كان ريڤان يُحضّر الغداء في المطبخ، لكنّ كلّ حواسه كانت مُتجهةً نحو الاثنين خلفه.
-صمتٌ ثقيل
كان الجوّ مشحونًا بتوترٍ يكاد ينفجر، فكلاهما يعرفُ أسرار الآخر لكنّهما يلتزمان الصمت.
“فلنأكل.”
فتح ريڤان علبة لحمٍ محفوظ ووضع بضع قطعٍ من الخبز على الطاولة.
وبينما كان يشعر بجفافِ حلقه وبدأ يرتشفُ الماء–
“أنا لستُ عديم القدرة.”
“بفففف!”
فجّر رايان هذه القنبلة بمجرّد جلوسه. ومن شدّة الصدمة، نفث ريڤان الماء من فمه كالنافورة ليبلل وجه رايان.
“يا مجنون…”
لكنّ ريڤان كان الوحيد المذعور.
“أعلمُ ذلك.”
قالت فانيسا ببرود.
“منذ متى؟”
سأل رايان وهو يمسح الماء عن وجهه.
“منذ أن قلتَ إنّك ستنتقمُ من العائلة. فليس من المنطقي أن يثق شخصٌ بنفسه هكذا وهو لا يملك شيئًا. أما نوع قدرتك، فقد تأكدتُ منها حين اصطدتَ الدبّ قبل قليل.”
“وما هي في رأيكِ؟”
“الموت المفاجئ.”
بينهما، كان ريڤان ينظر بذهولٍ وذهاب عقل إلى وجهي الأخ والأخت اللذين يواصلان هذا الحوار الصادم بكلّ هدوء.
‘لقد قرّر الاثنان التحدث بصراحةٍ تامة…’
ربما كان هذا أفضل.
“تعلمُ أنّه لا يجب أن يُكشف أمرنا لوالدنا، أليس كذلك؟”
“أعلم. وبما أنّه لا يجب أن يُكشف أبدًا، فاعلمي أنّ غدركِ بي يعني موتكِ، مفهوم؟”
“مفهوم. لستُ متهورةً لدرجة أن أغدر بصاحب قدرة يملك الموت المفاجئ.”
أخرجت فانيسا شيئًا من كمّها ودفعته نحو رايان.
“أرجوك، ابقِ فقط على حياة الأشخاص المكتوبة أسماؤهم هناك.”
كانت ورقةً مطويةً مرتين.
فتحها رايان.
ريتشارد فاسنبيرغ
كريستا فاسنبيرغ
أليكسندر فاسنبيرغ
“هذا أخي غير الشقيق الذي يكبرني بثلاث سنوات، وأختي غير الشقيقة التي في نفس عمري، وأخي الصغير غير الشقيق الذي يصغرني بسنة.”
“هاه، لقد أنجب والدي الكثير من الإخوة لي بينما كنتُ أنا في السجن.”
نقرَ لسانه بسخرية، ثمّ ألقى رايان الورقة على الطاولة.
“وما السبب الذي يجعلكِ ترغبين في إبقائهم أحياء؟”
“إنّهم طيبون. ولا يزالون صغارًا.”
“وهل سيظلون طيبين؟”
“لا أعلم. العيش في ذلك المنزل قد يدفعهم لفعل أشياء سيئة.”
“صحيح، أليس كذلك؟”
“لذا، أرجو أن تُدمر منزلنا قبل أن يصبحوا أشرارًا. بوجودي معك، ستتمكن من صقل قدرتك بشكلٍ أسرع.”
نظر رايان إلى فانيسا بصمت. كانت نظرته المباشرة كفيلةً ببثّ الرعب، لكنّ فانيسا لم تشح بنظرها.
“… حسنًا.”
قال رايان بعد فترةٍ طويلة.
“هوف. شكرًا لك.”
رغم حديثها الحازم، يبدو أنّها كانت متوترةً من الداخل، إذ مسحت صدرها وتنفست الصعداء.
عندها فقط استطاع ريڤان أن يتحدث.
“سأصابُ بعسر هضم…”
* * *
كما توقعتُ، سلك رايان الطريق المباشر.
وكان هذا مريحًا لقلبي.
الآن بعد أن عرف سري بوضوح، سيحاول إبقائي بجانبه مهما حدث.
‘على أيّ حال، ليس لديّ نيةٌ للهرب.’
والآن، سأسلك أنا أيضًا الطريق المباشر. إذا حاول رايان مواصلة الحديث، أنوي الاعتراف بكلّ شيء باستثناء حقيقة عودتي بالزمن.
فهذا سيجعل تحركاتي أسهل في المستقبل.
“فلنتحدث قليلاً.”
آه ذكرنا الدب فجاء يهرول….
دخل رايان غرفتي بعد أن طرق الباب.
“لستُ هنا لأضغط عليكِ. ولستُ أهددكِ لتقولي شيئًا. قولي ما تشائين واصمتي عمّا تشائين. لكن، إياكِ والكذب.”
وضع رايان هذه المقدمة المليئة بالتحذيرات المبطنة، ثمّ لوّح بالورقة التي أعطيتُها له.
“هل من بين هؤلاء من ساعدكِ حين طُردتِ؟”
“نعم. أخي ريتشارد.”
“أجل. توقعتُ ذلك بما أنّه الأكبر بينهم. هل يعرف هو أيضًا أنّكِ لستِ عديمة القدرة؟”
“لا. لا داعي للقلق. لا أحد في العائلة حاليًّا، بما في ذلك ريتشارد، يعرف سري.”
“هل أنتِ متأكدة؟”
“نعم. ولن أكذب عليك، سأخبركِ الآن بكلّ ما فعلتُه لأخرج من ذلك المنزل.”
“حسنًا. تكلّمي.”
“كنتُ أرغب في ترك المنزل، ولم تكن هناك طريقة سوى أن أُطرد كعديمة قدرة، لذا قررتُ التمثيل. لكنني شعرتُ أنّهم لن يتركوني أرحل بسلام دون قتلي.”
“……”
“حقيقةُ أنني من قلعة ويندسور حيث يعيش أطفال والدي غير الشرعيين معروفةٌ للكثيرين في الخارج. لذا لم يكن بإمكانه إنكار صلتي به، وبما أنني كنتُ ‘عديمة قدرة’… فقد كان والدنا يشعر بصداعٍ حيال كيفية التعامل معي.”
هززتُ كتفي وأضفتُ: “أنتَ تعرف والدي جيدًا، أليس كذلك؟ إنّه يكره بشكلٍ مرضيّ أن يُعرف أنّه أنجب طفلًا عديم القدرة.”
“أعرفُ ذلك أكثر من أيّ شخص.”
ضحك رايان بخفة وتابع، “أجل، لا بدّ أنّ الأمر كان كذلك… لا يمكنه إبقاء عديمة قدرة على قيد الحياة، ولكن إذا تخلّص منها، فقد تظهر شائعاتٌ بأنّه قتلها لأنّها بلا قدرة.”
“نعم. فكرتُ في استغلال هذه النقطة، ثمّ تذكرتكَ أنت. عديم القدرة الذي ذهب للسجن قبل 12 عامًا. أخي الأكبر.”
“آها.”
أطلق رايان تنهيدةً متبوعةً بضحكةٍ ساخرة.
“لا تخبريني… أنّ وقوعكِ في يدي كان جزءًا من خطتكِ أيضًا؟”
“نعم. والدنا أيضًا رأى أنّ تسليمي إليكِ كابنتك المزعومة أفضل من قتلي. هكذا، سيظهر أمام الناس وكأنّه كان يعتني بحفيدته طوال هذا الوقت.”
“لقد ابتلع الطُعم إذًا. فإذا كنتِ ابنتي، فمن الطبيعي أن تكوني عديمة قدرة.”
هذا صحيح. إذا كنتُ ابنة رايان، فليس من الغريب أن أكون بلا قدرة، فليس كلّ أصحاب القدرات ينجبون مثلهم.
‘لو كان الأمر كذلك، لزاد عدد أصحاب القدرات بشكلٍ جنونيّ.’
دمُ أصحاب القدرات يُورث لشخصٍ واحد فقط في كلّ جيل.
يُسمى هذا الشخص ‘صاحب الدم المختار’ ويُصبح ربّ عائلة فاسنبيرغ.
بما أنّ القدرة تُورث لواحدٍ فقط من النسل المباشر…
‘فإنّ فاسنبيرغ تملك الهيكل المثاليّ لاحتكار القدرات الخارقة.’
لينا: يعني باختصار فيه شخص واحد من العائلة بس اطفاله يولدون بقدرات أما البقية لا و يصير هو الدوق
“هممم.”
قال رايان وهو يداعب ذقنه: “بالتأكيد لم تقولي لوالدكِ بلسانكِ ‘أرجوك اطردني بهذه الطريقة’؟”
“لقد ساعدني أخي ريتشارد في ذلك.”
“لقد استخدمتِه كرسولٍ لنقل الكلام لوالدي.”
“ممم، كلمة ‘استخدمتُه’ قاسيةٌ نوعًا ما. ريتشارد شخصٌ طيب يقلق عليّ كثيرًا. عادةً، من يوقظ قدرته ويخرج من القصر لا يعود إليه أبدًا، لكنّ ريتشارد كان يأتي سرًّا لزيارتنا هناك باستمرار…”
“لماذا هذا الكلام الطويل؟ ألا يعني هذا أنّه كان الشخص الأسهل للاستغلال؟”
“……”
خفض رايان رأسه وفجأةً بدأ يضحكُ بصوتٍ عالٍ لفترةٍ طويلة.
ثمّ نظر إليّ وقال بحدة: “أنتِ تعيشين حياتكِ للمرة الثانية، أليس كذلك؟”
وقبل أن أتمكن من الردّ، أضاف في ثانيةٍ واحدة،
“أمزحُ فقط~”
هزّ كتفيه وأردف: “إذًا، ما الذي تودّين فعله؟”
“نعم؟”
“لقد خططتِ ببراعةٍ للهروب من ذلك الجحر. هل كان هدفكِ هو الهروب فقط؟ أليس لديكِ طموحاتٌ أخرى؟”
أوه. لم أتوقع أن يصل الحديث إلى هذه النقطة بهذه السهولة.
لكنّ هذا كان في صالحي.
“لديّ ما أودّ فعله حقًّا!”
“ما هو؟”
“أريدُ أن أُفسد على إخوتي الكبار أفعالهم السيئة.”
“حسنًا. وصلت الرسالة.”
“…؟”
ماذا يعني هذا؟
“افعلي ما تشائين. لن أسألكِ عن السبب ولن أحاسبكِ. إذا كنتِ بحاجةٍ لمساعدتي، فأخبريني فقط.”
“حقًّا؟”
“أجل. مقابل أن تعديني بألّا تغيري رأيكِ وتعودي لوالدنا أبدًا.”
“وعدٌ مؤكد طبعًا! لو كنتُ أنوي ذلك، لما بذلتُ كلّ هذا الجهد للخروج!”
ابتسم رايان وأمسك بمقبض الباب.
“سأذهبُ الآن. ريڤان يصرخُ طالبًا مني حفر الحديقة الخلفية.”
“آه، حسنًا!”
بعد خروج رايان…
شعرتُ بنشوةٍ عارمةٍ بسبب هذا المكسب غير المتوقع.
* * *
طقطقة.
بعد خروجه من غرفة فانيسا، وقف رايان مستندًا إلى الباب وهو يفكر بصمت.
مهما نظر للأمر… تبدو وكأنّها روحٌ عجوزٌ خاضت الكثير من المصاعب وحُبست في جسد طفلةٍ في الثانية عشرة، أليس كذلك؟
حتى ريڤان العبقريّ كان يتصرفُ بذكاءٍ في مجاله فقط، لكن عندما كان في الحادية عشرة كان يتصرفُ تمامًا كطفلٍ في عمره.
أما فمُ فانيسا الذي كان يتحدثُ دون أيّ اعتبارٍ لحدود تفكير طفلٍ في الثانية عشرة…
“إنّها مخيفةٌ جدًّا.”
بالطبع، كان يشكّ في ذلك لأنّه خمنّ أنّ قدرات فانيسا قد تصل للمئات.
التعليقات لهذا الفصل " 26"