في مثل هذه الأوقات، يكون فطنًا على نحوٍ مزعج فعلًا.
نظرتُ إليه بتوتّر.
حتى لو حاولتُ ، فمن الواضح أنّ ريكس لن يُخدع.
لا بدّ أنّه ظنّ أنّ خروجي خلف الخادمات ليس سوى تصرّفٍ طفوليٍّ عابر.
ولهذا لم يتبعني.
وكان هذا فعلًا ما قصدته في البداية.
لكنّ الأمر لم ينتهِ عند هذا الحدّ.
فالكلمات التي قلتُها، سواء رغبتُ أم لا، ستنتشر حتمًا.
ولهذا لا داعي لإخفائها، طالما أنّه التقط الخيط بالفعل.
“همم… نعم. قلتُ لهنّ فقط أن ينتبهن لأنفسهنّ.”
“نعم؟”
“أن يتوقّفن عن الحماقات.”
اهتزّت عينا ريكس.
“الآنسة آيشا، لماذا فعلتِ ذلك أصلًا؟ حتى لو قلتِ هذا للخادمات….”
“سيصل كلّ شيء إلى أذن الدوقة لا محالة.
وسينظرن إلى تصرّفاتي على أنّها غريبة.”
لكنّ الوقت الآن يحتاج إلى استفزاز.
رغم أنّني لم أقصد ذلك، فإنّ جميع الخادمات طُردن، والدوقة ستتحرّك حتمًا على عجل.
فعدد من يراقب التوأم قد قلّ.
‘وحين تعلم أنّني تجاهلتُ خادماتها علنًا، فستحاول التخلّص منّي أيضًا.’
ما تكرهه الدوقة هو ما يخرج عن سيطرتها.
إنسانة تريد أن ترى كلّ شيء فوق كفّ يدها.
ولهذا فعلتُ ما فعلت.
“كنتُ أريد ذلك.”
“تريدين ذلك…؟”
اكتفيتُ بالابتسام.
تأمّلني قليلًا، ثمّ أطلق زفرةً عميقة كأنّه استسلم.
“لا بدّ أنّ لديكِ قصدًا ما…؟”
“نعم.”
“حقًّا لا أفهم.
كنتُ أظنّكِ مجرّد طفلة صغيرة، لكن أحيانًا تقومين بأشياء لا يمكنني فهمها….”
أفهم ما يريد قوله.
فالطفل العادي قد يستفزّ الخادمات، لكنّه لا يستخدمهنّ للمساس بالدوقة نفسها.
لماذا تتعمّدين الذهاب بعيدًا إلى هذا الحدّ؟
كان هذا ما يريد سؤالي عنهُ،
“تلك السيّدة… رغم أنّها تبدو لطيفة، إلّا أنّها شخص يجب الحذر منه. أن خلق المتاعب دون داعٍ….”
“الطفل الذي ينشأ في دار الأيتام…”
“نعم؟”
“يتعلّم مراقبة الوجوه في كلّ لحظة.
ويُجبَر دائمًا على الاختيار.
لأنّه إن لم يفعل، فلن ينجو.
وهذه المرّة أيضًا، اخترتُ.”
“اخترتِ؟”
“نعم. اختيار من أجل ما سأفعله لاحقًا.
ولهذا أسألك، ريكس. لمن أنت؟”
بما أنّه أدرك الأمر بالفعل، صار الكلام أسهل.
لديّ ما يجب أن أفعله من خلاله، وهو بدوره سيتمكّن من اكتشاف ما أعطيته بسهولة.
لهذا اكتفى بإمالة رأسه.
“نعم؟”
“ريكس، أنت رجل مَن؟”
“أنا رجل الآنسة آيشا.”
“أهكذا؟”
“وما الذي تقصدينه بما ستفعلينه لاحقًا؟
هل له علاقة بما سألتِني إيّاه الآن؟”
أومأتُ برأسي.
“نعم. انتظر قليلًا.”
نظرتُ إلى غرفة النوم التي بقي بابها مواربًا بعد دخول الدوق.
ولسببٍ ما، كان لوهين يتحدّث معه بهدوء.
أو لعلّه لم يكن هدوءًا، لكنّهما كانا منشغلَين إلى حدٍّ لم يلاحظا دخولي.
تسلّلتُ وأخذتُ الدمية القريبة من النافذة.
لم ينتبه لوهين.
خرجتُ بسرعة وقدّمتها إلى ريكس.
دميةٌ ممزّقة العنق.
“ما هذا؟”
“لا بأس إن أخبرتَ الدوق عنها. لكنّي أريدك أن تفحصها جيّدًا. ما بداخل القطن. هذا ما عليك معرفته.”
“آه. لا تقلقي. لن أذكر الأمر للدوق.”
لا أصدّق هذا الكلام.
الخادمات قلن إنّ ريكس كان يخبر بكلّ شيء.
لا أثق بهنّ كليًّا، لكنّ هذا يعني أنّ خروج ريكس كان متكرّرًا.
سواء كان يذهب ليخبر الدوق أم لسببٍ آخر، فمن الواضح أنّه سينقل الأمر في النهاية.
“حسنًا.”
لم أحمل أيّ ثقة في قوله إنّه لن يخبره.
ريكس، منذ البداية وحتى النهاية، رجل الدوق.
وهو مَن تولّى رعاية التوأم بأمره، وهو الآن مَن يعتني بي.
بداية أوامره ونهايتها هي الدوق.
“آه، ومع ذلك، كوني حذرة.”
“هل الأمر خطير؟”
“لا أظنّه خطرًا بحدّ ذاته، لكن… على أيّ حال….”
“الآنسة آيشا.”
“نعم؟”
نظر إليّ بحذرٍ شديد.
“سؤالكِ لي عمّن أنتمي إليه… كان بسبب هذا، أليس كذلك؟”
“نعم.”
“همم…أنا صراحةً في صفّك، لكن أودّ تقديم نصيحة.”
أومأتُ بهدوء.
“نعم.”
“ما رأيكِ بأن تمسكي بيد أحد البالغين؟
الاعتماد على شخصٍ ما قد يسهّل الطريق قليلًا.
أخشى أن تسلكي طريقًا شاقًّا أكثر ممّا ينبغي.
يمكنكِ أن تكوني طفلة أكثر.”
تصلّبت ملامحي.
“هل أمسك بيد شخصٍ يعرّض مَن أحبّهم للخطر؟
لاري، حين كانت في دار الأيتام، لم تكن تمرض أبدًا.
كانت الطفلة الأكثر صحّة. والآن، بالكاد تستطيع النهوض. صحّتها تتدهور يومًا بعد يوم.”
“آه….”
“من الطبيعي أن نشكّ.
فالطفل لا يمرض فجأة من دون سبب.”
“إذًا كنتِ قد حدّدتِ المشتبه به بالفعل.
يبدو أنّ اقتراحي كان سخيفًا.”
حكّ رأسه بإحراج.
“نعم.”
“ولهذا طردتِ الخادمات كلّهم…
حقًّا، الآنسة آيشا، أنتِ….”
توقّف، ثمّ خفَض رأسه.
“يبدو أنّني الوحيد الذي لا يعرف شيئًا.”
“لا. أنا فقط أصبحتُ شديدة الحساسيّة.
وحين فكّرتُ كثيرًا، عرفتُ مَن هو الفاعل.
الشخص القادر على التحكّم بكلّ ما يخصّ لاري،
والأكثر نفوذًا داخل بيت الدوق.”
لماذا أبوح له بكلّ شيء؟
يبدو أنّني أصبحتُ ضعيفة.
ربّما تعبت.
ربّما أردتُ الاعتماد على أحد.
وكان هذا الشخص هو ريكس، الذي بقي وفيًّا حتّى النهاية في الرواية.
“ربّما من الأفضل إخبار الدوق بكلّ هذا؟
إن كان الأمر خطيرًا….”
“كلّها مجرّد ظنون بلا دليل.
ولو تكلّمنا الآن، فسيُوضَع الدوق في موقفٍ حرج.”
“آه… صحيح.”
“لهذا أطلب منك. تحقّق جيّدًا.
لا أريد أن يتعرّض التوأم لأيّ خطرٍ مجدّدًا.
وبعدها… سأخبر الدوق.
بعد أن أرتّب أفكاري.”
كنتُ أتحدّث بلا توقّف.
ربّما لأنّني تحدّثتُ مع لوهين مرّة،
أو لأنّ كلّ شيءٍ يسير كما أردت،
لم يعد الكلام صعبًا.
“همم… فهمت.”
“وليس هذا وحده. لابدّ أنّ هناك سببًا أكبر جعل لاري تصل إلى هذه الحالة. ولهذا استفزَزتُ الخادمات.
ما دمنا تحرّكنا، فسيأتي ردّ من الطرف الآخر.”
“حسنًا. سألتزم الصمت وأتحرّك كما تريدين حتّى تنتهي تحقيقاتكِ.”
“شكرًا.”
من خلال هذا، سأتأكّد من شيءٍ واحد.
هل ما فعلته بدافع قلبي، أم بدافع غريزتي.
لا أعلم.
لكنّي أخبرته بكلّ شيء.
لأنّه لا يرتبط بالدوقة، بل لا يحبّها أصلًا،
ومن خلال هذا، سيتّضح إن كان شخصًا يمكن الوثوق به أم لا.
كان ريكس يعبث بالدمية التي أعطيتُه إيّاها، ثمّ ابتسم بارتباك.
“حقًّا…
هل من نشأوا في دور الأيتام أذكياء هكذا عادةً؟
لا أشعر أنّكِ في عمر أختي إطلاقًا.”
“ربّما لأنّني جرّبتُ أن أكون بالغة من قبل.”
“نعم؟”
كان يقصد المعنى الحرفي، لكن ريكس لم يفهم.
“يبدو أنّني كبرتُ مبكّرًا.”
“آه….”
ابتسمتُ له.
“هذا مفهوم. لا بدّ أنّكِ عانيتِ كثيرًا.
كما قلتِ سابقًا عن الأب.أنا أو الدوق….”
وفي تلك اللحظة-
“عن ماذا تتحدّثون بهذا الطول؟”
انفتح الباب، وخرج الدوق من الداخل.
“جلالتكَ. هل انتهيتَ من الحديث؟”
“نعم.سمعتُ من لوهين كم كن الخادمات يتجاهلن آيشا. ذلك الفتى قليل الكلام…
لكن حين يتعلّق الأمر بآيشا، يتحدّث بحماسة.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة وهو ينظر إليّ.
“هذه أوّل مرّة أتحدّث فيها مع لوهين وحدنا كلّ هذا الوقت.”
“تهانينا.”
“لا يحتاج تهنئةً ما يحدثُ. على أيّ حال، فهمتُ الوضع.سأختار أشخاصًا موثوقين.
إلى أن يتمّ ذلك، تحمّلي قليلًا وابقَي كما أنتِ.
آيشا.”
“أنا مرتاحة بما فيه الكفاية.
لقد راعيتَ الكثير من الأمور.”
صحيح أنّني لا أعيش مع الأطفال،
لكن هذا وضعٌ جيّد جدًّا مقارنةً بالماضي.
كنتُ أقلّ من حجرٍ في الشارع،
والآن يُعاملونني كإنسانة.
أنا راضية.
أفضل بكثير من دار الأيتام.
“…همم. ما أقصده.”
“ماذا؟”
“نامي معهم.”
التعليقات لهذا الفصل " 70"