارةٍ.
“بعد قيامك بفعلةٍ كهذه، لا يمكنني كأخٍ كبيرٍ إلا أن أؤدبك.”
أشار إليوت بذقنه نحو العربة الفارغة، ثم اقترب وطبطب على كتف رايان الذي كان لا يزال يتألم.
“ومع ذلك، بما أنَّ أخي الصغير يجب أن يعمل ليعيش، فقد تركتُ لك يدك اليمنى. هل فهمت؟”
“ففف، هااا….”
ابتسم رايان ابتسامةً عريضةً.
“شكرًا جزيلاً لك.”
“هذا جيدٌ لنا سويةً، كذلك؟”
أريدُ قتله…
حتى في هذه اللحظة التي كان فيها عقله مشوشًا من الألم، استولى عليه هذا الدافع بقوةٍ.
أريدُ قتله. الآن فورًا.
إليوت أمامي تمامًا، وكل ما عليَّ فعله هو مدّ يدي.
و بلمح البصر، سيموتُ دون أن يدرك حتى أنّه يموت.
‘لا، استعد وعيك.’
لكنه تحمّل وفتح عينيه بقوةٍ قهريةٍ.
ليس الآن.
ليس بعد….
“اذهب الآن. لقد وضعتُ مبلغًا وافرًا، لذا احرص على تلقي العلاج.”
ابتسم إليوت وهو يتظاهر بالنقر على جيب قميص رايان الأمامي.
“أجل، هاه. يا أخي…. هااا، ابقَ بصحةٍ جيدةٍ، وداعًا….”
ابقَ بصحةٍ جيدةٍ حقًّا.
لأنك في المرة القادمة التي سنلتقي فيها، ستموتُ على يدي.
ابتلع رايان تلك الكلمات الأخيرة التي لا يجب قولها بقوةٍ ذهنيةٍ خارقةٍ، وغادر المكان وهو يمسك بذراعه اليسرى بإحكامٍ.
* * *
لا أدري كيف تمكنتُ من العودة مشيًا على الأقدام.
مزقتُ كم قميصي لأغطي يدي اليسرى المتفحمة، وحاولتُ جاهدًا تثبيت نظري الذي كان يوشك على الانغلاق….
مشيتُ مترنحًا.
حينها رأيتُ فانيسا.
يبدو أنَّ الأرنبة الصغيرة استشعرت حالة رايان الغريبة حتى من بعيدٍ، فجاءت تركض نحوه.
“ما بك؟”
“هااا، كح….”
لم يستطع الكلام. كان كل ما يستطيع فعله هو التشبث بوعيه.
ارتبكت فانيسا وهي ترى رايان يجزُّ على أسنانه ويغمض عينيه بقوةٍ ثم يهزُّ رأسه بعنفٍ.
“لماذا…؟”
بدلًا من الكلمات الطويلة، سقط رايان فجأةً.
“هذا مؤلم….”
انهار بضعفٍ فوق كتف فانيسا.
وبدا وكأنّه يرتجف محاولًا رفع يده اليسرى.
اتسعت عينا فانيسا عندما رفعت طرف قميصه عن يده.
“هـ، هذا. هذا. آه….”
التعليقات لهذا الفصل " 52"