لم أستيقظ على حركة شفتي رئيس النقابة إلا لأقفز من فوقه وكأن لصاً مذعوراً قد بيّتني.
“أ-أستيقظت؟”
لم يكن هناك رد على سؤالي الحذر.
لم يكن قد استعاد وعيه بعد، بل حرّك شفتيه فقط وكأنه يتحدث أثناء نومه.
أملتُ رأسي وقرّبت أذني من وجه رئيس النقابة.
كان بإمكاني سماع أنفاسه المنتظمة.
“أنت نائم حقاً، أليس كذلك؟”
تأكدت مجدداً لأكون على يقين.
وحتى بعد الانتظار لبعض الوقت، لم يردني سوى الصمت.
“إذاً، أنت ذاهب لتنام بسلام، غير مدركٍ بما حدث بيننا تَوًّا؟”
إذاً، فهو على الأرجح لا يدري أنني تعمّدتُ إطالة ملامسة شفتينا.
يالها من راحة!
خلعتُ ردائي وغطيته به.
“آسفة، لكن أرجو أن تنام هنا الليلة.”
أردتُ نقله إلى الأريكة، لكن مهما شددتُ بذراعيه، لم يتزحزح قيد أنملة، فلم يكن أمامي خيار آخر.
“إن ضايقتك من جراء هذا، كان عليك ألا تسكر.”
لم أستطع إلا أن أبتسم للوضع، وأنا أحدث نفسي كالمجنونة.
لن يكون لدى رئيس النقابة أدنى فكرة أنني طوال فترة حديثي مع نفسي كنت أحدق في شفتيه.
دلكتُ شفتيه برفق بأطراف أصابعي.
كان ملمسها ناعماً رائعاً، دون أي تشققات، مما جعلني أرغب في تقبيله مجدداً لو استطعت.
انتقلتُ بيدي من شفتيه لأداعب خده، ثم أمسكت بحافة الغطاء الذي يخفي عينيه.
“إخلع…”
رغم محاولتي رفع الغطاء على سبيل الاحتياط، إلا أنه لم ينخلع إطلاقاً.
“حقاً، لقد صنعت هذا خصيصاً لكي لا ينزع، أليس كذلك؟”
“……”
“هل لن تريني وجهك أبداً؟ أأبقى على حالي، وقعت في حب من لا أعرف له وجهاً؟”
إن استمريت في حب رئيس النقابة، أيقنت أنني سأنتهي بقلب محطم، عاجزة عن تحمل الفرق في ثقل مشاعرنا تجاه بعضنا.
تيقنت أن هذا سيصبح حباً بلا مقابل، لن يكتب له النجاح أبداً.
ولكنني لم أستطع كرهه أو التخلي عنه الآن.
على الأقل، إلى أن يزول دفء شفتيه من على شفتيّ، سأستمر في حبه.
“آه.”
وبينما كنت أتنهد بحسرة، لاحظت ظرفاً أبيض بدا وكأنه سقط من داخل رداء رئيس النقابة.
أي ظرف هذا؟
التقطته وفتحت الورقة التي بداخله.
خمنت أن سبب سُكْر رئيس النقابة ربما كان مكتوباً هنا.
أسلوب الكتابة الذي ملأ الورقة كان أنيقاً بشكل واضح للوهلة الأولى.
[يا طفلي. كيف هي حياتك هناك؟
أغضب اثنتي عشرة مرة في اليوم لا أستطيع تصديق أنك عالق كقائد لهذه المنظمة المبتذلة.
لقد سامحتك بالفعل.
ومركزك ما زال محفوظاً هنا.
إن عدت فحسب، يمكننا أن نتفاهم بشكل جيد كما في السابق.
قد تكون رجلاً بلا قيمة عندما تكون وحيداً، لكن بجانبي، يمكنك أن تتفوق على (كينيث).
أتعتقد أنني أفعل هذا لمصلحتي الشخصية؟ هذا كله من أجلك.
تذكر هذا. يجب أن تصبح هذه الدولة مِلكَكَ أنت.]
رغم أن النبرة كانت بلا شك لطيفة، إلا أنها بعثت في نفسي قشعريرة.
بدا الأمر وكأنه تهديد أكثر منه إقناع.
ثم من الذي يجرؤ على إرسال مثل هذه الرسالة التهديدية إلى رئيس النقابة خاصتي؟
استناداً إلى عبارة النداء يا طفلي، فالأرجح أنها من والديه.
وبالنظر إلى النبرة، فربما من والدته.
والكلمة الأكثر لفتاً للانتباه في الرسالة كانت (كينيث).
كان اسماً رأيته في إحدى الصحف مؤخراً.
تذكرت اسمه الكامل.
(كينيث إلدورا).
ولي عهد إمبراطورية إلدورا والرجل الذي يعارض الإمبراطورة باتريشيا.
لا، ل-لحظة.
إذاً تلك الجملة الأخيرة في الرسالة…
[يجب أن تصبح هذه الدولة مِلكَكَ أنت.]
هل يمكن أن يكون رئيس النقابة هو الأمير الثاني المفقود؟
“…!”
غطيت فمي بكلتا يدي.
وإلا لكنتُ قد شهقتُ بصوت مرتفع.
في تلك اللحظة، مرت بذهني كالمشكال جميع محادثاتنا السابقة.
“كما ترين، لقد أدبرت ظهري لشخصٍ كان في محنة وهربت.”
“مَالكِ لا تفهمين… أنه لا يوجد شيء أكثر إيلاماً من أن تكون أول من يترك…”
هل يمكن أن تكون تلك الحبيبة من ماضيه التي لا تُنسى هي في الواقع (الإمبراطورة باتريشيا)؟
إن كان نقيب النقابة، بصفته الأمير الثاني، قد غادر القصر تاركاً كل شيء خلفه عندما كانت الإمبراطورة في أمس الحاجة إليه…
“……”
كان رأسي يدور من التوصل إلى هذا الاستنتاج الذي لا يصدق.
شعرت وكأن سُكري قد زال تماماً.
وهل اختفى السُكر فقط؟
تلك السعادة الناتجة عن قبلتنا تبددت فجأة أيضاً.
كانت هذه مشكلة خطيرة.
لقد عقدتُ العزم على الابتعاد عن أي شخص له صلة بالدم الإمبراطوري، وها هو أميرٌ تحت أنفي مباشرة.
بعد أن أعدت الرسالة إلى ردائه، هربت من المكتب.
أضاء وجهي طوال طريقي عائداً إلى النزل قمرٌ كان ساطعاً على غير العادة.
شعرت وكأن السماء نفسها تعلم أنني اكتشفتُ سره.
***
“…انتهى بي الأمر بالسهر طوال الليل.”
عندما فتحت عينيّ المتعبتين، رأيت ما حولي وقد أشرق.
قد أمضيت الليل الطويل بلا نوم بسبب ما حدث الليلة الماضية.
وخلال هذا الليل الطويل المليء بالأفكار، عذبني أمران:
قبلتي مع رئيس النقابة وهويته الحقيقية.
قلقتُ بشأن كيفية التعامل معه في المستقبل إن كان حقاً الأمير المفقود.
ثم أدركت أن كونه أميراً ربما لن يعني لي الكثير.
ففي النهاية، لم أكن شخصاً مرتبطاً بالعائلة الإمبراطورية، بل كنت مجرد شخصية ثانوية تعيش في الأقاليم النائية.
علاوة على ذلك، لم يبدُ أن رئيس النقابة لديه أي نية للعودة إلى العائلة الإمبراطورية.
من ناحية أخرى، فهمت الآن سبب إخفائه الشديد لهويته.
‘مع مثل هذه الظروف العائلية المعقدة، كنت سأرغب في الاختباء أيضاً لو كنت مكانه.’
عندما وصلت أفكاري إلى هذه النقطة، شعرت فجأة بالأسف تجاهه.
فهو لم يستطع الكشف عن اسمه أو وجهه بحرية وهو يدير النقابة، ومع ذلك لم يستطع الهروب من ظل والدته، بل وتلقى رسائل تهديد منها.
رأيت أنه من الأفضل أن أتوقف عن مضايقته بشأن إظهار وجهه الآن.
فبينما كان رئيس النقابة يعالج الأمور الأخرى بدقة متناهية، بدا عاجزاً عن قطع علاقته بوالدته.
إن أراد ذلك حقاً، لاستطاع على الأرجح الاختباء بشكل جيد لدرجة أن الرسائل نفسها لا تصل إليه.
في الواقع، كان لدى رئيس النقابة بعض القدرات الغريبة نوعاً ما.
بهذه القدرات، وذكائه، وطلافته تلك، لاستطاع على الأرجح العيش بشكل جيد ويفعل أي شيء في أي مكان.
أردتُ مساعدة رئيس النقابة الذي لم يستطع التحرر من ماضيه.
أردتُ أن أكون مصدر قوة له، هو الذي لم يستطع الكشف عن هويته بحرية.
إن حدث له أي شيء وهو مختفٍ، أردتُ أن أكون سنده.
“مَالكِ لا تفهمين… أنه لا يوجد شيء أكثر إيلاماً من أن تكون أول من يترك…”
حتى لا يضطر أبداً لأن يجعلني أول من يتركه.
لقد تلاشى تماماً قراري بالابتعاد عن أي شخص له صلة بالدم الإمبراطوري.
أكان ذلك لأنني أحبه؟ أم بسبب كل المساعدات التي قدمها لي حتى الآن؟
الأرجح كليهما.
طالما تلقيتُ الكثير من المساعدة من رئيس النقابة، يجب أن أرد له معروفه.
“لا يحق لي أن أنتقد عزيزي لكونه عاطفي أكثر من اللازم.”
ومع استقرار أفكاري، شعرت بعقلي، الذي كان ضبابياً كأنه مغطى بالضباب، وقد انتعش وصفا.
نهضتُ من مكاني حيث كنت مستلقية على السرير متكاسلة.
وبما أنني قررت رد معروف رئيس النقابة، لم أستطع البقاء ساكنة.
“بليس! لنذهب إلى العمل!”
لنجد شيئاً يمكنه جني المال هنا أيضاً.
قادمة من عائلة عادية، وبدون أي قدرات خاصة، فإن أفضل ما يمكنني فعله هو ملء جيوب رئيس النقابة.
‘المال لا يشتري كل شيء في العالم، لكن لا يوجد شيء لا يمكنه المساعدة فيه.’
لا بد أن هناك عملاً هنا لشركة (جينجيجو للنقل) أيضاً. بالتأكيد.
في الصباح الباكر، كان بليس، الذي كان يراقبني، قد حلق ووقف على كتفي.
ارتديت رداءً جديداً وغادرت النزل.
ظل بليس يستجوبني طوال الطريق إلى المكتب الفرعي.
‘هل حدث شيء بالأمس؟’
بالأمس، كان بليس قد خرج لرحلة ليلية، مطمئناً أنني مع رئيس النقابة.
على الأرجح ذهب لمقابلة أصدقائه في غابة باندورا، والذين هم أيضاً حلفاؤه الموثوقون.
كانوا يجتمعون بانتظام ويناقشون شيئاً ما بلا نهاية.
بالطبع، لم أتكبد عناء سؤال بليس عن ظروف الطيور الوحشية.
لم أعتقد أن الطيور الوحشية القليلة ستسبب أي مشكلة.
لم يكن ذلك تجاهلاً مني، بل كنت واثقة فقط لأنني أثق بـ بليس.
رغم أن بليس كان يُظهر أحياناً ابتسامة شريرة كطير وحشي فاسد، إلا أنه كان طيراً شريفاً.
فهو في النهاية لم يتجاهل عندما كان بوتاس الضعيف المسكين يتعرض للإساءة.
مثل هذا الطير الوحشي لا يمكن أبداً أن يخطط لتلويث العالم بالشر.
نعم، بالتأكيد لا يمكن.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 91"