الفصل 24
بمجرّد انتهائنا من تناول الإفطار، خرجتُ وأنا أحمل مجرفة.
‘واو، إنّها ثقيلة.’
لا أستطيع حملها…
كانج.
درررر.
في النهاية، قمتُ بجرّها خلفي إلى الحديقة الخلفيّة للقصر…
شعرتُ بالإحباط.
لا أستطيع فعل هذا…إنّه قذر.
كلا، بل افعلي ذلك!
“هيك!”
“يا صغيرة!”
بينما كنتُ أحاول رفع المجرفة، ركض ريڤان خلفي وأوقفني.
“أنتِ، ماذا تفعلين الآن؟ هذا خطر!”
“آه، سأقوم بحفر الأرض.”
“لماذا تحفرين أرضًا سليمة! ماذا، هل ستزرعين شيئًا؟”
“هناك أحجار مانا مدفونة هنا.”
“……؟”
أشرتُ إلى الحديقة الخلفيّة، بل إلى المنطقة المحيطة بنا بالكامل وقلت:
“ستخرج من أيّ مكان تحفره، المنطقة كلّها عبارة عن عرقٍ معدنيّ.”
“… حقًّا؟”
“نعم، حقًّا. لقد أخبرتُك بأنّني سأعطيك معلومات سرّيّة عن عائلتنا~”
“…….”
اهتزّت عينا ريڤان الخضراوان وكأنّ زلزالًا ضربهما.
لا بدّ أنّه يفكّر: أيّ ثروة هبطت عليّنا فجأة.
أحجار المانا هي معادن تكمن فيها قوّة السحر.
اعتمادًا على نوعها، يمكنها إشعال النار أو إطلاق البرق، وهي تمنح قوّة تشبه إلى حدّ كبير القدرات الخارقة.
بمعنى آخر، يمكن اعتبار أحجار المانا الأثر الوحيد المتبقّي من السحر الذي اختفى من التاريخ…
‘بما أنّ السحر اختفى بعد موت آخر ساحر، فلا فائدة منها مهما توفّرت بكثرة.’
حاليا، هي مجرّد أحجار جميلة.
قيل إنّ السحرة الذين يمتلكون المانا في أجسادهم هم وحدهم من يستطيعون التعامل مع أحجار المانا.
لكن…
“لنحفر فورًا.”
خطف ريڤان المجرفة من يدي، ولمعت عيناه مثل مهندسٍ ميكانيكيّ مجنون.
هذا صحيح.
تخصّص ريڤان، الذي كان أصغر أستاذ في الأكاديميّة، هو “الهندسة السحريّة”.
الهندسة السحريّة هي العلم الذي يدرس السحر المختفي ويحاول إحياءه.
وبالطبع، كانت أحجار المانا التي تحمل آثار السحر هي مادة البحث الأساسيّة لأساتذة الهندسة السحريّة.
لا أعلم بأيّ طريقة درسوا أحجار المانا، ولا مدى النتائج التي حقّقوها. لكن…
‘لقد رأيتُ النتيجة النهائيّة فقط قبل العودة بالزمن.’
سلاح ريڤان الحديث الذي فجّر منزلنا كان مزوّدًا بأحجار مانا مصقولة بطريقة غريبة.
لقد نجح أخيرًا في دمج السلاح مع أحجار المانا واستخدامهما معًا.
‘كيف استخرج السحر من ذلك الحجر؟’
أشعر بالفضول، لكنّني لا أنوي التعمّق في البحث.
دوري هو تمكين ريڤان من الحصول على أحجار المانا.
معرفة نتائج البحث جيّدة، وعدم معرفتها لا يضرّ.
وإضافة إلى ذلك.
“هناك ما يكفي لاستخدامك الشخصيّ وسيبقى الكثير أيضًا. لذا عندما نخرج…”
“واو، لحظة. يمكننا بيعها لعائلتِك، أليس كذلك؟”
“نعم!”
هناك بشر يشترون أحجار المانا رغم أنّها مجرّد أحجار جميلة.
بل إنّهم يدفعون مبالغ طائلة. بشر مجانين يشترون أحجار المانا كيفما اتّفق وينفقون أموالهم ببذخ.
و مَن هم هؤلاء؟
‘إنّها عائلتنا.’
كانت عائلتنا تحاول شراء أحجار المانا لاستئصالها تمامًا.
كانوا يخشون أن يُحيى السحر الذي قد يهدّد قدراتهم الخارقة، لذا يحاولون محو أيّ أثر له.
لذا، الحفر في الأرض يضرب عصفورين بحجر واحد.
فائدةٌ لريڤان، ومالٌ لنا.
“للوصول إلى العرق المعدنيّ، سأحتاج إلى… أوه! الحفر لوقت طويل… في المرّة القادمة عندما نذهب إلى المدينة… أوه! لنحضر بعض العمّال!”
“فكرة رائعة! رغم أنّني لا أعرف إن كان هناك من يقبل المجيء إلى بيلزر!”
“ما الداعي للقلق ونحن سنصبح أغنياء؟ سنعرض عليهم بدل مخاطرة لا يمكن رفضه ونوظّفهم!”
وهكذا استمرّ ريڤان المتحمّس للثروة و المال الوشيكة في الحفر بجدّ…
“ماذا تفعلان؟”
خرج رايان.
“أوه! هل جاء عاملنا عديم الأجر؟ تعال استغلّ قوّتك! لنحفر الأرض معًا!”
“لماذا نحفر الأرض فجأة؟”
“الصغيرة تقول إنّ هنا عرق معدنيّ لأحجار المانا!”
“ماذا؟ حقًّا؟!”
ذُهل رايان ثمّ فرح.
“… يمكننا بيعها لعائلتي إذًا؟”
“هذا هو المطلوب! احفر بسرعة!”
“لكنّني مشغول. كنتُ في طريقي للخروج.”
“ماذا؟ إلى أين؟”
قال رايان وهو يلوي ذراعيه ليرخي عضلاته:
“سأذهب للصيد. ربّ الأسرة ملزم بإعالة أفراد عائلته. سأطعمكم اللحم هذا المساء.”
‘ها..؟’
“لا تفعل ذلك واحفر معنا! هناك الكثير من الطعام الذي اشتريناه من الخارج.”
“أريد الذهاب أيضًا! سأصطاد أنا أيضًا!”
رفعتُ يدي عاليًا.
“ماذا؟ أيّ صيد ستقومين به؟ أنتِ تبدين كفريسةٍ صغيرة. هذا لا يمكن!”
“كلا! يمكنني فعل ذلك! سأساعدك!”
“اصمتي. هل تمزحين؟”
“أريد الذهاب، أرجووووك!”
تظاهرتُ بأنّني طفلة في الثانية عشرة حقًّا، وتذمّرتُ لدرجة أنّني كدتُ أستلقي على الأرض.
فتح رايان فمه دهشةً.
ما رأيك، هذه أوّل مرّة تراني هكذا، أليس كذلك؟
* * *
في النهاية، أخذني رايان معه بعد أن أصررتُ على مرافقته بشدّة و مشينا على طريق الغابة المؤدّي إلى الجبل.
“آه. هل خرجتِ خلفي لتزعجيني!”
“لا بأس، لا حاجة للإمساك بيدي.”
يا له من شخصٍ حنون…
كان يزيح العشب الكثيف بالسيف الذي أهداه له الجنديّ يوم خروجه من السجن، وفي كلّ مرّة يظهر فيها جذر شجرة ناتئ، كان يمسك ذراعي بقوّة ويساعدني على العبور.
“لماذا لا يوجد حتّى جرذ واحد هنا؟ لقد خرجتُ وأنا أتفاخر بأنّني سأطعمكم اللحم.”
حقًّا. لقد مرّ وقت طويل منذ خروجنا والجوّ هادئ للغاية.
أحيانًا نسمع صوت خشخشة خفيفة، ربما أرنب أو سنجاب، لكن هل يمكن الإمساك بتلك الكائنات السريعة؟
لا نملك أدوات صيد، وفي الأساس كان خروجه فجأة حاملاً سيفًا واحدًا أمرًا مثيرًا للسخرية.
حسنًا، أعلم أنّ الصيد ليس هو الهدف الحقيقيّ.
‘لا بدّ أنّه خرج لتجربة قدرته الخاصة به~’
القدرات الخارقة تتطلّب تدريبًا بعد ظهورها.
ومع تكرار الاستخدام، تصبح القوّة والمدى أكثر فتكًا.
قدرة رايان، <الموت الفوريّ> ربما ظهرت لديه منذ زمن، لكنّه لم يستطع استخدامها خلال فترة سجنه حتّى لو أراد.
‘لأنّه لم يكن هناك هدف.’
لا يمكنه قتل البشر بلا سبب، أليس كذلك؟
هذا هو السبب في أنّ قدرة رايان، رغم قوّتها، يصعب تدريبها.
لذا، لا بدّ أنّ رايان يتمنّى الآن خروج أيّ حيوان أو وحش سحريّ.
وأنا أيضًا كذلك.
‘لقد تبعتُه بإصرار لأحصل على تلك القدرة المذهلة للموت الفوريّ~’
حينها.
“… أنتِ، توقّفي.”
توقّف رايان فجأة ووضع ذراعه أمامي ليمنعني.
“نعم؟”
رفعتُ رأسي بعد أن كنتُ أسير وأنا أتفحّص الأرض بدقّة خوفًا من السقوط.
و…
‘يا إلهي…’
رأيتُ “ذلك الشيء” من بعيد.
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأنّ أنفاسي توقّفت.
جسدٌ ضخم.
عينان تلمعان من بعيد وكأنّه جائع منذ زمن طويل.
أربع قوائم غليظة ومخالب حادّة.
لقد كان ظهور الطريدة التي انتظرناها، ولكن…
‘لم أكن أتمنّى وصول الأمر إلى دبّ…؟’
نعم. دبّ. ودبّ ضخم جدًّا أيضًا.
‘لـ-لنهدأ.’
رفعتُ يدي ببطء وغطّيتُ فمي كي لا يتسرّب صوت أنفاسي.
رآنا الدبّ أيضًا، لكن لحسن الحظّ لم يهجم فورًا.
بل بدأ يقترب ببطء وكأنّه يستكشفنا.
تمتم رايان بهدوء: “كـ-كيف يمكن صيد ذلك الشيء…”
“ماذا ستصيد!؟”
يجب أن نفكّر في طريقة للهرب بسلام.
“لقد قلتُ إنّني سأجلب اللحم.”
هل جُنّ؟ نحن من سنصبح لحمًا الآن.
الموت الفوريّ.
هي قدرة خارقة مرعبة لا تقارن بأيّ شيء، لكن قبل تدريبها، وفي المرحلة الأولى من ظهورها…
‘لن يتمكّن من قتل الدبّ فورًا من هذه المسافة.’
رايان على الأرجح في المرحلة الأولى من ظهور قدرة <الموت الفوريّ>. وفي هذه المرحلة، “التلامس” مع الدبّ أمر لا مفرّ منه.
بمعنى آخر، يجب أن يلمس أيّ جزء من جسد الدبّ ليقتله فورًا.
شعرتُ بالخوف لأنّ الصعوبة كانت أعلى بكثير ممّا توقّعتُ.
‘كـ-كنتُ أفكّر في أرنب أو ابن عرس…’
ورايان، الذي كنتُ أظنّ أنّ لديه خطّة ما.
‘يبدو أنّه لا يملك أيّ فكرة…’
بما أنّه تجمّد تمامًا في مكانه، فقد تلاشت ثقتي الضئيلة به.
شعرتُ أنّه يجب عليّ فعل شيء ما، فبدأتُ أعصر دماغي بسرعة.
‘أمتلك الآن ثلاث قدرات.’
قبل العودة بالزمن، كنتُ قد جمعتُ كلّ قدرات إخوتي، لكن بعد العودة، عادت <عين المرآة> هي الأخرى إلى ما كانت عليه قبل عشر سنوات، وكان عليّ جمعها من جديد.
إضافة إلى ذلك، عند عودتي بالزمن، كان الجميع قد غادروا قصر ويندسور باستثنائي أنا وأخٌ واحد… لم تكن هناك فرصة لمقابلة أصحاب القدرات.
جمعُ ثلاث قدرات خلال سنتين من التحضير يُعدّ إنجازًا عظيمًا!
‘كلا، لحظة.’
أنا أفكّر في أشياء تافهة والدبّ أمامي……
كرررررر!
بدأ الدبّ بالاقتراب بسرعة أكبر بخطوتين، وكأنّه قرّر صيدنا.
‘واو.’
من شدّة خوفي المفاجئ،
<عين المرآة – أغلال التقييد>
… استخدمتُ احدى القدرات.
توقّف الدبّ في مكانه. لن يستطيع الحراك.
‘يـ- يا إلهي.’
نظرتُ خلسةً إلى رايان.
‘كنتُ أنوي التحمّل وعدم استخدامها حتّى أقصى حدّ…’
لكنّني استخدمتُها لا إراديًّا من شدّة الخوف.
هل لاحظ أنّني استخدمتُ قدرة خارقة؟ أتمنّى أن يظنّ أنّ الدبّ توقّف من تلقاء نفسه.
“أ- أبي. انظر…”
لحسن الحظّ، لم يبدُ أنّ رايان يشكّ في شيء وهو يرى الدبّ عالقًا.
“لا يمكننا صيده، أليس كذلك؟”
“نعم. طبعًا…”
لنهرب فورًا.
بينما كنتُ أحاول التراجع ببطء وأقترح على رايان الأحمق الذي يرتجف رغم ضخامة جسده أن نهرب.
“… انهيتُ حساباتي.”
“……؟”
“فانيسا.”
التفت رايان نحوي بعينين حزينتين.
ولأنّها المرّة الأولى التي يناديني فيها باسمي بحنان… ارتبكتُ.
“… عيشي أنتِ على الأقل.”
“نعم؟”
“سأقوم بصدّه.”
قال ذلك بمرارة ثمّ التفت نحو الدبّ مجدّدًا وأكمل:
“لقد عاهدتُ نفسي أنّني إذا واجهتُ موقفًا كهذا، سأموت بدلاً منكِ. لقد وعدتُ نفسي بأن أحميكِ مهما حدث.”
“…ماذا؟”
لقد تأثّرتُ قليلًا…
“سأكسب لكِ الوقت وعليكِ الهرب. عندما أعدّ للثلاثة، اصنعي أكبر ضجيج ممكن واستديري واجري. الصراخ بصوت عالٍ مهمّ جدًّا.”
“؟”
“سيكون جيّدًا لو لوّحتِ بذراعيكِ أيضًا. لا تنظري للخلف أبدًا، واجري بكلّ قوّتكِ وأنتِ تضربين الأرض بقدميكِ.”
“؟؟”
شعرتُ بشيء غريب فسألتُه فورًا: “ألن يطاردني الدبّ حينها؟”
“……..”
صمت رايان.
بعد لحظة، انفجر ضاحكًا ولم يستطع التمالك، ثمّ تمتم:
“تبًّا. إنّكِ حادّة الذكاء بشكل غير ضروريّ…”
“……..”
واو! إذًا هو الآن… كان ينهي حساباته ليبيعني وينجو بحياته؟!
التعليقات لهذا الفصل " 24"