“أبي نائمٌ ويغطّ في نومعميقٍ دون أن يشعرَ بشيءٍ. لم يدرك حتّى أنّني اختفيتُ.”
مددتُ له الهديّة.
“شكرًا جزيلاً لك لأنّك أنقذتَ حياتي وأعدتَني بسلامٍ. أرجوك اقبل هذه. ولا تقلق أبدًا؛ لستَ بحاجةٍ للقلق أو السهر خوفًا من أن أُخبر أبي بما حدث اليوم.”
تلاحقت كلماتي من شدّة الاستعجال.
كان يجبُ أن أقول كلماتٍ أجمل، تجعله يتذكّرني، لكن….
“أ- أرجوك اقبل هذه وتذكّرني في كلّ مرّةٍ تستخدمها فيها. من فضلك لا تنسني. فأنا لن أنسى معروفكَ اليوم أبدًا، وسأردُّ لك الجميل يومًا ما بكلّ تأكيدٍ.”
لم يردّ نايكي. وبدلًا من ذلك، نظر إلى الهديّة التي قدّمتُها له لبرهةٍ، ثمّ أخذها.
بعد ذلك، أدار رأس حصانه وانطلق مبتعدًا.
أخذتُ أمسحُ دموعي التي انهمرت ثانيةً وأنا أراقبُ نايكي وهو يبتعدُ.
‘انتظرني فقط…’
–”دعينا لا نحبُّ بعضنا أبدًا من جديد.”
أنا لا أستطيعُ فعل ذلك ولو متُّ.
بما أنّني أحببتُكَ مرّةً، فسأحبُّكَ وحدكَ حتّى الموت.
فأنا امرأةٌ شديدةُ التعلّقِ و الهوسِ ولا يمكنها الانفصال بسهولةٍ.
بدلًا من ذلك، سأجعلُ العالم هذه المرّة مكانًا يريحُ قلبكَ لكي تُحبّني كما تريد.
سأجعلنا نحبُّ بعضنا في عالمٍ لا يحتاجُ فيه أيٌّ منّا للقلق، ولا نضطرُّ فيه لمراعاةِ نظراتِ الآخرين.
سأفعلُ ذلك حتمًا.
المنديل.
لقد كان غرضًا يحملُ معنًى كبيرًا.
* * *
بعد لقائنا الأوّل، لم تكن هناك فرصةٌ لمقابلة نايكي، ممّا جعلني أحترقُ شوقًا، حتّى جاءت أخيرًا مأدبةُ عشاءٍ مرتبةٍ.
في ذلك اليوم، كانت فانيسا ممتنّةً لقطرة صلصة السلطة التي لطّخت فمها بإهمالٍ.
فقد حصلت على منديلٍ من نايكي.
“سأقوم بغسله وإعادته إليكَ في المرّة القادمة التي نلتقي فيها.”
لأنّه منحها الذريعة للقائه مجدّدًا.
وعندما أعادت المنديل المغسول بعنايةٍ في اللقاء التالي، كانت فانيسا حزينةً.
‘بأيّ حجّةٍ سألقاه مرّةً أخرى الآن….’
لذا، شدّت قبضتها وهي تعيدُ المنديل.
ولم يتزحزح المنديل مهما حاول نايكي سحبه.
“… أعطِني إيّاه في المرّة القادمة.”
“ماذا؟”
وكأنّه قرأ ما في قلب فانيسا، ابتسم الرجل بضعفٍ وتحدّث عن المرّة القادمة.
اللقاء التالي.
هذه المرّة، قامت صلصة السلطة البيضاء المجتهدة بتلطيخ شفاه نايكي.
هذه هي الفرصة. قدّمت فانيسا منديلها الخاصّ بدلًا من منديل نايكي الذي أحضرته لتعيده.
“يا إلهي، يبدو أنني أعطيتكَ منديلي الخاصّ؟”
“… سأغسله وأحضره لكِ في المرّة القادمة.”
“حسنًا. ولكن، هل يمكنني استخدام منديل السموّ الملكيّ الذي كنتُ سأعيده اليوم حتّى أستعيدَ منديلي؟ ليس لديّ منديلٌ إضافيٌّ…”
“أجل. افعلي ذلك.”
لقد كان نايكي رجلًا طيّبًا يصدّقُ حتّى مثل هذا الكلام السخيف، بأنّ ابنة أغنى عائلةٍ في الإمبراطورية لا تملكُ منديلًا إضافيًّا واحدًا.
وفي اللقاء الذي يليه.
كانت فانيسا تنوي أن تأخذ منديلها إذا أعاده نايكي، وتدّعي أنّها نسيت إحضار منديله.
لكنّ نايكي هو مَن بدأ بالكلام.
“أنا آسف. كان يجبُ أن أعيدَ منديل الآنسة، لكنّني نسيته.”
“ماذا؟”
كان أمرًا مدهشًا.
في اللقاء التالي، لم تحضر فانيسا المنديل، وفي الذي يليه، نسيه نايكي.
وعندما كان المنديل يُتبادلُ بشكلٍ صحيحٍ وتوشكُ لقاءاتهما على الانتهاء، كانت الصلصة تلطّخُ زاوية الفم دائمًا في ذلك اليوم.
وعندها، يعودُ منديل كلٍّ منهما إلى يد الآخر مرّةً أخرى.
‘من المؤكّد أنّه يفعلُ هذا عمدًا أيضًا، أليس كذلك؟’
وحدَه الأحمقُ مَن لا يدركُ ذلك.
كان قلبُ فانيسا يرتجفُ كلّما تذكّرت ذلك الرجل الذي “نسي” المنديل أربع مرّاتٍ بالفعل.
* * *
قضيتُ الليلَ كلّه ساهرةً تقريبًا.
كنتُ أفكّر في نايكي وأتذكّر تلك الأيّام الجميلة التي كنّا نتبادلُ فيها المناديل.
وعندما أشرقت الشمس وبدأ الضجيجُ في الخارج، نهضتُ من السرير.
‘سأعيش بجدٍّ’.
لأنّ هناك الكثير من العمل للقيام به حتّى أتمكّن من الحبّ مجدّدًا دون قلقٍ.
أمّا مشكلة تجارب زراعة القدرات التي كنتُ أحاولُ حلّها، فقد تولّى القصر الإمبراطوريّ زمام المبادرة فيها… لذا لم يعد هناك ما أفعله.
‘ربما هناك حقائقُ مخفيّةٌ أكثر، لذا يجبُ أن أبقي هؤلاء الناس أحياءً وأراقبهم باستمرارٍ.’
شعرتُ بضيقٍ قليلًا عندما فكّرتُ في لونا، لكنّني قرّرتُ نفض القلق عنّي.
رغـم أنّني أناديه دائمًا بالأحمق على سبيل المزاح، إلّا أنّ نايكي رجلٌ ذكيٌّ وسيتدبّرُ أمره جيّدًا.
“فلأقم بعملي أنا!”
أوّلًا، سأغتسلُ وأرتدي ملابسَ جديدةً ومنعشةً.
في الحقيقة، المكان الذي ذهبتُ إليه مع ريڤان بالأمس لشراء الملابس كان… متجرًا للملابس.
على عكس أيّامي كأميرةٍ حيث كانت الملابس النظيفة تُجهّزُ لي كلّ صباحٍ، كان عليّ غسل القطع القليلة التي أملكها مرارًا، لذا غلبتُ خجلي وطلبتُ المساعدة من ريڤان.
أخبرتُه أنّني بحاجةٍ لشراء المزيد من الملابس و بعض الملابس الداخلية…
‘لسببٍ ما، أشعرُ براحةٍ أكبر مع ريڤان مقارنةً برايان في قول مثل هذه الأشياء، أليس كذلك؟’
ربما لأنّه مرهفُ الحسّ. على أيّ حالٍ، اشتريتُ خمس قطعٍ، وعند خروجي رأيتُ المناديل فطلبتُ من ريڤان شراء واحدٍ أيضًا.
كانت صاحبة المتجر اللطيفة تغلّفُ كلّ قطعةٍ على حدة بورق تغليفٍ جميلٍ.
“هممم.”
الملابس الداخلية مرتّبةٌ بعنايةٍ في الدُّرج الثاني من الطاولة.
بدأتُ بتمزيق ورق التغليف وأنا أدندنُ بلهفةٍ…….
“……؟”
خرج منديلٌ.
“ماذا؟”
لماذا هذا هنا؟
هل كنتُ أحلم؟ لقد أعطيتُه المنديل بالأمس بالتأكيد؟
فتحتُ الدُّرج الأوّل بذعرٍ.
إنّه فارغٌ. لقد أعطيتُه الهديّة بلا شكٍّ.
“لحظة….”
لقد اشتريتُ منديلًا واحدًا فقط، لا مجال للخطأ. لذا، هذا الذي في يدي هو المنديل الوحيد.
إذًا هو خطأٌ في الترتيب؛ لأنّ ورق التغليف متشابهٌ تمامًا….
إذًا؟
إذًا، ما الذي أعطيتُه لنايكي بالأمس؟
“آه… آه…”
بدأ العرقُ الباردُ يتصبّبُ على ظهري.
هل شعرتُ برعبٍ كهذا من قبل في حياتي؟ حتّى عندما كدتُ أقتلُ على يد رايان لم يصل الأمر لهذا الحدّ!
“آه… آه… آآآآآآه!!”
* * *
عندما تمّ تنظيف قاعدة التجارب دون ترك أيّ أثرٍ، وجرى ترحيل المتورّطين للمزيد من التحقيق.
كانت السماء قد بدأت تشرقُ بخفوتٍ.
كان التستّر على تجارب زراعة القدرات نجاحًا مثاليًّا…
… أو هكذا كان من الممكن أن يكون.
لولا إعادة تلك الطفلة بسلامٍ إلى والدها.
“ماذا ستفعلُ حقًّا؟”
تنهّد راينر بيأسٍ.
“حتّى لو مسحنا هذا المكان ولم يجدوا أدلّةً، فإنّ حقيقة وجود قوىً تحاولُ إعادة تلك التجارب ستصلُ بالتأكيد إلى مسامع أصحاب القدرات.”
“…….”
“سموّ الأميـر! هل تسمعني؟ هل تدركُ ما الذي فعلتَه بالأمس؟”
“إذًا، هل كان عليّ قتل تلك الطفلة؟”
“مَن قال إنّه يجبُ قتلها؟”
ضرب راينر صدره من شدّة الضيق.
“على الأقلّ كان يجبُ أن نبقيها معنا. حتّى لو كانت الطفلة مثيرةً للشفقة، فالوضع لم يكن يسمحُ بإعادتها إلى والدها.”
“قالت إنّها لن تتكلّم.”
“…؟ لا يعقلُ أنّك تصدّقُ ذلك حرفيًّا؟ لقد قالت ذلك لأنّها كانت خائفةً في تلك اللحظة، هل تتخيّلُ أنّها لن تُخبر والدها بعد أن تعرّضت للاختطاف؟”
“لن تفعل.”
نظر راينر إلى نايكي وكأنّه ينظرُ إلى أحمقٍ.
نايكي يعلمُ. يعلمُ أنّه تصرّفٌ أحمقُ.
ومع ذلك، كان قلبه هادئًا لسببٍ ما. لماذا؟ لا يدري.
كلّ ما يعرفه هو أنّه يملكُ يقينًا بأنّ تلك الطفلة لن تنطق بكلمةٍ واحدةٍ.
–”أ- أرجوك اقبل هذه وتذكّرني في كلّ مرّةٍ تستخدمها فيها. من فضلك لا تنسني. فأنا لن أنسى معروفكَ اليوم أبدًا، وسأردُّ لك الجميل يومًا ما بكلّ تأكيدٍ.”
تذكّر نايكي فجأةً ذلك، فأخرج الشيء الذي أعطته إيّاه الطفلة.
كانت الهديّة مغلّفةً بورقٍ ورديٍّ جميلٍ، وبدت ناعمة الملمس.
التعليقات لهذا الفصل " 34"