الفصل 32
كانت لونا في حالة من الذهول التامّ.
“هـ- هل تقولين إنّكِ ستأتين بمحض إرادتكِ؟”
“إذًا، هل ظننتِ أنّني سأترككِ ترحلين هكذا؟ أنتِ شخصٌ مشبوهٌ يستهدفُ أبي. ماذا لو فعلتِ شيئًا كهذا مجدّدًا؟”
غرزت فانيسا فوهة المسدس بعمقٍ أكبر.
“أنا أتعاونُ معكِ، لذا استمعي لكلامي. تعلمين أنّه لو كانت نيّتي إخبار أبي، لصرختُ أكثر من عشرِ مرّاتٍ منذ وقتٍ طويلٍ.”
… هذا صحيح. لو صرخت هذه الطفلة هنا الآن، سيخرجُ رايان فاسنبيرغ فورًا.
وحينها، ستكون نهايتها هي الموت المحتّم على الأقلّ.
لم تكن تعرف ما هي الخطة التي تدور في رأس هذه الطفلة الغامضة، لكن لم يكن أمامها خيارٌ سوى الانصياع حاليًّا.
“…….”
-وخزة، وخزة
بدأت لونا بالمشي حين استحثّتها فانيسا بوخزةٍ في خصرها.
وفي تلك الأثناء، كانت تفكر.
‘مَن تكون هذه الطفلة؟ هل كانت تشكّ بي منذ البداية؟ يبدو الأمر كذلك. ولكن، إن كان الأمر كذلك، فلماذا لم تنادِ والدها وتبعتني بكلّ بساطة؟ وهي تحملُ مقلاعًا لا يملكُ حتّى قوّةً قتاليةً. مَن يدري مَن سيكون بانتظارنا في الطريق…’
“آه، تذكّرتُ.”
حينها سألت فانيسا: “بالتأكيد تركتِ أثرًا لأبي، أليس كذلك؟ شيءٌ مثل، إذا أردتَ رؤية ابنتك ثانيةً، فتعالَ إلى هذا المكان.”
… طفلةٌ في الثانية عشرة من عمرها، وتتأكّدُ حتّى ممّا إذا كانت ترتيبات الاختطاف قد تـمّت بشكلٍ صحيحٍ.
الآن حقًّا لم تعد تفهمُ شيئًا.
“أجل، لقد تركتُ أثرًا.”
“جيّد، لنكمل طريقنا إذًا.”
مشت لونا حتّى وصلا إلى المكان المتّفَق عليه. وبعد الانعطاف في عدّة أزقةٍ والخروج إلى الطريق الرئيسيّ، ظهرت عربةٌ.
“الآن، أنزلي يديكِ.”
أنزلت لونا ذراعيها المرفوعتين استجابةً لأمر فانيسا.
كان غوستاف ريتشمان، والد لونا، ينتظرُ أمام العربة بوجهٍ قلقٍ.
“لونا…؟”
ارتبك غوستاف حين رأى ابنته، التي كان من المفترض أن تختطف الطفلة، وهي تُقادُ كأنّها هي المختطفة.
“أيّها العمّ؟ افتح العربة.”
أمرت فانيسا غوستاف، الذي كان يشاطرُ ابنته الارتباك ذاته.
“ماذا…”
“بسرعة.”
رأى غوستاف المسدس الموجّه نحو خصر لونا، ففعل ما أُمر به.
لم يكن هناك أحدٌ داخل العربة.
“هل يعقل… أنّك أنت والحوذيّ فقط؟ ألا يوجدُ مرتزقةٌ آخرون؟”
‘هل تمنّيتِ وجودهم؟’ كادت لونا أن تنفجر غضبًا لكنّها تمالكت نفسها.
“يا إلهي. هل أنتم مهملون إلى هذا الحدّ؟ لقد استخففتم بي كثيرًا لمجرّد أنّني طفلةٌ في الثانية عشرة.”
نقرَت فانيسا بلسانها ثمّ أشارت بذقنها نحو غوستاف.
“اركب، أيّها العمّ.”
“لـ- لونا؟ ما الذي يحدثُ…”
“أبي، اركب أوّلًا.”
صعد غوستاف إلى العربة بارتباكٍ، وتبعته لونا وفانيسا.
ثمّ، ‘طق’.
أقفلت فانيسا باب العربة بنفسها.
‘أيّ نوعٍ من الأطفال هذه؟’
أطلقت لونا ضحكةً ساخرةً من شدّة الذهول.
وبعد أن ابتعدت العربة لمسافةٍ كافيةٍ، شعرت لونا بالاطمئنان وقالت:
“هل أنتِ حمقاء؟ هل تبعتِنا بمحض إرادتكِ وأنتِ تحملين هذا المسدس التافه فقط لتكتشفي هويّة من يستهدفون والدكِ؟”
“…….”
“لقد تعرّضتِ للاختطاف الآن. عندما نصل، سيكون هناك الكثير من البالغين القادرين على السيطرة على طفلةٍ مثلكِ بسهولةٍ.”
كانت تحاولُ تخويفها بطريقتها، لكنّ فانيسا سخرت منها.
“بالتأكيد سيكونون موجودين. لولا وجود مثل هذه التجهيزات، فكيف كنتم ستُهدّدون أبي الذي سيأتي للبحث عنّي غدًا؟”
“…….”
عجزت لونا عن الكلام.
‘هل لدى هذه الطفلة ركيزةٌ تعتمدُ عليها؟ لا، حتّى لو كان لديها، فقد فقدت كلّ شيءٍ بمجرّد صعودها إلى هذه العربة بإرادتها؟’
بمجرّد وصولهم إلى المقرّ، سيتمّت السيطرة بسهولةٍ على طفلةٍ لا تملكُ سوى مقلاعٍ واحدٍ.
‘أهي ذكيّةٌ أم غبيّة؟’
نظرت لونا بذهولٍ إلى الطفلة التي كانت الآن تكتّفُ ذراعيها وتستندُ بمرونةٍ إلى ظهر المقعد.
* * *
لم أنم، وكنتُ أنتظرُ والمسدس محشوٌّ بالرصاص.
كما توقّعتُ، تسلّلت إيمي إلى غرفتي في الفجر وفتحت الباب.
ربما استخفّت بي لأنّني في الثانية عشرة، فاستدرجتني بكذبةٍ مهلهلةٍ…
وكما توقّعتُ، كان والد إيمي بانتظارنا.
وكما توقّعتُ، انطلقت العربة.
إن كان حدسي في محلّه، فإنّ الوجهة التي تتّجه إليها هذه العربة هي بالتأكيد…
‘قاعدة التجارب’.
وبناءً على المعلومات التي سمعتُها من ريڤان…
الرجل الذي يركبُ معي في العربة الآن هو الأستاذ غوستاف ريتشمان. وإيمي هي ابنته، واسمها الحقيقيّ لونا ريتشمان.
وحتّى لو لم يكن الأمر كذلك، عليّ التعرّف على القوى التي تستهدفُ رايان على أيّ حالٍ.
أيًّا كان مَن يقف وراء ذلك.
“كم بقي من الوقت؟”
“سنصلُ قريبًا.”
“آه، حقًّا؟ من الجيّد أنّ المكان ليس بعيدًا. يبدو أنّه في كونيغ.”
“…….”
رمقتني إيمي بنظرةٍ حادّةٍ.
السبب في كوني سمحتُ باختطافي بمحض إرادتي؟
بالطبع هناك سببٌ.
ماذا لو كان هؤلاء يخطّطون لاستئناف ‘تجارب زراعة القدرات الخارقة’ التي فشلت قبل 12 عامًا بعد أن كشفتها عائلتنا؟
لأنّني يجبُ أن أجد ذلك المقرّ.
أين أقاموا قاعدة التجارب، ومَن هي القوى المشاركة وما هو حجمها، وأيضًا…
‘لإجراء التجارب، لا يحتاجون إلى أصحاب قدراتٍ فقط. بالتأكيد جهّزوا فئران تجارب لتُزرع فيهم القدرات.’
في الماضي، كان فئران التجارب من الأطفال ذوي معدّلات الزرع العالية.
إذًا، سيكون هناك أطفالٌ لا حول لهم ولا قوّة.
ولإنقاذ هؤلاء الأطفال، لا بدّ من معرفة عدد الأفراد.
على أيّ حالٍ، هدفهم هو الحصول على تعاون رايان، لذا لن يؤذوني كي لا يثيروا غضبه…
إذًا، سأتظاهرُ بالاختطاف وأدخلُ المقرّ بنفسي لأعرف حجم قاعدة التجارب وحالتها، ثمّ.
‘سأعيدُ الزمن وينتهي الأمر.’
بمجرّد إدخال كلّ المعلومات في رأسي، سأعيدُ الزمن إلى ما قبل اختطافي وهذا كلّ شيءٍ.
“انزلي.”
توقّفت العربة.
منطقة سكنية في كونيغ.
كانت هناك منازلُ عائليةٌ متجمّعةٌ، وقادتني إيمي إلى أحدها.
“أيّها العمّ.”
طرحتُ السؤال الذي كنتُ أكتمه، خوفًا من أن يصابوا بالذعر ويتراجعوا في منتصف الطريق.
سألت والد إيمي.
“هل أنت الأستاذ غوستاف ريتشمان؟”
“….!”
لقد تفاجأ. إذًا هو بالفعل.
الآن أصبح الأمر مؤكّدًا.
“ارفعي يديكِ!”
نخستني إيمي، أو بالأحرى لونا، في خصري وكأنّها تحاولُ الانتقام.
رفعتُ يديَّ باستسلامٍ وتقدّمتُ للأمام كما كانت تدفعني لونا.
أمامي الأستاذ غوستاف.
وخلفي ابنته لونا.
بهذا الوضع، توجّهنا نحو القبو.
‘لقد أحسنوا صنع هذه المساحة في منزلٍ عاديٍّ.’
كانت الشمعدانات معلّقةً على كلّ جدارٍ في السلالم المؤدّية للأسفل.
شعرتُ وكأنّنا نزلنا لثلاثة طوابق تقريبًا.
وعندما اقتربنا، اخترقت رائحة الدماء أنفي…
‘لحظة. رائحة دماء؟’
لماذا؟ هل أصيب فئران التجارب بالفعل؟
شعرتُ بالارتباك، ويبدو أنّني لم أكن الوحيدة، فقد فزع الأستاذ غوستاف أيضًا حين رأى بقع الدماء المتناثرة عند المدخل.
ثمّ–
عندما فُتح الباب، ما رأيناه كان…
“مـ- ما الذي حدث هنا!”
خمسُ جثثٍ لمرتزقةٍ ملقاةٍ على الأرض، مصابةٍ بجروحٍ قطعيّةٍ في الرقبة وكأنّهم ذُبحوا ببراعةٍ.
“اممم! اوووب!”
“اوببب!”
وستّة باحثين يرتدون المعاطف البيضاء، مكمّمي الأفواه ومربوطين بالحبال ومرغمين على الجثوّ.
“ماذا؟ لماذا الجميع هكذا!”
اندفعت لونا من خلفي وهي تصرخُ.
بدأ الأب وابنته بفكّ الكمّامات عن أفواه الباحثين.
‘يبدو أنّ خطبًا ما قد حدث، أليس كذلك؟’
تفحّصتُ القبو بتوتّرٍ.
المكان في حالة فوضى عارمةٍ. الخزائن فارغةٌ وكأنّ أحدهم قد نهبها.
الزجاجات المحطّمة والدوارق ملقاةٌ على الأرض…
نارُ المدفأة تشتعلُ بقوّةٍ.
بدت هناك حزمٌ من الأوراق تُحرقُ للتوّ.
ما هي؟ هل يعقلُ أنّها بياناتُ الأبحاث؟
يراودني شعورٌ بأنّ الأمور ساءت كثيرًا…
‘يبدو أنّ والدي قد كشفهم؟’
الوضع يوحي بأنّ هناك قوةً تحاولُ التستّر على قاعدة التجارب قد سبقتهم.
وفي هذه الحالة، يكون فاسنبيرغ هو الاحتمال الأكبر.
“خلفكم، خلفكم!”
صرخ أحد الباحثين الذي فُكّت كمّامته للتوّ.
خلفنا؟
“أبي!”
صرخت لونا.
في تلك اللحظة، ظهر رجلٌ ملثّمٌ كان يختبئُ خلف الباب ووضع سيفه على عنق غوستاف.
“مـ-مـ- مَن أنت!”
“اجثُ على ركبتك.”
أمر الرجل بنبرةٍ منخفضةٍ بدل الإجابة.
‘أوه. ما هذا؟’
لسببٍ ما، شعرتُ أنّ صوته مألوفٌ، فتجمّدتُ في مكاني للحظةٍ.
جثا غوستاف ولونا على ركبتيهما وهما يرتجفان كما قال الرجل.
وأنا جثوتُ معهما بشكلٍ تلقائيٍّ.
لم أستطع إبعاد نظري عن الرجل الذي لم يظهر منه سوى عينيه.
نظرةٌ حادّةٌ.
وعينان زرقاوان.
‘… هذا غير معقول.’
إنّه شيءٌ لا يمكنني نسيانه أو عدم معرفته أبدًا.
“الأستاذ غوستاف ريتشمان. أجب عمّا سأسألكَ عنه الآن دون كذبٍ.”
في اللحظة التي فتح فيها فمه وأثبت هويّته بصوته بشكلٍ قاطعٍ.
وجدتُ نفسي أخفضُ رأسي.
ذلك الرجل…
هو حبيبي، نايكي.
التعليقات لهذا الفصل " 32"