2
━━━●┉◯⊰┉ الفصل 2 ┉⊱◯┉●━━━
“آه… لا أذكرُ شيئًا على الإطلاق.”
فقدانُ ذاكرةٍ.
ذلك هو الدربُ الذي ولجه عددٌ لا ينقضي من بطلات روايات الويب ذات طابع ‘التجسّيد’، لقد فعلن هذا مرارًا وتكرارًا، حتى غدا أشبهَ بـ ‘مفتاح الغشّ’ المجرَّب والموثوق.
ومنذ أن باتت ‘جي يون’ أبنةَ عائلةٍ نبيلةٍ كهذه – هذا غيرُ مؤكد، ولكن يُرجَّح ذلك نظرًا للمكان -.
لا تعرفُ حتى اسمها الآن، لذلك استجمعت أقصى ما أوتيت من براعة تمثيليّة لديها.
انظروا إلى هذا الارتجاف المرتسم في حدقتيّ عينيّ المليئتينِ بالاضطراب! ذلك ما نسمّيه بـ ‘زلزال الحدقة الكاذب’.
“أنا خائفة… خائفة بحقّ لأنني لا أذكر شيئًا…”
وأخذت تردّد تلك العبارة، تواصلُ بها غسل الدماغ الذاتي، حتى غدت حالتها الحقيقية في كونها قد وجدت نفسَها في جسدٍ غريبٍ فجأة، خليطًا من الارتباك والخوف، مما أضفى على تمثيلها مصداقية أكبر.
“لـ… لحظة من فضلكِ.”
يبدو أن الأداء أثَّر في الخادمة، إذ بدت مذعورة، متخبّطة، ثم غادرت الغرفة مسرعة. فلعلّها مضت لتستدعي الطبيب؟
تنفّست جي يون بارتياحٍ خفي، لكن القلق سرعان ما دبَّ إليها وهي تفكّر:
‘وماذا سأقول إن حضر الطبيب…؟’
غير أنّها لم تلبث إلا دقائق معدودات حتى-
“آه يا ابنتي روزير! أأنتِ لا تعرفين أباكِ حقًا؟”
“اهدأ رجاءً، واحفظ هيبتك.”
“أختي… أحقًّا لا تمزحين؟”
وبينما تعمّ الفوضى الغرفةَ، التقطت جي يون أخيرًا اسمَها الجديد، وحفرَته في ذاكرتها:
روزير فلويد.
ذلك هو اسمها الجديد، واسم الجسد الذي حلّت فيه.
وعلى ما سمعت، فهي الأبنة الكبرى لأسرةِ ‘كونت فلويد’ والداها على قيد الحياة بصحةٍ جيّدة، ولها أخٌ يصغرها بعامين.
في حياتي السابقة كنتُ وحيدةً بلا إخوة!
وكفتاةٍ عاديّة طالما رجت والديها أن يرزقاها أخًا أو أختًا، استقبلت روزير أخاها كارون بفرحٍ ظاهر.
“إلى ماذا تنظرين؟”
…فلنكفَّ عن النظر إليه مؤقتًا إذن.
أصدقاؤها في الحياة السابقة ما كانوا لينادوها عبثًا بألقاب مثل ‘رفيقةُ السجل المدني’ أو ‘ابنةُ أمّي التي لم تلدها’ كما يبدو أن مقولة ‘لا يوجد شقيقان متناغمان تحت سقفٍ واحد’ صالحةٌ حتى في هذا العالم.
شقّ الطبيب العجوز طريقه أخيرًا وسط الضجّة.
ويا للمفارقة! فقد أخرج أداةً تشبه ‘مصباح القلم’ في عالمي ليفحص بها انعكاس حدقتيها، على نحوٍ لا يختلف عن الطب الحديث.
【توضيح/ مصباح القلم الطبي هو أداة صغيرة على شكل قلم ولهذا سُميت بالقلم، تحتوي على مصباح LED أو هالوجين في طرفها.
تُستخدم في الفحص الطبي لحدقة العين ورد فعلها للضوء وفحوصات الفم والحلق وأحيانًا للمناطق الصغيرة التي تحتاج إلى إضاءة.】
‘همم… دعنا لا نستغرق في التفكير، فروايات الويب ذاتُ طابعِ العصور الوسطى لا جذورَ لها في الواقع أصلًا وهي بلا أساس.’
ولم يكن مؤكَّدًا أصلًا أنّها تجسّدت داخل رواية ويب أساسًا.
“آنستي، هل تشعرين بأيّ موضعٍ يؤلمك؟”
“أشعرُ…بصداعٍ خفيف.”
قرّرت روزير أن تتقمّص دور المريضةِ بالصداع.
فمن يفقد ذاكرته لا بدّ أن يشكو من ألمٍ في الرأس، وهذه أمورْ بديهية!
أضِف إلى ذلك أنّها قد أتقنت فنّ تمثيل المرض أيّما إتقان، كجزءٍ من ‘ثقافة الطالب المتغيب’ في حياتها السابقة.
لكن قبل أن تزيد من واقعية أدائها، تفضّل الطبيب العجوز فأصدر تشخيصًا ثمينًا:
“السببُ غيرُ واضح، لكنّي أرى أنّها حالة فقدان ذاكرة مؤقّت.”
“يا إلهي! آهٍ يا أبنتي روزير المسكينة! إنني والدكِ…!”
“فتِّشوا في وقائع البارحة، وأبلغوني بكلّ التفاصيل.”
“حقًّا؟!”
وبعد ذلك سارت الأمور بسهولة. إذ نصحني الطبيب بالراحة، فانصرف أفراد عائلتي، وبقيت روزير في فراشها، تستغل وضع ‘المريضة’ لجمع المعلومات.
ومِن مَن؟ من خادمتها ووصيفتها المقرَّبة في هذا العالم ‘سيلين’.
“اسمي روزير فلويد، أليس كذلك؟”
“نعم، صحيح.”
“وكم عمري؟”
“أتممتِ الثالثة عشرة هذا العام.”
“آوه.”
إذًا هذا الجسد يبلغ الثالثة عشرة، ويبدو أن طبع وعادات صاحبته الأصليّة قريب من طبع جي يون نفسها.
“سيلين، وأنتِ كم عمرك؟”
“خمس عشرة سنة.”
كانت تناديها بلطفٍ ودلالٍ – كما اعتادت مع صديقاتها في حياتها السابقة – دون أن تلمح في سيلين أي انزعاج من هذا.
عندها أدركت روزير أن هذه ردّة فعل شخصٍ اعتاد مثل هذا السلوك من قبل.
ارتاحت نفسها؛ إذ لو كانت ‘روزير’ الأصلية فتاةً واهنة الطبع من النبلاء، لما استطاعت هي تغطية ذلك بالتمثيل، ولسرعان ما افتُضِح أمرها.
لكن المشكلة الحقيقية أنّها – رغم معرفتها بأسرة فلويد وبحال روزير – لم تستعد أيّ ذكرى أو معلومة عن العالم من حولها.
ومهما سألت سيلين واستخرجت منها الأخبار، لم تتمكّن من تحديد ماهيّة هذا العالم.
أليس من المفترض – حسب عادة المجسّدين في الروايات – أن يخطر لي فورًا: ‘آه! لقد تجسّدتُ في شخصية كذا من رواية كذا!’
ومع ذلك، وللاحتياط، قررت أن تجرّب تجارب بطلات روايات الويب من أنماطٍ أخرى.
أمرت بخروج سيلين، ثم همست:
“لوحة الحالة؟”
…صمت.
“النظام؟”
… لا جواب.
كم من مرّة في الروايات كان الأبطال يصرخون بهذه الكلمات في مكانٍ عام ثم يتورّدون خجلًا لشدة حرجهم!
وهي – بصفتها قارئةً مهووسة – كانت تنقد عليهم لضعف تحمّلهم أمام الناس في الأماكن العامة.
غير أنّها، وهي في الموقف نفسه الآن، اكتشفت أنّ خجلهم لم يكن بلا مبرّر…
آه… التجسّد ليس أمرًا هيّنًا كما ظننت.
***
بعد أسبوعٍ من جمع الأخبار، خلصت إلى استنتاجٍ بسيط:
هل تُوجد أصلًا ‘روايةٌ أصلية’ لهذا العالم؟
وإن وُجدت، فلا شك أنّ شخصية روزير ليست إلا شخصيةً ثانويةً، بل أسوء من الشخصيةِ الثانوية إلى أبعد حدّ.
وإلا، فكيف لا يخطر لي أيّ شيء عنها؟
وما دامت لا تعرف العمل الأصلي، وفوق ذلك هي مجرّدُ شخصيةٍ ثانوية بل إضافية فلا حاجة إلى التكلّف أو التدخّل في مجرى الأحداث.
فلأهنأ إذن بحياتي الجديدة!
فأسرتها الجديدة، وخدم القصر، كلّهم طيّبون معها.
خاصةً ذاك الأب الوسيم الودود، والأخ الأصغر الفاتن – رغم تذمّره – كانا بمثابة بلسمٍ مريحٍ للعين.
وأمّا الأم…
“روزير!”
في حياتها السابقة والحالية على السواء، كانت الأم كيانًا مهيبًا.
أي… مُخيفًا.
“حتى إن فقدتِ ذاكرتكِ، يجب أن تحافظي على آدابك!”
“هَيْكك!”
في كوريا الجنوبية – حيث عاشت جي يون السابقة – يقولون مثلًا: حتى الكلب لا يُزعَج وهو يأكل.
لذا…ألا يمكن أن أتناول الطعام بسلام يا أمّي؟ أم أنني أدنى من الكلب نفسه…
وزاد في غصّتها أنّ الأطباق الغربيّة أخذت تُثقِل عليها.
فالعالم – رغم افتقاره للأساس التاريخي – فهو لا يزال ذو طابعٍ وسطيّ غربي، وطعامه قليل التوابل، وليس الأرزّ الأبيض طعامًا أساسيًّا فيه.
وبالنسبة لفتاةٍ كوريةٍ أصيلة لم تبرح بلدها طوال تسعة عشر عامًا، كان تحمّل هذا النمط من الوجبات، يومًا بعد يوم، أمرًا أشدَّ مشقّة ممّا ظنّت.
الأرز… آه، كم اشتقتُ إلى الأرز!
لكن، وإن يكن الحنين جارِفًا، فلستُ من يردُّ مائدةً قد نُصِبت أمامه.
“لم تنسَيا أنّكِ أنتِ وكارون ستذهبان بعد يومين إلى قصر الماركيز إيفريت، أليس كذلك؟”
“همم…ماذا؟”
توقّفت روزير عن مضغ الطعام، وقد اتّسعت عيناها دهشةً نحو والدتها نيلا.
تبادل كارون والكونتيسة نيلا نظرةً تنمّ عن الاستخفاف بحال ذاكرة روزير، ثم أطلقا زفرةً طويلة.
مهلًا، أليس من المفترض أنني فاقدةٌ للذاكرة؟ أرجوكم، لا تنسوا ذلك…هااه.
“لقد قالت لكِ سيلين هذا بالأمس.”
صوتُ كارون انساب في التوقيت نفسه تمامًا، حتى خُيّل إلى روزير أنّ أخاها الأصغر قارئُ أفكارٍ أو ما شابه!
فتجنّبت نظراته الضيّقة الحادّة، وهي تسرح في أفكارٍ عبثيّة.
وربما…نعم، ربما كانت سيلين قد أخبرتها فعلًا.
“لقد أبلغتُ قصر المركيز عن حالكِ مسبقًا، يا روزير. لعلّكِ إذا رأيتِ نجلَهم، صديقكِ منذ الطفولة، سوف تستعيدين شيئًا من ذاكرتك.”
“صديق الطفولة؟”
عند هذه الكلمة، انفتحت عينا روزيري على اتّساعهما.
وكما لو أنّ برقًا من ذكريات قراءاتها للروايات قد لمع، حتى همست في داخلها:
صديق الطفولة في روايةِ عن التجسيد؟ إنها علاقةُ حبٍ مُبتذلةٍ بالتأكيد!
وفي تلك الليلة، غفا قلبها على خفقةٍ صغيرة من الترقّب، فتأخّر نومها قليلًا…نعم، قليلًا جدًّا.
***
علاقةُ حبٍ مُبتذلةٍ؟
كلا…ليس الأمر كذلك كما ظننت.
ذلك الإحساس الطفيف الذي انتابها بالأمس، تبدّد تمامًا.
فـ ‘سيون إيفريت’ نجلُ المركيز وصديق طفولتها المزعوم، لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره…مثلها تمامًا.
نعم، كان فتىً وسيمًا بحق، جديرًا بأن يَنبُت منه مستقبلٌ مشرق في هذا العالم.
شَعرٌ بنيٌّ مُجعَّد يبدو وثيرًا، وعينان زمرديّتان صافيتان كالجواهر، وبشرةٌ بيضاء مع ملامح دقيقة تفي بكل شروط الفتى الجميل.
بل إنّ هيئته كانت من طراز الفتيان الذين يُشَبَّهُون بالكلاب الكبيرة اللطيفة في الروايات، وغالبًا ما يؤدّون دور ‘الطرف الثاني’ في علاقةٍ ما.
وكانت ابتسامتهُ عذبة ستلائم ملامحه تمامًا، فتجعل وسامته مكتملة الأركان…
تِسك، وما جدوى ذلك؟
حقًّا…هل كانا صديقيّ طفولةٍ أصلًا؟
ذلك الـ سيون – على الرغم من مظهره الدافئ – كان قليل الكلام، متثاقل الحركات، وكأنّ كلّ شيء في الدنيا عبءٌ عليه.
أما ابتسامته، فلم ترها إلا في موقفٍ رسمي أمام الكبار.
ولم يُبدِ أيّ اهتمام بوصولها مع كارون من مكانٍ بعيد لرؤيته.
بل حتى لو كانا يلتقيان لأوّل مرّة، لمّا كانت اللامبالاة لديه لتبلغ هذه الدرجة.
أم أنّنا تشاجرنا في آخر لقاءٍ لنا؟
مضى أسبوعٌ كامل منذ أن وطئت قصر إيفريت ومع ذلك لم تتبادل مع سيون سوى كلماتٍ معدودات.
وحتى لو تحدّثا، فلن تستعيد ذاكرتها كما كانت أمّها تأمل، إذ بهذه البرودة التي هو فيها يستحيل أن يتذكّر المرء أيّ شيء منه.
ومع ذلك، فقد كانت روزير تجيد مجاملة الكبار، ولهذا وجدت نفسها – هي وكارون وسيون – ‘يلعبون’ في الحديقة، كلٌّ منهم على حدة.
جلس سيون في ظلّ شجرةٍ يقرأ كتابًا، بينما ارتشف كارون الشاي أمام الطاولة الصغيرة الموضوعة هناك.
أمّا روزير، فبعد أن شبعت نظرًا من ملامحهما
الحسنة، تمدّدت على العشب.
وها هو يوم آخر يمضي بلا طائل…
كانوا قد خرجوا بعد الغداء وتناول التحلية، حينما كانت الشمس تشعُ في الآفق، وها هو الأفق الآن يكتسي بحُمرة الغروب.
وأمام ذلك المشهد، لم يخطر ببال روزير – التي ضاقت ذرعًا من الطعام الغربي – سوى شيءٍ واحد:
معجون الفلفل الأحمر الكوري…
لو امتلكت هذا الكنز السحري، لسكبته على كلّ طبق، لتجعل الطعام حارًّا لاذعًا يشعل روحها الكورية فيها.
ثم ستنشر هذا الطعم الناري بين أهل هذا العالم الشبيه بالعصور الوسطى، فيتطوّر مطبخهم، ويُخترَع طبق ‘الدكبوكّي’…
وأنا…من سآكله!
“آه، كم أريد أن آكل الدكبوكّي!”
انفلتت كلماتها من شفتيها بغير قصد.
أسرعت لتكميم فمها، ثم أدركت أنّ لا فائدة من ذلك؛ فهنا لن يفهم أحد معنى الدكبوكي أصلًا.
فعادت للتمدد في استرخاء… لكنّها أحسّت بنظراتٍ عليها.
رفعت عينيها وهي على ظهرها، فإذا بـ سيون تحت الشجرة، ينظر إليها بعينين متّسعتين دهشةً.
ولمّا كان لم يُبدِ أي اهتمام من قبل بما تقول أو تفعل، استغربت روزير وبادلته النظر.
“ماذا قلتِ الآن…؟”
ما هذا… ولماذا ردة الفعل المبالغ فيها هذه؟
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
التعليقات لهذا الفصل " 2"