الفصل 29
“كلا، ما الذي يوجد هناك بحقّ الجحيم! …كم قيمته؟”
همس رايان.
“كلّها مجوهرات، لذا يجب أن أبيعها في مكان يقدّر قيمتها جيّدًا. إذا بعتُها، فربّما…”
رفعتُ أربعة أصابع.
“خمّن. الوحدة هي الذهب.”
“400؟”
هززتُ رأسي نفيًا.
“…4 آلاف؟”
هززتُ رأسي نفيًا مرّة أخرى.
“…….”
اتّسعت فجوة فم رايان إلى أقصى حدّ.
أغلقتُ فكّه الذي كاد يسقط وقلتُ:
“خذ هذا الرقم وأضف صفرًا آخر في نهايته.”
“هذا جنون.”
التفت رايان حوله بسرعة، ثمّ خفض صوته ووبّخني.
“كيف تتجوّلين وفي تنّورتكِ 40 ألف قطعة ذهبيّة! هل تريدين أن أوبّخكِ؟ ماذا لو سرقها أحد!”
“آه، بالطبع ليست معي الآن~ لقد تركتُها في غرفتي في بيلزر، إنّها محفوظة بعناية. لا يوجد هناك أحد يسرقها سوى الدببة، لذا الأمر بخير~”
“هاه…”
20 ألف ذهبيّة، كان ذلك الراتب الاستثنائيّ الذي جعل كارلي تتخلّى عن المركز الأوّل دون تردّد وتأتي إلى فاسنبيرغ.
إذا عرضتُ عليها ضعف ذلك المبلغ، فإنّ كارلي المهووسة بالمال ستحضر بالتأكيد حتّى مرتزقتها معها.
بالطبع المال مهمّ، لكن بما أنّني سأحضر أقوى شخص في الأمبراطورية، فقد جهّزتُ نفسي لإقناعها بالحديث أيضًا…
“ما الذي تتسارران بشأنه أنتما الاثنان؟”
“سأخبرك لاحقًا، لاحقًا.”
لوّح رايان بيده لريڤان المرتبك وهو يشعر بالذهول.
في تلك اللحظة.
“لقد وصل الطعام. أنا آسفة. هل انتظرتم طويلًا؟ لقد تزايدت الطلبات فجأة…”
جاءت إيمي، موظّفة المطعم ذات شعر ذيل الحصان المرتّب، وهي تجرّ عربة الطعام.
“هل نمتِ جيّدًا، أيّتها الآنسة الصغيرة؟”
“نعم~”
وضعت إيمي الأطباق وهي تبتسم بلطف.
خلال إقامتي هنا لمدّة أربعة أيام، أصبحتُ مقرّبة تمامًا من إيمي، الموظّفة التي تبلغ من العمر عشرين عامًا.
إيمي طيّبة، رقيقة، كثيرة الابتسام، و…
‘جميلة.’
لم يكن جمالًا مبهرًا، لكنّها كانت حسناء لدرجة تجعل أيّ شخص يعجب بها.
يا للصدفة أن تكون موظّفة المطعم فاتنة.
راقبتُ الجانب بسرعة بعينين حذرتين.
‘ممنوعٌ الوقوع في الحبّ…!’
رايان، أسدنا الجائع، كان يركّز بصره فقط على الأطعمة التي تُقدّم.
يبدو غير مهتمّ بتاتًا. لحسن الحظ…
“؟”
لكن ظهر كمين غير متوقّع.
كان ريڤان يتأمّل وجه إيمي بإمعان شديد.
‘ألا يجبُ منع الحبّ عليه أيضًا…؟’
نقرتُ على الطاولة بالشوكة.
“أخي؟ من الوقاحة أن تحدّق في وجه الشخص هكذا.”
“أوه؟ آه، أنا آسف. شعرتُ أنّها تشبه شخصًا أعرفه كثيرًا…”
واو. ما هذه الجملة التقليديّة المبتذلة التي لا تثير أيّ اهتمام أو تأثّر.
صلصلة، طرقعة!
“يا إلهي!”
في تلك اللحظة، أفلتت إيمي الطبق. و انسكب نصف الحساء على الطاولة.
“يا للسماء! أنا آسفة. أنا آسفة حقًّا. سأحضره لكم مرّة أخرى.”
“آه، لا بأس~”
“لقد بدأتُ العمل منذ شهر واحد فقط… أنا آسفة. سأحضر غيره فورًا.”
انحنت إيمي برأسها أربع مرّات معتذرة ثمّ عادت إلى المطبخ، بينما قال ريڤان وهو يمسح الحساء المنسكب بإهمال:
“تلك الآنسة نشيطة ومجتهدة~”
“أخي، توقّف عن هذه الكلمات السمجة…”
“هاه؟ أيّ كلمات؟”
“أقصد محاولتك للتودّد بقولك إنّها تشبه شخصًا تعرفه. انظر كيف كانت إيمي ترتجف وتهرب من شدّة انزعاجها.”
“آه. هل بدا الأمر كذلك؟ لم يكن هذا قصدي! لقد قلتُ ذلك لأنّها تشبه حقًّا شخصًا أعرفه…”
بدى تعبير ريڤان المعتذر صادقًا لسبب ما. سأل رايان وهو يقطّع الخبز:”أيّ شخص تعرفه؟ من هي.”
“آه، عندما كنتُ في الأكاديميّة، كان هناك أستاذٌ متقاعد لديه ابنةٌ.”
أظلم تعبير ريڤان وكأنّه يتذكّر الماضي.
“لقد كان مقرّبًا من والديّ بالتبنّي، لذا كنتُ أذهب إلى منزل ذلك الأستاذ أحيانًا. حسنًا كان لديه ابنة، ولو كبرت لكانت ستبدو تمامًا مثل ذلك الوجه…”
“حقًّا؟ إذا كانت تشبهها إلى هذا الحدّ، أليست هي نفس الشخص؟”
“همم، لا أظنّ ذلك. ما الذي سيأتي بفتاة كانت تعيش في العاصمة إلى هنا لتعمل في مطعم. كما أنّ الاسم مختلف. تلك الآنسة قالت إنّ اسمها إيمي…”
تنهّد ريڤان متمتمًا ثمّ رفع شوكته.
“لنأكل فقط. أشعر بالاكتئاب لمجرّد التفكير في الماضي مجدّدًا.”
* * *
مطعم رامبو، الذي يقع في موقع مميّز في المدينة الساحليّة كونيج ويجمع بين الفندقة والمطعم.
إيمي، الموظّفة المبتدئة التي أكملت شهرها الأوّل اليوم، كانت تسير بنشاط وهي تحمل المكوّنات بين ذراعيها.
“هوف. أنا مشغولة، مشغولة!”
على بُعد ثلاث وحداتٍ سكنيّة، ظهرت لافتة حمراء مكتوب عليها رامبو. لكنّ خُطى إيمي انعطفت في زقاق يسبق ذلك بمسافة.
بعد السير لكتلة إضافيّة، ظهر نزل آخر على اليسار.
دخلت إيمي بسرعة ووصلت إلى الغرفة التي في نهاية الطابق الثاني وطرقت الباب.
“أبي، هذه أنا.”
فُتح الباب. كان هناك والد إيمي، غوستاف ريتشمان، الأستاذ السابق في قسم الهندسة السحريّة في أكاديميّة الإمبراطوريّة.
“هل أتيتِ يا لونا.”
وضعت إيمي، أو بالأحرى لونا، الحقيبة الورقيّة التي تحتوي على المكوّنات وقالت بسرعة: “لا يمكننا التأخّر أكثر من ذلك. شعرتُ أنّ ريڤان تعرّف على وجهي.”
“ماذا؟”
فوجئ غوستاف.
ريڤان. الابن بالتبنّي للزوجين شنيل اللذين كانا زميلي غوستاف في التدريس.
كان الأمر كما خشي تمامًا. ريڤان الذي يعرف غوستاف وابنته كان هو المشكلة.
“لقد ارتبكتُ لأنّه تعرّف عليّ رغم مرور وقت طويل. لم نكن مقرّبين حتّى. كان من الجيّد أنّني استخدمتُ اسمًا مستعارًا منذ البداية للحصول على العمل.”
“لقد قلتُ لكِ إنّ ريڤان ليس شخصًا عاديًّا. لم يكن هناك طفل أذكى منه…”
تنهّد غوستاف وهو يتذكّر ريڤان في صغره.
“ولكن يبدو أنّ هذا الفتى لا يملك كرامة. لابدّ أنّه يعرف كيف مات والداه بالتبنّي، ومع ذلك يقضي وقته مع ابن فاسنبيرغ.”
“رأيتُه يتبعه ويناديه ‘أخي، أخي’ بكلّ ودّ. لكنّني أفهمه. الحياة غالية، وما الذي لا يمكن للمرء فعله للنجاة.”
“مهما كان الأمر، أن ينضمّ إلى ذلك الشيطان الذي قتل الكثير من الناس…!”
“أبي، اهدأ.”
لوّحت لونا بيدها أمام عيني غوستاف.
“أنا آسفة، لكن ليس لدينا وقت للغضب. سأخرجُ بالطفلة في وقت مبكر من فجر اليوم، لذا جهّز العربة وانتظر في مكان قريب.”
“…هل سينجح الأمر؟”
“يجب أن ينجح حتّى لو كان مستحيلًا. لا تضعف. هذا من أجل القضيّة الكبرى. أنت الوحيد القادر على إكمال مشروع كونراد.”
مشروع كونراد، تجربة زراعة القدرات الخارقة التي انتهت قبل 12 عامًا ولم تخلّف سوى نتائج مجزرة مروّعة.
غوستاف، الذي تقاعد في شبابه، لم يشارك في تلك التجربة.
لم يكن اسمه في قائمة أعضاء هيئة التدريس، لذا لم يُتّهم بالمشاركة في التجربة.
لكنّه كان يملك…
المواد البحثيّة التي تركها زملاؤه الأساتذة مسبقًا توقّعًا لموتهم.
لذا، هو الشخص الوحيد في الوقت الحاليّ الذي يعرف طريقة زراعة القدرات الخارقة ويمكنه استئناف التجربة.
كانت تلك هي مهمّة غوستاف.
أن يواصل إرث زملائه الأساتذة الذين ضحّوا بأنفسهم، وينجح أخيرًا في تجربة زراعة القدرات الخارقة.
غوستاف الذي كان يشعر بالعزيمة، مسح وجهه بتنهيدة بعد قليل.
“لكن مع ذلك، لا أشعر بالراحة لخطف طفلةٍ صغي.”
“أوه، أبي. أرجوك.”
العينة المطلوبة لتجربة الزراعة هي صاحب قدرة خارقة. بدون صاحب قدرة، لا يمكن حتّى المحاولة.
لكن كيف للأشخاص العاديّين الضعفاء أن يختطفوا صاحب قدرة؟
في الماضي، تمكّنوا من المحاولة بصعوبة بفضل دوق فاسنبيرغ السابق، صاحب القدرة الذي قدّم مساعدته بمحض إرادته.
“يكفي ألّا نؤذي الطفلة أبدًا. أنت تعلم أنّ هدفنا هو رايان فاسنبيرغ.”
الشخص الذي يمكنهم تعليق الأمل عليه هو… مرتكب مجزرة كونراد، الشيطان رايان فاسنبيرغ.
بما أنّه طُرد من العائلة، فمن السهل الاتّصال به، وهو الشخص الذي يمكن استخدامه كحقل تجارب دون الشعور بأيّ تأنيب ضمير.
لكن رايان كان…
الشخص الذي أحرق الأرض بأكملها بمفرده في تلك السنّ المبكرة، صاحب القدرة الخارقة المرعبة.
لكن غوستاف وابنته لونا، اللذان لم يستطيعا الاستسلام، ظلاّ يستعدّان وينتظران.
كانا ينتظران اليوم الذي سيخرج فيه رايان من السجن بهدوء.
التعليقات لهذا الفصل " 29"