ماذا عساه أن يقول؟ أيقولُ إنّه لم يشترِه بل إنّ تلك الطفلة هي من أعطته إيّاه؟
“…….”
في النهاية، التزم نايكي الصمت، ودسّ السروالَ في الصندوق بهدوءٍ.
“فلننطلق.”
ابتلع راينر ريقه وهو يراقبُ نايكي الذي استدار ببرودٍ.
نايكي فالنسييه. رئيسه. رفيقه في السلاح. وصديق طفولته القديم.
ومع ذلك، لم يلحظ أبدًا ذوقه هذا….
‘… يجبُ أن أتظاهرَ بأنّني لم أرَ شيئًا، أليس كذلك؟’
لقد كان موقفًا يجسّدُ معنى الصداقة الحقيقية.
* * *
–”أ- أرجوك اقبل هذه وتذكّرني في كلّ مرّةٍ تستخدمها فيها.”
لقد أصبحتُ المرأةَ التي تعطي رجلًا سروالًا وتطلبُ منه أن يتذكّرها…….
روحي التي غادرت جسدي لم تعد بعد، فجلستُ بذهولٍ مستندةً إلى الكرسيّ أحدّقُ في الفراغ.
“ما خطبها؟”
“لا أدري. صرخت صرخةً مدويّةً في غرفتها هذا الصباح، ومنذ ذلك الحين وهي على هذه الحال. هل رأت شبحًا؟”
أمّا الرجلان اللذان لا يعرفان شيئًا، فقد كانا يلتهمان فطورهما بنهمٍ، بينما فقدتُ أنا شهيّتي تمامًا.
‘كم هما مستفزان….’
أشعرُ بالحنق تجاههما بلا سببٍ.
لكن لمَن تحديدًا؟ رايان الذي كان يغطُّ في نومٍ عميقٍ ويشخرُ!
‘بالتأكيد لا يخطرُ بباله في الأحلام حجم المعاناة التي مررتُ بها بالأمس.’
صحيحٌ أنّني تعمّدتُ الاختطاف، لكن ماذا لو تعرّضتُ لخطرٍ حقيقيٍّ؟ كيف يمكنه أن يكون بهذه الطمأنينة؟
“أبي، هل يستسيغُ حلقُك الطعام؟ هل تجني أيَّ مالٍ أصلًا؟
“
انفجرتُ فجأةً كالابنة المتمردة في سنّ المراهقة.
ذُعر رايان للحظةٍ ثمّ انفجر ضاحكًا.
“انظروا إلى أسلوبها في الكلام، لقد أصبح أكثر وقاحة! يا فتاة، هذا يعجبني.”
حشر ما تبقى من الخبز في فمه ثمّ نفض يديه وأشار إليّ بسبّابته.
“استمرّي على هذا المنوال. فمهما نظرنا إلينا، لا نبدو كأبٍ وابنته. لذا عندما نذهبُ إلى مكان عملي لاحقًا، افعلي الشيء نفسه، حسنًا؟ شجّعيني بمودّةٍ.”
“… مكانُ عملك؟”
* * *
واو….
“والآن، أيّها السيداتُ والسادة! أخيرًا، تقام اليوم مبارياتُ نصف النهائي والنهائي المنتظرة!”
هل هذا حقيقيٌّ؟
“البطلُ الصاعدُ الذي ظهر كالنجم في شارع غريف! الأبُ الشابّ الذي اعتلى حلبةَ صراع الذكور بكلّ فخرٍ، باذلًا دمه وعرقه من أجل ابنته… رايان!”
“واااااااو!”
“سأراهنُ عليكَ اليوم أيضًا!”
لوّح رايان للجمهور المبتهج والزهوُ يملأ وجهه.
لا، بماذا تفتخرُ تحديدًا؟
“تبًّا، طلبتُ منك أن تجني المال، فجئتَ لتتعارك هنا؟!”
صُعق ريڤان الواقف بجانبي، وأنا أشاطره الشعور نفسه تمامًا.
“والآن، والآن! سنبدأ المراهنات قبل انطلاق نصف النهائي!”
بدأ رجلٌ -يمكن تسميته بمدير العرض وتلقيبه بـالمحتال- في جمع الأموال من الجمهور.
شعرتُ بالذهول وتوجّهتُ إليه على الفور.
“عذرًا. هل وقّعتما عقدًا؟”
“أوه؟ ومَن أنتِ؟”
“ابنةُ ذلك الرجل.”
أشرتُ إلى رايان.
صرخ الرجل بـ “واو!” ثمّ أمسك بكتفي وأدارني نحو الجمهور صارخًا:
“انظروا يا رفاق! قصةُ حياة المتسابق رايان المأساوية التي لا يمكن سماعها دون بكاء! الأبُ المثاليُّ الذي قرّر العيشَ لأجل ابنته! بطلةُ القصة التي تمنحُ هذا الرجل سببًا للعيش، موجودةٌ هنا الآن!”
“…….”
أغمضتُ عينيَّ بمرارةٍ.
“استقبلوها بالتصفيق! إنّها ابنةُ رايان!”
“يا للهول! حقًّا؟ وااااااااو!”
“يا رجل، بالتأكيد بوجود ابنةٍ كهذه، لا يملكُ المرءُ خيارًا سوى القتالِ بكلّ قوّته!”
نظرتُ بعينين باهتتين إلى رايان وسط هتافات الجمهور.
صرخ وهو ينظرُ إليّ: “ابنتي، كنزي الثمين! أنا آسفٌ لأنّني أنجبتكِ في سنٍّ مبكرةٍ ولم أستطع فعل الكثير لأجلكِ! لكن طالما ولدتِ في هذا العالم القاسي، فأنا مسؤولٌ عنكِ حتّى الموت!”
“إياااااااااا!”
“رائعٌ، رائعٌ حقًّا!”
يا له من هراءٍ. حتّى إنّ بعضهم ذرف الدموع.
يبدو أنّ قصة “الأب الذي يعيشُ لأجل ابنته” تلاقي رواجًا كبيرًا.
‘هل هذا معقول؟’
نحن الآن في شارع غريف.
وهو أحد تلك الأزقة الخلفية الموجودة في كلّ مدينةٍ كبرى.
في ساحة النزال -التي يصعبُ تسميتها حلبة- حيث رُسمت الخطوطُ على الأرض بإهمالٍ، يقف رايان وخصمه.
مهنته الأساسية هي إدارة نقابةٍ للتوظيف، ويبدو أنّه يمارسُ عدّة مهنٍ جانبيةٍ، وهذا العرض القتاليُّ المبتذلُ هو أحدها.
رغـم أنّه يبدو محتالًا، إلّا أنّ رايان يقولُ إنّه شخصٌ موثوقٌ في هذا الوسط.
ويقولُ إنّ رسالة توصيةٍ واحدةٍ من وولف كفيلةٌ بجلب العشرات من عمال المناجم المستعدين للحفر في بيلزر.
“نصف النهائي المنتظَر! هل سينتصرُ الأبُ رايان، الذي لا يغلى عليه شيءٌ لأجل ابنته، هذه المرّة أيضًا ليواجه البطل بانتيرا في النهائي؟ راقبوا وانتظروا!”
بدأ المديرُ في إشعال حماس الجمهور.
من الواضح أنّه لاحظ رايان (بسبب ضخامة جسده غالبًا) عندما كان يبحثُ عن عملٍ، فاستدرجه للمشاركة، وعندما أصبح الأمر حديث الناس، استغلّ قصة الأب والابنة ببراعةٍ مستخدمًا رسالة التوصية كطُعمٍ.
“هذا الأمر… تفوحُ منه رائحةُ التلاعب بالنتائج…”
تمتم ريڤان، ففوجئتُ.
“ماذا قلت؟”
“بيع القصص المأساوية لجمع المعجبين. لقد مارسوا هذا الفعل لخمسة أيّامٍ منذ التصفيات، ورايان هو النجمُ الصاعدُ الذي وصل لنصف النهائي بالانتصارات المتتالية. انظري هناك.”
أشار ريڤان إلى سلال الرهانات بجانب المدير. وعلى عكس سلة الخصم الفارغة، كانت سلة رايان ممتلئةً عن آخرها.
“الجمهور تعلّم الدرس، وسيراهنون على الأخ رايان مهما كان الثمن. وغالبًا سيكون الوضعُ نفسه في النهائي.”
نقر ريڤان بلسانه وأضاف: “الآن بعد فوز أخي الاكبر في كلّ النزالات، لا بدّ أنّ خسارة المدير فادحةٌ. لكن لماذا يبتسمُ هكذا؟”
“هل يعقلُ أنّه يراهنُ بكلّ شيءٍ في النهائي؟”
“بالضبط. في المباراة النهائية، تختلفُ مبالغُ الرهان تمامًا. لقد وجّه الجمهور كلّه للمراهنة على أخي رايان، فماذا سيحدثُ لو فاز المدعوّ بانتيرا؟”
أشار ريڤان إلى المدير الذي اتّسعت ابتسامته حتّى أذنيه.
“ألا ترين وجهه المبتهج بفكرة الضربة الكبرى التي سيحققها؟ إنّه متأكّدٌ تمامًا من مهارة المدعو بانتيرا. أراهنُ أنّ كلّ من هزمهم الأخ للوصول إلى هنا كانوا متواطئين مع المدير.”
“هل تقصدُ أنّهم خسروا عمدًا؟”
“هذا هو حالُ هذا الوسط. لم تكن هذه المرّة الأولى التي أرى فيها ذلك.”
“إذًا، لقد احتالوا على أبي أيضًا؟”
شعرتُ بالذهول.
–”يا ابنتي، هذا عملٌ سهلٌ للغاية. سأحصلُ على رسوم المشاركة سواءً فزتُ أو خسرتُ، وإذا هزمتُ البطل وفزتُ بالمركز الأوّل، سيكتبون لي رسالة توصيةٍ لعمال المناجم.”
لقد استُغلّ رايان الساذج….
رسالةُ توصيةٍ لا يمكن الحصولُ عليها إلّا بهزيمةِ خصمٍ لا يمكن هزيمته.
“هذا الرجل لن يمرّ بفعلته بسلامٍ.”
شمّرتُ عن ساعديَّ للذهاب وتوبيخ المدير، لكنّ ريڤان أمسك بي.
“لا تقلق يا أخي. سأذهبُ وأسوّي الأمر معه بمنطقيةٍ شديدةٍ. هذه مسألةٌ يجبُ حسمها قبل بدء المباراة النهائية.”
التعليقات لهذا الفصل " 35"