عند عودتها إلى المطعم، صادفت لونا رايان وهو في طريقه للخروج.
“أوه، إلى أين أنت ذاهب؟”
“آه، ذاهبٌ لأكسب بعض المال.”
قال رايان وهو يتنهّد بعمق وكأنّ الأمر يمثّل عبئًا عليه.
“لديّ ابنة وأخ… وهناك فمان عليّ إطعامهما.”
“يا للهول. لابد أن هذا مُتعب.”
راقبت لونا ظهر رايان وهو يبتعد بخطوات واسعة، وابتلعت ريقها بتوتّر.
‘لقد كنتُ واهمةً حقًّا حين فكّرتُ في إخضاعه باستخدام بضعة مرتزقة. كان ذلك تهوّرًا محضًا.’
في البداية، كانت تنوي اختطافه مهما كلّف الثمن.
خمنت مسار رايان الذي سيسلكه بعد خروجه من السجن قادمًا إلى هذه المنطقة، وجهّزت قاعدة للتجارب في مدينة كونيج الساحليّة…
“قد يكون من الصعب إخضاعه بالقوّة. يجب أن نجهّز وسيلة للتقرّب منه بشكل طبيعيّ مع إخفاء هويّتنا.”
لتحسّب أيّ طارئ، قامت لونا بالعمل كتمويه في أكبر مطعم بالمدينة.
وتمامًا كما توقّعت وصل رايان لهنا.
لكن في اللحظة التي تأكّدت فيها من وصول هدفها، بعد نزوله من السفينة في كونيج، أُصيب غوستاف وابنته بالذهول وهما يتربّصان مع المرتزقة والمخبرين.
فمن أجل محاولة إخضاعه بالقوّة، كانت مواصفات جسد الهدف تفوق توقّعاتهم بمراحل…
‘لو لم يكن ريڤان بجانبه، لما استطعتُ حتّى تمييز ما إذا كان هذا هو الهدف المقصود!’
فقد كانت جسده لا تشبه أبدًا اللوحة الشخصيّة التي حصلوا عليها لرايان فاسنبيرغ عندما كان في الثانية عشرة من عمره، مهما حاولوا المقارنة!
‘حتّى إنّه دخل إلى بيلزر قبل أن نتمكّن من فعل أيّ شيء.’
“اهـ- اهدئي يا لونا. ألم نتوقّع وجود متغيّرات؟”
المتغيّر الأوّل كان رايان الذي أصبح ضخم البنية.
والثاني هو ريڤان الذي يرافقه بشكل مفاجئ.
أمّا الثالث فكان… تلك الطفلة مجهولة الهوية بجانب رايان.
‘مَن تكون تلك الفتاة بحقّ الجحيم؟’
بعد التأكّد من الحوذي الذي نقل الثلاثة إلى بيلزر، قيل إنّها ابنة رايان.
…؟؟
ابنة؟ حقًّا؟
لم تصدّق الأمر، لكن لم يكن هناك سبب يدعو رايان لاصطحابها معه إن لم تكن طفلته.
‘يا له من مجنون حقًّا…’
شيطان ارتكب جريمة قتل وحرقًا لإخفاء الأدلّة وهو في الثانية عشرة فقط.
لا عجب إن كان قد أنجب طفلًا في سنّ مبكرة قبل دخوله السجن.
‘لكن هذا في الواقع يصبّ في مصلحتنا.’
اكتشفت لونا حقيقة غير متوقّعة خلال تواصلها مع مجموعة رايان لمدّة أربعة أيام.
وهي أنّ رايان يحبّ ابنته كثيرًا.
علاوة على ذلك، يبدو أنّه ينوي إطعام الطفلة بجهده الخاصّ، فهو يخرج للعمل يوميًّا!
‘لابدّ وأنّها قطعةٌ من دمه على أيّ حال.’
بسبب وجود هذه الابنة غير المتوقّع، أصبح الأمر أسهل.
قد يكون من الصعب إخضاع رايان بالقوّة، ولكن ماذا عن ابنته؟
أليس من قبيل المصادفة الإلهيّة أن يحبّ ذلك الشيطان الذي لا يملك قلبًا ولا دموعًا ابنته بهذا الشكل المفرط؟
“آه، إيمي! هل عدتِ من السوق؟”
في تلك اللحظة، رأت فانيسا وريڤان وهما ينزلان من الطابق الثاني. كانا متأهّبين للخروج.
“نعم، أيّتها الآنسة الصغيرة. إلى أين أنتما ذاهبان؟ لقد خرج والُدكِ قبل قليل.”
“أبي ذهب للعمل. وأنا ذاهبة مع أخي لشراء ملابس من المحلّ القريب.”
“واو، حقًّا؟ هذا رائع. اشتري ملابس جميلة وعودي.”
“حاضر!”
دخلت لونا إلى المطبخ وهي تبذل قصارى جهدها لتجنّب النظر إلى ريڤان.
رأت من خلال نافذة المطبخ ظهريهما وهما يغادران الباب وهما يتجاذبان أطراف الحديث.
‘سيكون الأمر خطيرًا إذا استغرق الأمر وقتًا أطول وأثرتُ الشكوك. لذا…’
ففي فجر اليوم سوف تنفّذ الخطّة.
* * *
كنتُ في الطريق مع ريڤان.
كان لا يزال يختلس النظر إلى وجه إيمي قبل قليل.
“هل تشبهها إلى هذا الحدّ؟”
“نعم. هل أسألها إذا كانت قد غيّرت اسمها؟ …كلا، ستظنّ أنّني أحاول التودّد إليها.”
“…….”
سألتُه لأنّ هناك نقطة كانت تشغل بالي.
“قلتَ إنّها تشبه ابنة أستاذ الأكاديميّة، أليس كذلك؟ ألم يُحاكم ذلك الأستاذ بتهمة التجارب غير القانونيّة؟”
“كلا. لقد تقاعد منذ وقت مبكر. كانت زوجته مريضة، وعلى حدّ علمي، استقال من منصبه ليتفرّغ لرعايتها بنفسه.”
“يا للأسف. هل كانت مريضة؟ وبماذا؟”
“لا أعرف التفاصيل. ربّما كان مرض عُضال.”
“…….”
صمتُّ قليلًا ثمّ سألت: “ألم يذهبوا إلى المعبد مثلًا؟”
“المعبد؟ …آه. هل تقصدين الأخ الرابع في عائلتكم؟”
“آه، نعم.”
أخي الرابع، غابرييل فاسنبيرغ.
هو يمتلك قدرة خارقة متخصّصة في علاج التسمّم والإصابات الداخليّة.
حتّى الأمراض المستعصية مجهولة السبب كانت تُشفى بلمسة واحدة من غابرييل وكأنّها لم تكن.
لذا، قامت عائلتنا بإنشاء طائفةٍ تسمّى ‘طائفة الخلاص’ وأسّست اماكن في كلّ مكان، وكان غابرييل يلعب دور زعيم الطائفة ويمتصّ تبرّعات الأتباع الذين يستميتون لطلب العلاج.
كان شخصًا غريبًا ومجنونًا…
“لا أعرف بدقّة، لكنّه كان رجلًا يفعل أيّ شيء لعلاج زوجته، فكيف لا يذهب للمعبد… لو كانت عائلتكم قد قدّمت أيّ مساعدة لما كانت قد توفّيت.”
“هل توفّيت؟!”
“نعم، منذ زمنٍ بعيد. حتّى إنّني حضرتُ جنازتها.”
“آه، فهمت.”
توقّفتُ عن السير لبرهة.
‘هممم.’
التفتُّ خلفي نحو المطعم الذي خرجنا منه للتوّ، وفكّرتُ في الموظّفة إيمي.
* * *
في ذلك الوقت بقلب مثقل، فكّر الأستاذ غوستاف ريتشمان في زوجته الراحلة.
كانت تريد العيش، وكان من الممكن أن تعيش.
لكنّه ماضٍ قد فات.
ومن أجل زوجته الميّتة وزملائه الأساتذة، سيفعل فقط ما بوسعه فعله.
‘يجب على الإمبراطور أيضًا أن يرسل القوّات العسكريّة بسرعة…’
كان <مشروع كونراد> الذي فشل قبل 12 عامًا تجربةً أقرّتها الإمبراطوريّة ضمنيًّا.
وهذه المرّة أيضًا، طلب غوستاف المساعدة من الإمبراطور.
فهذه تجربة يجب إجراؤها سرًّا لتجنّب ملاحقة فاسنبيرغ.
وبالطبع، كان من الصعب القيام بذلك بمفرده دون موارد وبشرية وماليّة.
* * *
كان وليّ عهد إمبراطوريّة فالنسييه، فاين فالنسيا، رجلًا ذكيًّا يدير شؤون البلاد نيابة عن الإمبراطور الضعيف.
وبما أنّه كان شابًّا، فقد كان مفعمًا بالحماس وحاول بكلّ طاقته ألّا يستسلم للقوى الفاسدة التي تحاول التحكّم في الإمبراطوريّة.
ربما كان لوالد فاين، الإمبراطور، نفس الحماس في شبابه.
لكنّه فقد كلّ رغبة في القتال بعد أن عانى طوال حياته من أصحاب القدرات الخارقة الذين أعماهم الجشع للسلطة.
“تفضّل بالدخول يا نايكي. لماذا تبدو شاحبًا هكذا؟ لا تخبرني أنّك لا تأكل إلا عندما أتصل بك.”
أعدّ فاين إفطارًا بسيطًا في مكتبه واستدعى شقيقه الأصغر، الأمير الثالث نايكي، ليجلس معه.
كان يفعل ذلك ليقضي وقتًا مع أخيه الصغير الذي يشعر تجاهه بالأسى والدين.
“شكرًا لك، يا صاحب السموّ.”
تحدّث نايكي بجمودٍ كعادته.
ومع ذلك، كان فاين سعيدًا بذلك. فهو أخوه المسكين والمحبّب.
“حسنًا، كُل كثيرًا.”
منذ 13 عامًا، بدأ ‘مشروع كونراد’ سرًّا لمواجهة أصحاب القدرات الخارقة.
خضع نايكي لتجربة زراعة القدرات وهو في الرابعة من عمره فقط.
لقد أرسله الإمبراطور بنفسه.
في عمر لم يكن يدرك فيه حتّى ما الذي يُفعل به…
لا يعرف فاين حجم الفظائع التي مرّ بها أخوه. لكنّه عاد حيًّا.
النجاح الوحيد لمشروع كونراد.
حقيقة أنّ نايكي صاحب قدرة خارقة لم تكن معروفة إلا للإمبراطور ووليّ العهد.
“سموّك، هناك رسالةٌ يجب أن تطّلع عليها.”
في تلك اللحظة، جاء المساعد. شعر فاين بالانزعاج.
“ألم أقل لك ألّا تقاطعني عندما أكون مع أخي.”
“أعتذر بشدّة. ولكنّه اتصال طلبتَ منّي إبلاغك به فورًا…”
“….!”
ارتبك فاين.
“…أهو ذلك الشخص؟”
“نعم.”
التفت فاين خلسةً نحو نايكي.
كانت نظرات الأخ مليئة بالتساؤل.
ابتسم فاين بابتسامة متكلّفة وقام من مقعده ليتوجّه بنفسه نحو المساعد عند الباب.
ارتجفت يد فاين وهو يتسلّم الرسالة.
‘الأستاذ ريتشمان…’
كانت هذه المراسلة قد تمّ اعتراضها وهي في طريقها إلى الإمبراطور.
غوستاف ريتشمان.
الشخص الذي تواصل مع الإمبراطور بسرّية تامّة، معلنًا رغبته في استئناف تجربة زراعة القدرات الخارقة.
ويبدو أنّ الإمبراطور قد ردّ ردًّا إيجابيًّا، إذ تكرّرت المراسلات بينهما، لكنّ فاين لم يعلم بهذا الأمر إلا مؤخّرًا.
‘أبي، مهما كان قدر ما فقدتَه من رشد، فإنّ هذا جنون محض.’
لم يكن فاين ينوي السماح بتلك التجربة الفظيعة أبدًا.
ربما وافق الإمبراطور على التجربة في الماضي والحاضر كمن يتشبّث بقشّة، ولكن…
‘أنا لستُ كذلك.’
لا يمكن قبول مثل هذه التجارب اللاإنسانيّة. ذلك الماضي المروّع الذي تحوّلوا فيه إلى شياطين للإمساك بالشياطين. يجب ألّا يتكرّر أبدًا.
“….!”
لكن فاين أُصيب بالذهول عند قراءة الرسالة.
[بدو أنّ هذا سيكون اتصالي الأخير.
لقد وجدتُ طريقة للحصول على صاحب قدرة خارقة، وسأبدأ التجربة فورًا.]
‘هـ-هذا الرجل المجنون…’
[أنت تعلم أنّ المخاطرة كبيرة بوجودي أنا وطلّابي الضعفاء فقط.
يجب أن نتحمّل مخاطرة كشفنا أو تتبّعنا من قِبل فاسنبيرغ.
أنا أبلغك بموقع قاعدة التجارب التي لم أذكرها من قبل لأسباب أمنيّة، فأرجو إرسال قوّات الحماية والتمويل…]
“صاحب السموّ.”
في تلك اللحظة، ناداه نايكي الذي اقترب منه دون أن يشعر.
التعليقات لهذا الفصل " 30"