الفصل 50
“أيُّها الزعيمُ، إلى أينَ نتوجهُ به؟”
سألَ كاهنٌ سريعُ البديهةِ وهو يتناولُ المنديلَ الملطخَ بالدمِ من يدِ غابرييل.
“ألم يتصل إليوت بعدُ؟”
“كان هناكَ خبرٌ بأنّه غادرَ منذ ثلاثةِ أيامٍ.”
“تسك.”
نقر غابرييل على لسانه، ثمَّ أشارَ للكاهنِ بالانصرافِ وتوجهَ نحوَ القبوِ.
أعمقُ نقطةٍ في المعبدِ.
“كياااااا…”
“كررر، كرررر…”
كان القبوُ المظلمُ يعجُّ بصرخاتِ الألمِ. وحوشٌ حبيسةٌ تئنُّ وتصرخُ بشكلٍ غريبٍ معبّرةً عن وجعِها.
تصفّحهم غابرييل بعينينِ لا مباليتينِ.
ورغمَ انعدامِ ذكائِها، إلا أنّ الوحوشَ التي لُقنت الخوفَ لفترةٍ طويلةٍ، انكمشت وارتعدت بمجردِ ظهورِه.
<ينبوعُ التطهيرِ>
أمسكَ بعنقِ أحدِ الوحوشِ وضخَّ قوتَه في أعماقِه.
“كررررررراااااا!!”
تألمَ الوحشُ، لكنّه ككائنٍ غيرِ عاقلٍ، لا يستطيعُ التوسلَ أو المقاومةَ بالكلامِ. بالنسبةِ لغابرييل، لم يكونوا سوى ألعابٍ مملةٍ.
“هااا…”
لا يوجدُ شيءٌ. ذلكَ الشعورُ بالنشوةِ الذي لا يفيضُ إلا عندَ التدميرِ والذبحِ… ولا تلكَ الألحانُ الجميلةُ التي تنبعثُ عندَ التمزيقِ وبثِّ الألمِ…
غابرييل، الإنسانُ الملتويُّ بشدةٍ، لم يكن يشعرُ بالعواطفِ منذُ صغرِه.
المنبهُ الوحيدُ القادرُ على إعطائِه دَفعةً من الأدرينالين هو أنينُ المتألمينَ.
تلكَ الأصواتُ المتلهفةُ للحمقى الذين يرجونَ الخلاصَ، للمفارقةِ، من قاتلِهم وهم على حافةِ الموتِ…
‘أحتاجُ إلى بشرٍ.’
فكرَ غابرييل.
لقد مرَّ وقتٌ طويلٌ لم يستمتع فيه بالتسليةِ، وبدا أنّ النزعةَ العدوانيةَ المكبوتةَ داخلَه توشكُ على الانفجارِ في أيِّ لحظةٍ.
“أووه. رائحةُ دمٍ.”
في تلكَ اللحظةِ، سُمعَ صوتٌ مألوفٌ.
التفتَ غابرييل بسرعةٍ.
“أخي!”
إليوت، الابنُ الثاني للعائلةِ.
الوجهُ الذي كان غابرييل ينتظرُه بفارغِ الصبرِ.
“أوه، هل أنتَ سعيدٌ برؤيتي إلى هذا الحدِّ؟”
قالَ إليوت وهو يتكئُ بميلٍ على بابِ القبوِ، ملوحًا بيدِه بضحكةٍ خافتةٍ.
“لماذا تأخرتَ كلَّ هذا الوقتِ!”
“تأخرتُ؟ لقد جئتُ بأقصى سرعةٍ ممكنةٍ خوفًا من أن تثيرَ جلبةً مرةً أخرى.”
“هل أحضرتَهم؟”
“سيصلونَ قريبًا.”
عندَ سماعِ ذلكَ، ابتسمَ غابرييل بابتسامةٍ عريضةٍ.
هذا الفتى الذي لا يشعرُ بالعواطفِ، يبدو في قمةِ سعادتِه لمجردِ التفكيرِ في التعذيبِ…
لم يكن إليوت يحبُّ رائحةَ الدمِ كثيرًا، وقد وجدَ الأمرَ مضحكًا، لكنّه كان يحترمُ ذوقَ شقيقِه.
وأيضًا، لأنّه إن لم يسلمه ‘ألعابَه’ بانتظامٍ، فلا أحدَ يعلمُ ما الذي قد يفعله غابرييل لتفريغِ طاقتِه العدوانيةِ…
‘سيكونُ ذلكَ مزعجًا.’
ألم يضطرَّ لبذلِ جهدٍ كبيرٍ المرةَ الماضيةَ لتنظيفِ الفوضى التي تسببَ فيها؟
كان على غابرييل أن يظلَّ دائمًا… ملاك التضحيةِ، والزعيم الرؤوف، أو أيًّا كان ذلكَ القناع.
* * *
روماير.
مقاطعةُ أخي الرابعِ التي وصلنا إليها بعدَ رحلةِ يومينِ من غينتز.
هذا المكانُ كالعادةِ.
‘رائحةُ الثراءِ تفوحُ من كلِّ جانبٍ.’
نعم، روماير هي أغنى مقاطعةٍ في الإمبراطورية بأكملِها.
فالتبرعاتُ والقرابينُ تنهمرُ عليها بآلافِ القطعِ الذهبيةِ يوميًّا.
المباني الضخمةُ والفاخرةُ بُنيت بالكاملِ من الحجرِ الأبيضِ، والشوارعُ كانت نظيفةً لدرجةٍ لا تُصدقُ في مكانٍ يغصُّ بالبشرِ.
‘الأرضُ التي تضمُّ المعبدَ الكبيرَ، النظيفةُ، الخيرةُ.
لقد بُذلت جهودٌ جبارةٌ لبناءِ هذه الصورةِ الذهنيةِ.
“مذهلٌ كيفَ تطورت تقنياتُ البناءِ هكذا. إنّه مكانٌ جميلٌ حقًّا.”
“بل قُل إنّها أرضٌ تلمعُ ببريقٍ مقززٍ لأنّ صاحبَها يمتصُّ أموالَ المرضى المساكينِ.”
علّق مارشين وريڤان.
“أوه..أخي!”
ركضتُ بسرعةٍ ووخزتُ ريڤان في خصرِه وهمستُ: “إذا كنتَ لا تريدُ أن تُرجَمَ بالحجارةِ، فلا تقل مثلَ هذا الكلامِ هنا.”
“أوه، يبدو أنّ عليَّ فعلَ ذلكَ.”
مرَّ رجلٌ عجوزٌ مُنحني الظهرِ وهو ينظرُ إلينا بشزرٍ، وكأنّه سمعَ كلماتِ ريڤان للتو.
“بالنسبةِ للناسِ الذين يعيشونَ هنا، حاكم المقاطعة هو الملك.”
“هذا جنونٌ حقًّا.”
هنا عددُ السكانِ كبيرٌ والكلُّ يُمجدُ غابرييل.
لقد هاجرَ الكثيرُ من المرضى، من الفقراءِ إلى الأغنياءِ، على أملِ الحصولِ على علاجٍ.
وروماير، من أجلِ الحفاظِ على صورتِها….
“شكرًا لكَ، أيُّها الكاهنُ!”
“ليكن الخلاصُ للمؤمنِ.”
…هكذا، يوزعون الخبزَ المجانيَّ حاملينَ سلالاً في أيديهم، ليضربوا عصفورينِ بحجرٍ واحدٍ، الرأي العام وقوة الإيمان.
“أيُّها الكاهنُ، مرحبًا.”
أوقفتُ أحدَ الكهنةِ الذين يوزعونَ الخبزَ.
“مرحبًا. هل أنتم مسافرونَ؟”
“نعم، أنا مؤمنةٌ بطائفةِ الخلاصِ من كونيغ. جئتُ لأرى ‘المعجزةَ’. هل يمكنُني معرفةُ متى ستقامُ صلاةُ الخلاصِ القادمةُ؟”
“لقد قطعتِ رحلةً شاقةً من بعيدٍ. ستُقامُ صلاةُ الخلاصِ بعدَ ثلاثةِ أيامٍ في قاعةِ تشونميونغ بالمعبدِ الكبيرِ. ليكن الخلاصُ للمؤمنةِ الصغيرةِ.”
“شكرًا لكَ.”
بعدَ حصولي على المعلوماتِ اللازمةِ، عدتُ وأنا أحملُ رغيفَ خبزٍ واحدًا.
“مَن يريدُ أن يأكلَ؟”
“أنا.”
أخذَ رايان الخبزَ. نظرتُ إليه وهو يأكلُ وفكرتُ في غابرييل.
صلاةُ الخلاصِ.
هي نوعٌ من العروضِ المسرحيةِ، حيثُ يفتحون المعبدَ الكبيرَ بانتظامٍ ويجمعونَ الناسَ، ليُظهرَ غابرييل كيفَ يُحيي مريضًا يحتضرُ.
قد يقولُ البعضُ: “أليس من الجيدِ إنقاذُ المريضِ بغضِّ النظرِ عن النيةِ؟ لماذا تسمينَه عرضًا مسرحيًّا وتذمينَه؟”
لا، هو عرضٌ مسرحيٌّ بالتأكيدِ.
غابرييل يستطيعُ شفاءَ كلِّ المرضى بقدرتِه.
إذًا لماذا لا يزالُ المكانُ يغصُّ بالمرضى؟
‘بالطبعِ، لأنّه لا ينبغي شفاءُ الجميعِ.’
المرضى يتحولونَ إلى مؤمنينَ، وبوجودِ المؤمنينَ يأتي المالُ، وبذلكَ تستمرُّ هذه الطائفةُ عديمةُ الجذورِ ‘طائفةُ الخلاصِ’.
لذا يقيمُ غابرييل صلاةَ الخلاصِ ليشفيَ مريضًا واحدًا فقط، ثمّ يسعلُ دمًا بتمثيلٍ متقنٍ.
عليه أن يُظهرَ أنّه يُعالجُ على حسابِ جسدِه، ليكونَ لديه عذرٌ مقنعٌ لعدمِ شفاءِ بقيةِ المرضى.
لماذا يسعلُ دمًا؟ هل ترهقُه القدرةُ؟
…لا. لهذا قُلتُ إنّه عرضٌ مسرحيٌّ.
لقد رأيتُ عرضَه هذا عدةَ مراتٍ قبلَ عودتي بالزمنِ.
عندما كان يصلي بوجهٍ مقدسٍ وحزينٍ، ثمّ يُفجرُ كيسَ دمِ الخنزيرِ الذي يخبئُه في فمِه ويسعلُ و يبصقُ الدم!
كان الأمرُ مذهلاً حقًّا….
لدرجةِ أنّ المرءَ قد يَنخدعُ رغمَ علمِه بالتمثيلِ.
على أيةِ حالٍ، الخلاصةُ هي أنّني لن أتمكنَ من رؤيةِ غابرييل وهو يستخدمُ قدرتَه إلا في صلاةِ الخلاصِ بعد ثلاثةِ أيامٍ.
كان علينا البقاءُ هنا حتى ذلكَ الحينِ.
“ستُقامُ صلاةُ الخلاصِ بعد ثلاثةِ أيامٍ. لنشاهدها ثمّ نرحل. والآنَ سأذهبُ إلى المعبدِ لأقدمَ تبرعًا، مَن سيأتي معي؟”
“آه، فانيسا! سآتي معـ…”
جاء مارشين نحوي لكنّ ريڤان أمسكَ به.
“أنا لن أذهبَ، أشعرُ بالحساسيةِ من هذه الأماكنِ. سأذهبُ لأبحثَ عن نُزلٍ وأشتريَ لـ ‘هذا المتسولِ’ بعضَ الثيابِ، نلتقي لاحقًا.”
“أوه، أيُّها الرجلُ الوقحُ! ألم تكفَّ عن مناداتي بالمتسولِ؟”
“جيدٌ. سأذهبُ أنا والأرنبة لنستنشقَ هواءَ المعبدِ. ابحثوا عن نُزلٍ ونلتقي هنا بعدَ ساعتينِ.”
“حسنًا~”
“اسمع! قُلتُ لكَ إنّني لا أحتاجُ إلى ثيابٍ!”
اختفى ريڤان وهو يجرُّ مارشين، وتوجهتُ أنا مع رايان نحوَ المعبدِ.
في الطريقِ، رأينا عربةً فاخرةً تتجاوزُنا….
“يا إلهي! لماذا تظهرُ هذه العربةُ هنا؟”
“هوو.”
كان شعارُ العربةِ الذهبيةِ اللامعةِ مألوفًا لأعينِنا.
شعارُ الصقرِ الذي يضربُه البرقُ.
رمزُ عائلةِ فاسنبيرغ.
“مرعبٌ حقًّا. مَن الذي جاءَ؟”
“حسنًا، من الطبيعيِّ أن يأتوا. حاكمُ هذه المقاطعةِ هو الابنُ الرابعُ لتلكَ العائلةِ.”
تبادلتُ الحديثَ مع رايان بلا مبالاةٍ حتى وصلنا إلى المعبدِ. كان طابورُ المتبرعينَ طويلاً جدًّا.
“هل علينا الانتظارُ هكذا حتى لدفعِ المالِ؟”
“عندما تتبرعُ، يسجلونَ اسمَكَ. يأملُ الناسُ أن يتركوا أسماءَهم في المعبدِ لعلَّ الزعيمَ يختارُهم في صلاةِ الخلاصِ القادمةِ.”
“حقًّا، يكسبونَ المالَ بأقذرِ الطرقِ.”
“أبي، اصمت.”
لم يبدُ أنّ الطابورَ سيقصرُ قريبًا.
انتظرنا لمدةِ عشرِ دقائقَ تقريبًا. فجأةً قالَ رايان الذي كان يهزُّ ساقَه بتوترٍ كجروٍ يحتاجُ لقضاءِ حاجتِه: “يا ابنتي، سأذهبُ لمكانٍ ما لفترةٍ وجيزةٍ، انتظري هنا بعدَ انتهائِكِ من التبرعِ.”
“إلى أينَ ستذهبُ؟”
“صه. مهما فكرتُ، ينتابُني شعورٌ مريبٌ…”
“أيُّ شعورٍ؟”
“ليس من شأنِكِ. لن يحدثَ شيءٌ في وسطِ المعبدِ، لكن كوني حذرةً.”
“أنا قلقةٌ عليكَ أكثرَ مما أنا قلقةٌ على نفسي. لا تذهب وتتسبب في مشكلةٍ بمفردِك.”
حسنًا، حتى لو تسببَ في مشكلةٍ، سأقومُ بحلِّها.
“كيفَ تنظرينَ لوالدِكِ؟ سأرحلُ.”
اختفى رايان كالريحِ.
شعرتُ بالقلقِ قليلاً… لكن كان عليَّ فعلُ ما جئتُ لأجلِه، فاستمررتُ في الطابورِ.
وأخيرًا جاء دوري.
“شكرًا لكِ. ليكن الخلاصُ للمؤمنةِ.”
وضعتُ قطعةً ذهبيةً من فئةِ 10 قطعٍ في صندوقِ التبرعاتِ الذي كان يفيضُ بالعملاتِ الفضيةِ والذهبيةِ.
عند رؤيةِ ذلكَ، تهللَ وجهُ الكاهنِ المسؤولِ وسألَني فورًا:
“هل تحتاجينَ لكرسيِّ الاعترافِ؟”
“نعم.”
نعم، هذا المعبدُ المهووسُ بالمالِ لا يسمحُ لكَ بالاعترافِ دون انتظارٍ إلا إذا تبرعتَ بـ 10 قطعٍ ذهبيةٍ على الأقلِ.
سألتُه لتحقيقِ هدفي لهذا اليومِ: “ولكن، هل يمكنُني اختيارُ الكاهنِ الذي سيستمعُ لاعترافي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 50"