كعادته دائمًا، كان يخفض صوته في الخارج ليتحدث بهدوء.
همستُ له بدوري: “أتقصد أليك؟”
“أجل. أعني… هل هو صاحب قدرة حقًّا لكنكِ أغريتِه بالهروب وأخفى قوته؟”
“لا، ليس كذلك. لم يحن وقت طرده بعد لذا علينا الانتظار قليلاً… لكن حتى حين ودعتُه آخر مرة، لم تكن قدرة أليك قد استيقظت بعد.”
“همم، فهمت.”
تذكرتُ أليك.
أليكسندر باسنبرغ.
أخي الصغير اللطيف…
–”أختي! لقد تفتحت الورود الوردية في الحديقة بشكلٍ جميل جدًّا! لقد قطفتُها لكِ لأنها تشبهكِ تمامًا!”
لقد كان طفلًا طيبًا. كان أخي الصغير الوحيد، وذكريات طفولتي مليئةٌ به.
–”أبي، ماذا سيحدث لأليك؟ أرجوك لا تطرده…”
قبل العودة بالزمن، توسلتُ لوالدي ألا يطرد ذلك الطفل الذي تبيّن أنه عديم قدرة.
–”لا تقلقي يا ابنتي. لِمَ قد أطرد ابني؟ لكن حتى لو كان عديم قدرة، فعليه أداء واجبه كفردٍ من العائلة.”
بقوله هذا، أرسل والدي أليك إلى ساحة معركة تعجّ بالوحوش الكاسرة.
طفلٌ في الثانية عشرة فقط.
كنتُ حمقاء، كنتُ آملُ أن نتمكن من العيش معًا إذا عاد أليك حيًّا.
بينما كان والدي ينوي إرساله إلى هناك ليموت ويظهر الأمر كأنّه حادث.
ثمّ… لا أدري أكان ذلك سوء حظٍ أم حسن حظ، لكن أليك استيقظت قدرته في تلك المعركة التي أُرسل إليها ليموت.
“هاااه.”
كان رايان يراقبني بتمعّن بينما أتنهدُ وأنا أتذكر أليك.
‘نعم، ألا يبدو الأمر مريبًا؟ لكنني لن أقول الحقيقة أبدًا بشأن هذا~’
أليك ليس عديم قدرة.
ليس كذلك، ولكن…
سأجعل أليك يعيش حياته كلها كعديم قدرة.
آملُ ألا يوقظ قدرته أبدًا طوال حياته.
ليظل أليك يعتقد أنّه عديم قدرة حتى اليوم الذي يغمض فيه عينيه وهو عجوز.
“إذًا!”
حينها، صفق ريڤان الجالس في المقابل.
“فلنبدأ العمل!”
آه، صحيح… نحن الآن في كونيغ.
ذلك المطعم الذي ذهبنا إليه أول وصولنا لليابسة.
لقد خرجنا من بيلزر بعد أسبوعين (بالطبع مشينا حتى وصلنا لمكانٍ يمكننا فيه ركوب العربة)، وبعد إرسال الرسالة لوالدي في مدينة كونيغ الكبيرة، قضينا أربعة أيام في نزل هذا المطعم.
“في الواقع، إذا استخرجنا أحجار المانا، فلن نضطر للقلق بشأن الرزق…”
حفر ريڤان ورايان طوال الأسبوعين الماضيين، لكن لم يظهر عرق المعدن بعد.
يجب توظيف عمال حفر محترفين، ولكن بما أننا لا نملك المال حاليًّا، فلا يمكننا حتى عرض بدل مخاطر…
“حسنًا، لذا! وبما أننا خرجنا، فهذه هي المهام التي يجب أن ننجزها قبل العودة.”
بسط ريڤان ورقةً على الطاولة وأرانا ما كتبه بجد.
~ مهامنا ~
* توفير الغذاء والمستلزمات الأساسية.
* كسب مصاريف المعيشة لشهر.
* البحث عن عمال مناجم.
“أترون؟ أنا والطفلة مسؤولان عن المستلزمات الأساسية. و…”
ابتسم ريڤان بابتسامةٍ عريضة ووضع الورقة في يد رايان.
“الباقي على عاتق الأخ الأكبر. اكسب مصاريف المعيشة، وجد لنا عمال مناجم يقبلون الذهاب إلى بيلزر مهما كلف الأمر.”
“؟”
بففف… لم أستطع كتم ضحكتي أمام تعابير وجه رايان فغطيتُ فمي.
“أنت ربّ الأسرة و لورد الأرض بعد كل شيء~”
“هل تمزح؟ لنقل إنني سأكسب المال، لكن أيّ عمال مناجم تقصد؟ من سيذهب إلى بيلزر ونحن لا نستطيع دفع بدل مخاطر؟”
“عليك أن تجد الطريقة يا أخي حاول استغلال لسانك المعسول. أخبرهم أننا سنصبح أغنياء بمجرد استخراج الأحجار، وأغرِهم بالدفع اللاحق بعد الاستخراج.”
“وهل تعتقد أنهم سيوافقون؟ سأكون محظوظًا إذا لم أُسجن مرة أخرى بتهمة الاحتيال!”
نظر إليّ الرجلان فورًا بذهول. نظرةٌ تقول “أيّ حياةٍ مرفهةٍ تطلبينها ونحن لا نملك المال؟”…
“أعتذر، لكنني لم أعتد على العيش بدون شخصٍ يحرسني…”
“يا له من تصريحٍ يشبه الأميرات! ولماذا تحتاجين لفارسٍ ووالدكِ موجود، يا ابنتي؟”
“أوه، لا، معها حق.”
تدخل ريڤان.
“إذا انشغل أخي بالعمل، فلن يتمكن من البقاء بجانبي و فانيسا طوال الوقت. فلنوظف واحدًا ولو في وقت وجودنا في المدينة فقط. لن يكون الأمر مكلفًا إذا استأجرنا فارسًا لفترة قصيرة من نقابة المرتزقة.”
“وأيّ مرتزقة قد نثق بهم؟ ابقيا ملتصقين بالمنزل بينما أكسب المال، وكفى!”
“معذرةً، لكنّي لا أريده الآن!”
أخرجتُ بحذرٍ إعلانًا كنتُ قد خبأتُه في كمي. كنتُ قد احتفظتُ به منذ أن كنا على السفينة القادمة للقارة.
[مسابقة الإمبراطورية للمبارزة الـ 105
طريقك لتصبح فارسًا مكرّمًا!]
“ستقام في العاصمة في شهر ديسمبر. أنوي الذهاب إلى هناك لاختيار واحد. ليس توظيفًا مؤقتًا، بل بعقدٍ سنوي وراتبٍ ثابت.”
“……”
“……”
صمت الرجلان بعد رؤية الإعلان.
نظر إليّ رايان وكأنني شابةٌ طائشة لا تعرف شيئًا، وحتى ريڤان لم يعد قادرًا على مسايرتي فأشاح بنظره.
‘نعم، لا بد أنني أبدو مثيرةً للشفقة.’
مسابقة المبارزة التي تقيمها العائلة الإمبراطورية كلّ شتاء.
يمكن لأي شخص يتمتع بـ ‘المهارة’ المشاركة، بغض النظر عن الجنس أو العمر أو المكانة الاجتماعية.
من يحصل على المركز الأول تمنحه الإمبراطورية لقبًا ووظيفةً في فرسان الإمبراطورية.
أيّ شخص واثقٌ من مهارته يمكنه أن يصبح فارسًا إمبراطوريًّا.
إنّه أسرع طريقٍ لتغيير الحياة!
“أنتِ حقًّا لا تعرفين كيف تسير الأمور في العالم. هل تعلمين نوع النخبة الذين يتجمعون هناك؟”
هذا صحيح. يتجمع فقط المهرة الذين لا يجدون صعوبةً في كسب رزقهم بمهارتهم.
وما يطمحون إليه ليس المركز الأول، بل وظيفة حارسٍ لعائلةٍ نبيلة.
بما أنّ الكثير من العائلات تأتي لمشاهدة المسابقة، فإنّ الهيكل يعتمد على جذب أنظارهم ليتم توظيفهم.
فالحصول على وظيفة حارسٍ في منزلٍ ثري أكثرُ شعبيةً بكثير من وظيفة فارسٍ إمبراطوري براتبٍ زهيد رغم الشرف.
‘كانت كارلي متسابقةً أسطوريّةً انسحبت من المباراة النهائية بسبب المال.’
قبل العودة بالزمن، كانت فارستي الشخصية كارلي ماهرةً لدرجة أن الجميع رشحها للفوز دون الحاجة لمشاهدة النهائي.
لكن عائلة فاسنبيرغ، التي لاحظت مهارة كارلي، قامت ببعض التحركات الخفية، وحين سمعت كارلي بالراتب الذي عرضته عائلتنا، انسحبت من المباراة النهائية دون تردد.
وضع والدي كارلي، صاحبة المهارة المشهود لها، كفارسةٍ لي؛ لأنني كنتُ أكثر أطفاله دلالاً.
–”كارلي، لماذا لم تصبحي فارسةً إمبراطوريّةً وأتيتِ إلى فاسنبيرغ؟”
–”لأنني عبدةٌ للمال.”
–”عبدةٌ للمال؟”
–”أي شخصٌ مهووسٌ بالمال.”
هذا ما قالته كارلي.
وبمعنى آخر،
‘ستذهب إلى أي مكان مقابل المال.’
أنوي أن أعرض عليها مبلغًا يعادل ضعف الراتب الذي كانت تدفعه فاسنبيرغ.
عليّ إحضار كارلي مهما كلف الأمر.
كارلي طيبة، ومريحة. ومن المحزن أنني الوحيدة التي تتذكر ذكرياتنا، لكننا نملك الكثير منها.
وفوق كل شيء.
‘تتبعها مجموعةٌ من المرتزقة كإضافة.’
قبل المشاركة في المسابقة، كانت كارلي رئيسةً لنقابة مرتزقة خاصة.
وعندما وظفتها عائلتنا، أصبحت هي فارستي، والباقون أصبحوا جنودًا خاصين لفاسنبيرغ.
“… لنذهب العام القادم، العام القادم. بعد أن نكسب الكثير من المال.”
قال رايان بنبرةٍ مهدئة، وكأنّه أساء فهم صمتي بينما كنتُ أتذكر كارلي.
“أنا آسف. نحن لا نملك المال حاليًّا. هؤلاء الذين يشاركون في المسابقة، حتى الذين يخسرون في التصفيات، يطلبون 5 آلاف قطعةٍ ذهبية كحد أدنى ليعملوا.”
“آه!”
لقد فاتني التوقيت المناسب لأقول إنني أملك المال.
لكنني تأثرتُ بلطف رايان الذي اكتشفتُه بسبب ذلك.
أن يعدني بجمع المال ليوظف لي فارسًا محترفًا بدل أن يوبخ أخته التي لا تعرف شيئًا عن العالم…
“شكرًا لك يا أبي. لكنني سأوظف حارسي الخاص بمالي الخاص.”
“ماذا؟”
حين التفت رايان متسائلًا عما أعنيه، أشرتُ إلى تنورتي.
“……؟”
تذكر رايان كيف كانت ترفع تنورتها لتخرج السكاكين والدبابيس المخبأة بمجرد لقائهما، ففغر فاهه بذهول.
التعليقات لهذا الفصل " 28"