الفصل 33
رفعتُ رأسي ببطءٍ، وأخذتُ أتفرّسُ فيه وهو ملثّمٌ.
كان نايكي في سنٍّ لم أرهُ فيها قطّ قبل العودة بالزمن.
ربما في السادسة عشرة.
عمرٌ يكادُ يلامسُ فيه مرحلة البلوغ لتوّه.
كان من الطبيعيّ ألّا يتعرّف عليّ، فهو الذي فقد ذكرياته بعودتي بالزمن.
أجل، رغـم عِلمي بأنّه أمرٌ طبيعيٌّ… إلّا أنّ قلبي آلمني لرؤيته لا يلقي عليّ حتّى نظرةً واحدةً.
لم أكن أرغبُ في التأكّد من نسيانه لي بهذه الطريقة….
“مَن هو صاحب القدرة الذي تعاون معكم؟ وأين هو الآن؟”
“هـ- هل أرسلكَ القصرُ الإمبراطوريّ؟ أنا لم أُخبر بمكان المقرّ إلّا القصر… لماذا! لماذا بحقّ الجحيم خاننا القصر الإمبـ…، كخ!”
ضغط نايكي بالسيف الذي يوجّهه نحو عنق غوستاف.
“أجب عمّا تُسألُ عنه فقط.”
“أ-أيّها السيّد! توقّف! لا تفعل ذلك! سأتكلّم. أنا من سيتكلّم…”
بكت لونا، فالتفت نايكي نحوها.
“لا، ابدأي بشيءٍ آخر.”
ثمّ أشار إليّ بذقنه.
“هل هذه الطفلة هي حقل تجارب؟ لا يمكن أن تكون وحدها، أين البقيّة؟”
يبدو أنّه، رغـم عدم نظره إليّ، كان قلقًا عليّ كالعادة.
لأنّ نايكي رجلٌ من هذا النوع.
“لا! لا يوجد أطفالٌ هنا. صدّقني أرجوك. لم نجرؤ على فعل ذلك… لذا أردنا أن نُجري التجارب على أنفسنا مباشرةً، على أجسادنا نحن…”
“أجل، هذا صحيح! لقد قُلنا لك إنّه لا يوجد أطفالٌ!”
قاطعه أحد الباحثين صارخًا وكأنّه يتعرّضُ للظلم.
“إذًا، مَن تكون هذه الطفلة؟”
“هـ-هذا…”
تحدّثت لونا وشَفتاها ترتجفان:
“أو، أوّلًا، صاحب القدرة الذي أردنا استخدامه في التجارب هو… شخصٌ مطرودٌ من عائلة فاسنبيرغ. ا-اسمه رايان فاسنبيرغ…”
“أين هو؟”
“ليس هنا. لم نحصل على تعاونه بعد. لـ- لكن هذه الطفلة…”
التفتت لونا إليّ وقالت: “إنّها ابنته. كان من المقرّر أن نستخدم الابنة كرهينةٍ لإجباره على التعاون حين يأتي إلى هنا.”
عند تلك الكلمات، تجمّد نايكي في مكانه فورًا.
اتّسعت عيناه، وحينها فقط نظر إليّ.
كانت عيناه الزرقاوان تهتزّان بلا حولٍ ولا قوّةٍ.
‘لا بدّ أنّه مرتبكٌ. لم يكن ليتخيّل أبدًا أنّهم سيقومون بعملٍ متهوّرٍ كهذا.’
لقد فهمتُ الوضع تقريبًا.
خلافًا للماضي، لا ينوي القصر الإمبراطوريّ استئناف تجارب زراعة القدرات الخارقة.
لذا تظاهروا بالتعاون مع غوستاف لمعرفة مكان المقرّ، ثمّ أرسلوا نايكي للتستّر على قاعدة التجارب وإخفائها أوّلًا.
‘قبل أن تُكتشف من قِبل فاسنبيرغ.’
الماضي الذي قُتل فيه أبرياءُ كونراد لمجرّد محاولةٍ سرّيّةٍ لإجراء تجربةٍ واحدةٍ…
كان ذلك قرارًا حكيمًا من القصر الإمبراطوريّ الذي لم ينسَ مأساة ذلك اليوم.
لكنّ الشيء الوحيد الذي لم يتوقّعوه هو…
‘لم يظنّوا أنّ هؤلاء سيجرؤون على اختطاف أو تهديد صاحب قدرةٍ.’
لو كان هناك صاحب قدرةٍ سيتعاون مع التجارب، فلا بدّ أن يكون شخصًا يحملُ ضغينةً ضدّ عائلته، وبالتالي سيأتي للمشاركة بمحض إرادته وبشكلٍ ودّيٍّ….
‘هكذا فكّروا بالتأكيد.’
وحينها، سيكون بمقدورهم التعرّف على هويّة صاحب القدرة ذلك فقط، ثمّ التستّر على التجربة بهدوءٍ.
‘وهكذا كان تقديرهم أيضًا.’
لكن توقّعات نايكي خابت تمامًا، و فُقدت السيطرة على المخطّط.
لكنّهم تجرّأوا على اختطاف ابنة صاحب قدرةٍ.
بل إنّ صاحب القدرة هذا هو رايان فاسنبيرغ، الرجل الذي تسبّب في مذبحة كونراد قبل 12 عامًا….
فكيف سيتحمّلون غضبه؟
في تلك اللحظة.
“هوك.” (هوك تعني صقر)
نزل رجلٌ ملثّمٌ آخر إلى القبو.
‘هوك…؟’
لقد سمعتُ هذا الاسم من قبل. كان هو الاسم الحركيّ الذي يُنادى به نايكي حين كان قائدًا لفرقة العمليات السرّيّة التي تتولّى شؤون القصر بعيدًا عن الأعين.
‘إنّه نايكي حقًّا….’
رغـم يقيني بهويّته، إلّا أنّ غصّةً خنقتني مرّةً أخرى.
“لقد تمّت السيطرة على الوضع في الأعلى بالكامل. ولم يتبعنا أحدٌ.”
“…….”
لم يستجب نايكي لكلام تابعه، بل ظلّ يحدّق بي فقط.
من المؤكّد أنّ عقله مشغولٌ الآن بالتفكير في كيفية حلّ هذه المعضلة.
“هوك؟”
“… و صاحب القدرة؟ هل يعلمُ أنّ ابنته اختُطفت بسبب هذه التجربة؟”
سأل نايكي لونا، فهزّت رأسها نفيًا.
“ليس بعد. لقد قمنا باختطافها فقط، وتركنا له رسالةً تطلبُ منه المجيء إلى هنا.”
“مـ- ماذا قلتِ؟”
ذُعر الرجل الملثّم حين سمع حوارهما.
“هوك! ماذا يعني هذا؟ هل هؤلاء المجانين كانوا ينوون تهديد صاحب قدرةٍ بدل التحالف معه؟”
بما أنّ نبرة صوته تشبه بصمة إصبعه، أدركتُ مَن يكون هذا الرجل أيضًا.
‘إنّه راينر….’
أعزّ أصدقاء نايكي.
وبعد أن أصبحتُ حبيبة نايكي، كان راينر بلا شكّ هو الصديق الذي كنتُ على علاقةٍ طيّبةٍ معه دون تكلّفٍ.
“… هئ.”
لم أستطع الاحتمال ورؤية هؤلاء الأشخاص الذين اشتقتُ إليهم يظهرون أمامي واحدًا تلو الآخر.
وفي النهاية، انهمرت دموعي….
نظر الجميع إليّ.
تلاقت عيناي مع عيني نايكي.
لم يكن بكائي نبعًا من الخوف، لكنّه سيظنُّ حتمًا أنّ طفلةً لا تعرفُ شيئًا تبكي من شدّة الرعب.
‘بل إنّ الخيار الأكثر حكمةً الآن هو قتلي….’
لحسن الحظّ، لا يعلمُ رايان بحقيقة محاولة إجراء التجربة.
لكنّ ابنته تعلمُ بالوضع.
وحتّى لو لم تعرف التفاصيل بدقّةٍ، فقد سُحبت إلى هنا وسمعت كلماتٍ لا ينبغي سماعها عن التجارب وغيرها.
إذا أُعيدت بسلامٍ، فمن الطبيعيّ أنّ الطفلة التي لا تعرفُ شيئًا ستُفشي كلّ شيءٍ لوالدها.
ولإخفاء محاولة استئناف تجارب زراعة القدرات، التي كانت شرارة مذبحة كونراد الفظيعة قبل 12 عامًا، عن أصحاب القدرات الشيطانيين….
فإنّ قتلي هو الخيار الحكيم لنايكي.
وإن لم يستطع فعل ذلك، فعليه على الأقلّ منعي من رؤية رايان للأبد لضمان عدم تفوّهي بأيّ كلمةٍ.
لكنّني أعرف.
أعرفُ أنّ نايكي رجلٌ لا يمكنه أبدًا اتّخاذ مثل هذا القرار.
أعرفُ أنّ طبيعته لن تسمح له بقتل طفلةٍ، ولا بفصلها عن والدها.
“أبي لا يعلمُ بعد بأنّني اختُطفتُ. لذا، أرجوك أعدني إليه قبل أن يعرف.”
قلتُ ذلك وأنا أمسحُ دموعي.
“وحينها، لن أقول له شيئًا، لا عن اختطافي ولا عمّا سمعتُه هنا اليوم. لن أتفوّه بكلمةٍ واحدةٍ.”
“…….”
حدّق بي نايكي بعينين مهتزّتين. لم يدم تردّده إلّا لحظةً، إذ أمسك بيدي وأنهضني فورًا.
“هوك!”
اعترض راينر طريق نايكي الذي كان يحاولُ إخراجي من القبو.
“هل جُننتَ؟”
“تولَّ أنتَ الأمر هنا. سأعودُ سريعًا.”
“لا تخبرني أنّك تنوي الاستماع لكلام هذه الطفلة الآن؟”
“تنحَّ جانبًا. ليس لدينا وقتٌ.”
“هوك!”
أخرجني نايكي إلى الخارج.
كان هناك حصانان أسودان خلف المقرّ. أركبني نايكي على ظهر أحدهما، ثمّ صعد خلفي.
كانت حركاته سريعةً ومنظّمةً بلا زيادةٍ أو نقصانٍ.
“هل تسكنين في بيلزر؟”
كيف عرف ذلك؟ استغربتُ الأمر لكن لم يكن هناك وقتٌ للاستفسار عن كلّ شيءٍ.
“منزلي هناك بالفعل، لكنّني أقيمُ الآن في كونيغ. في أكبر نزلٍ يقعُ أمام الميناء مباشرةً.”
انطلق نايكي بالحصان على الفور.
وأثناء الركض، شعرتُ بدفءٍ افتقدتُه يغمرُ ظهري.
لمسة يديه المألوفة وهي تحيطُ بي من الخلف. رائحته التي لم تتغيّر.
انهمرت دموعي. هذه المرّة لم أحاول كتمانها بل تركتُها تنسابُ.
ففي مثل هذا الفجر، هناك أسبابٌ كافيةٌ لبكاء طفلةٍ اختُطفت فجأةً. لن يظنّ أنّ الأمر غريبٌ.
كان نايكي يتصلّبُ في كلّ مرّةٍ كنتُ أشهقُ فيها بصوتٍ عالٍ.
كان يشدّ قبضته على اللجام، ويحاولُ تهدئتي وهو يحتضنني من الخلف.
“لا بأس.”
“سأعيدكِ إلى والدكِ.”
“لن أؤذيكِ.”
“أنتِ في طريقكِ إلى والدكِ حقًّا.”
وهكذا، بكلماتٍ مبعثرةٍ تفتقرُ إلى الخبرة في طمأنة الأصغر منه….
‘يا لكَ من أحمق.’
لقد كان كما هو دائمًا. قديمًا والآن.
يفعلُ ذلك رغـم عِلمهِ بأنّ تركي على قيد الحياة يعني المخاطرة بخطرٍ كبيرٍ.
كما فعل عندما أعادني بالزمن لينقذني.
وكما فعل عندما باح لي بسرٍّ يتوقّفُ عليه موته ليثبت لي حبّه.
كلّها تصرّفاتٌ حمقاءُ حقًّا….
لكنّني أحببتُ هذا الرجل لأنّه بهذا النوع من الحماقة.
“أهذا هو المكان؟”
“نعم….”
وصلنا إلى وجهتنا قبل أن أشعر.
توقّف نايكي في زقاقٍ بعيدٍ قليلًا عن المبنى وأنزلي.
“شكراً لك لأنّك أنقذتني.”
قلتُ الكلمات التي جهّزتُها كي يطمئنّ: “لا تقلق أبدًا. أبدًا أبدًا. أقسمُ لكَ، لن أقول لأحدٍ عمّا حدث اليوم.”
“…….”
نظر إليّ نايكي للحظةٍ ثمّ صعد على صهوة جواده.
“آه، انتظر لحظة…”
أمسكتُ بطرف بنطاله دون وعيٍ.
نظر إليّ نايكي من فوق حصانه، ولم يظهر منه سوى عينيه خلف اللثام.
أريد رؤيته. أريد رؤية وجهه.
لكنّني أعلمُ أنّ ذلك مستحيلٌ. وبدلًا من ذلك، قلتُ له باندفاعٍ:
“ا- انتظر هنا قليلًا. خمس دقائق، لا، دقيقة واحدة فقط. أرجوك.”
ودون أن أنتظر منه ردًّا، ركضتُ داخل النزل.
التعليقات لهذا الفصل " 33"