أمّا رايان، فقد فتح ذراعيه وضحك بكلّ ثباتٍ وكأنّ النتيجة كانت بديهيةً تمامًا.
كانت نظراته نظرات مَلِكٍ متغطرسٍ حقًّا….
“وا، وااااااااو!!!”
“رايان! رايان!”
هتف الجميع بحماس.
* * *
نقابة توظيف وولف ليمان.
كان رايان يحتضنني تحت ذراعه اليسرى بعنايةٍ فائقةٍ، لكنّني في الحقيقة كنتُ أتلوّى في حضنه من شدّة الرعب.
‘يا له من رجلٍ مخيفٍ….’
ألقى وولف حزمةً من الأوراق على الطاولة.
“عشرة عقود توظيف لعمال مناجم كما وعدتُ. وهذه رسالة توصيةٍ مختومةٌ بختمي الشخصيّ. لقد اخترتُ لكَ كبارَ المعلّمين المخضرمين في هذا المجال، ستكون راضيًا تمامًا.”
“همم، هل أنتَ متأكّدٌ من أنّ الجميع سيعمل في بيلزر دون تذمّر؟”
“طبعًا. طالما أنّ وولف ليمان هو الضامن. كلُّ مَن ينتمي لنقابتي ويحصل على عملٍ من خلالي، تربطني بهم علاقةُ ثقةٍ وطيدةٌ.”
أجل، أكثر ما أدهشني -أكثر حتّى من رايان الذي أخفى قوّته مرّتين- هو التزام وولف بوعده ببساطةٍ….
“لكن يا عمّي، مَن سيثق بكلام شخصٍ يتلاعب بالنتائج ويحتالُ في النزالات؟ هل هؤلاء حقًّا عمالُ مناجم يمكنهم العمل في بيلزر؟”
“تلاعبٌ بالنتائج؟! ثمّ إنّني لستُ أجاشي، أنا في ربيع العمر، في الثامنة والعشرين!”
بدا وولف مظلومًا.
“فهمتُ يا أجاشي. لكنّكَ كنتَ تنوي تحقيق ربحٍ خياليٍّ من مراهنات المباراة النهائية، أليس كذلك؟”
“… هذا صحيح. لكن هل ارتكبتُ جُرمًا؟ أنا أيضًا خسارتي فادحةٌ!”
أشار إلى بانتيرا الملقى هناك في الخلف يئنُّ من الألم.
“أتظنّين أنّني احتلتُ بسببه؟ أجل، إنّه صديقي، وما المشكلة في ذلك؟ هل هناك قانونٌ يمنعُ معارف المنظّم من المشاركة في عرض القتال؟”
“أوه، ليس هناك قانونٌ، ولكن…”
“يا صغيرتي، المحتالُ هو والدُكِ. رغـم امتلاكه لتلك المهارة، ظلّ يتلقّى الضرب طوال الطريق إلى النهائي ليجعلني أطمئنُّ وأفقد حذري. لو كنتُ أعلمُ أنّ والدكِ من النوع الذي يُفقد الشخصَ القدرة على القتال في طرفة عين، هل كنتُ سأجمعُ رهاناتٍ بقيمة 10 قطع ذهبية للمباراة النهائية؟”
أخذ وولف يشيرُ إلى رايان وهو يضيفُ الكلماتِ بسرعةِ الرصاصِ من شدّة القهر: “وهل سرقتُ أموال المراهنين الذين حزروا الفائز؟ لقد أعدتُ للجميع أموالهم مع زيادة 10 بالمئة كما وعدتُ، أليس كذلك؟”
“أوه….”
… هذا صحيح؟ نظرتُ إلى ريڤان الجالس عن يمين رايان، وهو يعبثُ بالعملات الذهبية التي أصبحت إحدى عشرة عملةً في يده.
بالنظر للأمر، فإنّ وولف لم يفعل شيئًا مريبًا بشكلٍ خاصٍّ……
“لا! يا اجاشي، لقد اتّفقتَ مع المتسابقين الآخرين أيضًا! لا بدّ أنّك دفعتَ لهم المال ليخسروا عمدًا!”
“…؟ عمّا تتحدّث هذه الطفلة! وقلتُ لكِ ناديني *بعمي! لا علاقة لي بالمتسابقين الآخرين! لقد تمّ قبول طلبات الجميع وفقًا للإجراءات القانونية وأُقيم العرضُ بنزاهةٍ!”
لينا: عشان اشرح لكم فانيسا كانت تنادي وولف بأجاشي الي تعني عمي/الرجل الكبير بالعمر بشكل رسمي بينما هو يبيها تناديه عمي الي تنقال بين المقربين و العائلة
… حقًّا؟ التفتُّ نحو ريڤان.
هزّ كتفيه وقال: “لم أتوقّع ذلك. كنتُ أظنّه محتالًا حقيقيًّا.”
“على أيّ حالٍ، ألم تستفد أنتَ أيضًا؟ قلتَ إنّ العرض لم يكن يحظى بأيّ شعبيةٍ في الأصل. والآن بعد أن أصبح حديث المدينة، سيكون من السهل عليكَ جذب الجمهور مستقبلاً.”
“أعترفُ بذلك. بالنظر للمدى البعيد، أنا رابحٌ.”
اعترف وولف بسرعةٍ.
“هسس. ومع ذلك، توقّف عن تجارة القصص المزيفة لاستدرار دموع الأبرياء.”
عندما قال ريڤان ذلك بلهجةٍ غير راضيةٍ، قطّب وولف حاجبيه مستنكرًا.
“ماذا… هل تقصد أنّ قصّتك كذبةٌ؟”
حدّق في رايان بنظراتٍ مشوبةٍ بالشكّ وقال: “ألم تقل إنّ حبيبتك التي تكبرك بخمس سنواتٍ تركت لكَ طفلةً واختفت؟ وألم تقل إنّك سافرتَ إلى الخارج منذ صغرك وعملتَ في كلّ المهن الممكنة لتربية ابنتك؟ وألم تقل إنّك عندما تعود للمنزل رغـم تعبك ورغبتك في الموت، وترى وجه ابنتك النائمة كالملاك، تشعرُ بأنّك قادرٌ على فعل أيّ شيء؟ لقد قابلتُه في الحانة وتأثّرتُ بذلك، فدعوتُه للمشاركة في العرض، بل ودفعتُ له مالاً فوق رسوم المشاركة بدل أن آخذ منه؟”
واو….
نظرتُ إلى رايان. كان يرمشُ بعينيه بوقاحةٍ.
“نعم، هذا صحيح.”
التفتُّ فورًا نحو وولف وابتسمتُ بإشراقٍ،
“أخي وأنا، ظننا أنّ عمي كذبَ بشكلٍ أسوأ من ذلك! لكن اتّضح أنّكَ قلتَ الحقيقة فقط! ثمّ إنّ مشاركة قصة حياة المتسابق لإضفاء الإثارة على العرض ليس أمرًا سيئًا بالضرورة، أليس كذلك؟”
“مم، أجل. لكن بالتفكير في الأمر، قد تكون قصةً مؤلمةً بالنسبة لكِ… يبدو أنني لم أراعِ مشاعركِ. أعتذرُ إن كنتِ قد حزنتِ.”
“…….”
يبدو أنّ وولف، الذي ظننته محتالاً، كان مجرّد ضحيةٍ ساذجةٍ….
صافحتُ وولف وأنا أقول إنّني بخير.
بل إنّه ذهب لأبعد من ذلك وأوصاني بأن أنمو بشجاعةٍ لأنّ لديّ أبًا رائعًا كهذا رغـم غياب أمّي.
شددتُ على شفتيَّ ووعدتُه بأن أفعل ذلك.
“على أيّ حالٍ، شكرًا لك يا وولف. بفضلكَ جنيتُ المال ووجدتُ عمال مناجم، وأنهيتُ كلّ أعمالي وسأعود للمنزل~”
“آه، لحظة.”
أوقفنا وولف بينما كنّا نهمُّ بالمغادرة وأعطانا بطاقة عمله.
“إذا احتجتَ إلى أشخاصٍ، لا تذهب لمكانٍ آخر، تعال إليّ. ليس هناك مهنةٌ لا تجدها في نقابتي.”
“أوه. شكرًا؟”
“والحوذِيُّ الذي سيأخذكم إلى بيلزر. ليس لديكم واحدٌ، صح؟ إذا كنتم ستذهبون الآن، فسأرسل معكم حوذيًّا من نقابتي.”
أليس هذا لطفًا زائدًا عن الحدّ؟
في اللحظة التي ساورني فيها الشكّ، غمز وولف رايان وهمس له: “بعد شهر. يجبُ أن تشارك في العرض القادم، اتّفقنا؟ سيتجمّعُ حشدٌ هائلٌ لرؤية البطل الجديد.”
قال رايان إنّ هناك أمرًا أخيرًا يجبُ إنهاؤه، فذهبنا إلى مركز الخدمة المدنيّة للإمبراطورية، وهو مكانٌ لا يوجدُ إلّا في المدن الكبرى.
“أعتذرُ منكم. لقد أخطأتُ وتسبّبتُ في انتظاركم طويلاً. إليكم الهويتان اللتان طلبتُموهما.”
أجل، لقد جئنا لاستخراج هويّاتٍ!
وفقًا لقانون الإمبراطورية، يمكن إصدار الهويّة من سنّ السادسة عشرة، وهو السنُّ الذي يُعتبرُ فيه المرءُ بالغًا.
بالنسبة لرايان وريڤان اللذين كانا في السجن آنذاك، كانت هذه أوّل مرّةٍ يلمسان فيها هويّةً في حياتهما.
“يا إلهي….”
انبهر رايان.
كانت عبارة عن لوحةٍ خشبيةٍ مسطّحةٍ بحجم كفّ اليد، محفورٌ عليها الاسم، الجنس، ومكان الميلاد وغيرها من البيانات الشخصية.
والاسم المكتوب على هويّة رايان كان:
رايان بيلزر (Ryan Belzer)
بعد طرده، بقي اسمه وحيدًا بلا لقبٍ، لذا قام بتنظيم بياناته الشخصية بلقبٍ جديدٍ مستمدٍ من اسم المقاطعة بيلزر، ثمّ استخرج الهويّة.
أنا أيضًا كنتُ مسجلةً كابنة رايان باسمي فقط، والآن أصبحتُ فانيسا بيلزر.
رغـم أنّني لا أستطيع استخراج هويّةٍ إلّا عندما أكبر.
و…
“هاها. هل أنتَ سعيدٌ يا أخي؟”
سألتُ ريڤان الذي كان يبدو متأثّرًا ولم يستطع إبعاد عينيه عن هويّته لفترةٍ طويلةٍ.
“أوه، أجل…”
رغـم حدوث مشكلةٍ بسيطةٍ حيث أخطأ موظف المركز وسجّل جنسه كأنثى… إلّا أنّه استعاد هويّته الصحيحة بعد ذلك.
‘لقد كانت حياة ريڤان هي القاسية حقًّا.’
يتيمٌ وُجد في أرض روتشيلد جنوب الإمبراطورية دون اسمٍ.
أخته التي كانت ملفوفةً معه في القماط فُقد أثرها في حادثة وحوشٍ منذ صغرها ولا يُعرف مصيرها، وبالصدفة تبنّاه زوجان من أساتذة الأكاديمية فبدأ حياةً ثانيةً.
لكنّه فقد ذلك أيضًا، ولم يبقَ له سوى اسم ريڤان، ليصمد 11 عامًا في سجنٍ يشبه الجحيم.
–” عندما نخرج من هنا، لنصبح عائلةً.”
–”أنا وأنتَ لم يعد يربطنا شيءٌ الآن في العالم الخارجي.”
–”لذا سنعيش كأخوةٍ حقيقيين، أنا الأخ الأكبر وأنتَ الأصغر.”
لقد نفّذ رايان اليوم وعده الذي قطعه لريڤان في السجن.
التعليقات لهذا الفصل " 37"