بعد أن انتهتِ المسرحيّةُ التي كانت تتّجه نحو المأساة بنهايةٍ سعيدة، سحبتُ سييون معي وبحثتُ عن مقهًى هادئ.
قطعتان من حلوى ، وكوبان من الشاي الأسود.
اخترتُ القائمةَ من تلقاء نفسي، لكنّ سييون لم يُبدِ أيَّ اعتراض.
كان يراقبني فقط وأنا أختار الحلويّات بعناية، وكأنّ الأمر يثير فضوله.
“المسرحيّة التي شاهدناها قبل قليل، أصلُها رواية. أتذكّر أنّنا اخترناها سابقًا لنقرأها معًا في الدرس.”
“إنّها روايةٌ كُتبتْ مستوحاةً من قصّةِ قدّيسة.”
“أوه؟ هل قرأتَها من قبل؟”
“نعم. العباراتُ الواردة في الكتاب ظهرت في المسرحيّة كما هي.”
أحقًّا؟
وبينما أُحاول استرجاع ذاكرتي، دفعَ سييون صحنَ الحلوى ذي القطعتين نحوي.
رغم بنيته الكبيرة، كان قليلَ الأكل.
لم أرفض الذي قدّمه لي سييون، وقضمتُ منه قضمة.
كان التوتُ البريّ المغروس فيه حامضًا باعتدال.
“كيف بدا لكِ الأمر يا آنيت؟ أعني المسرحيّة التي شاهدناها اليوم، أو الرواية الأصلية.”
توقّف فمي الذي كان يمضغ السكون.
هل يسألني الآن عن رأيي؟
حتّى الآن، لم يحدث أنْ سألني سييون يومًا عن انطباعي، مهما كتبتُ من مراجعاتٍ بعد القراءة.
كنتُ أعلم أنّه غير مهتمّ بمعرفة أفكاري، وكان ذلك واضحًا.
هو شخصٌ لا يهتمّ بالآخرين أصلًا، وليس الأمر مقتصرًا عليّ وحدي.
“اعتبرتُها قصّةَ خلاصٍ عاديّة.
البطلة التي كانت تعيش فقط من أجل الآخرين داخل المعبد، التقت بالبطل، وباتت قادرةً على أنْ تعيش من أجل نفسها بدل حياةِ التضحية الدائمة.”
أجبتُ وأنا أراقبُ سييون بانتباه.
رغم أنّنا شاهدنا المسرحيّة من منتصفها، إلّا أنّني أعرفُ محتوى الرواية، لذلك لم يكن الجواب صعبًا.
أومأ سييون برأسه وهو يحمل فنجان الشاي.
كان تعبيرُه يوحي بأنّه توقّع إجابةً من هذا النوع.
“صحيح. ظننتُها قصّةَ حبٍّ مملّة، لكن يمكن وصفُها بالخلاص أيضًا.”
انحنى سييون قليلًا وتمتم وكأنّه يُحدّث نفسه.
كان في صوته شيءٌ من المرارة.
ها هو يفكّر بحبّه الأوّل مجدّدًا.
حبُّه الأوّل كان دائمًا ما يُخرج مشاعرَ سييون المكبوتة خلف لا مبالاته.
[م.م : من كثر ما تذكرُ البطلة حـبهُ الأول، أتمنى أن لي المقدرة على دخول الرواية وصفعها واخبارها بأنها هي حُبه الأول]
وضعتُ الحلوى الذي أكلتُ نصفها على الصحن.
شعرتُ بغريزةٍ تقول لي إنّ هذه هي الفرصة لأسأله عن ماضيه.
“أثناء مشاهدة المسرحيّة، هل كان الجوُّ باردًا قليلًا؟”
“لا. هل شعرتِ بالبرد يا آنيت؟”
“أنا أيضًا لم أشعر، لكن بدا لي أنّك كنتَ تنكمش قليلًا، فقلتُ لعلّ سُموّك شعر بالبرد…….”
مددتُ آخر الكلمات وتجنّبتُ النظر في عينيه.
فتحتُ الحديث لأعرف شيئًا عن ماضي سييون، لكنّني لم أجرؤ على السؤال مباشرة.
هل سيتجاهلني؟
في اللحظة التي ظننتُ فيها أنّني لن أحصل على جواب.
“عندما قرأتُها كرواية لم ألاحظ ذلك، لكنّها كانت متشابهةً إلى حدٍّ فاجأني قليلًا.”
على غير المتوقّع، لم يتجنّب سييون الموضوع.
“مُشابهة.”
عند هذه الكلمة، عاد وجهُ البطلة إلى ذهني.
“تقصدُ البطلةَ التي ظهرت قبل قليل؟”
خرج السؤال من فمي دون وعي، وبصراحةٍ مفرطة.
لم يُحدّد المقارنة صراحةً، لكنّه لا بدّ أنّه أدرك أنّني أسأل عن حبّه الأوّل.
أغلق سييون فمه للحظة، ثمّ هزّ رأسه.
كان صوته وهو ينفي السؤال حاسمًا.
“إنْ كنتِ تسألين إنْ كانت تُشبه المرأةَ التي أحببتُها، فالجواب لا. لم تُشبهها إطلاقًا.”
“إذًا، ما الذي كان متشابهًا؟”
لماذا تراجعتَ حينها؟
ابتلعتُ السؤال الذي لم أستطع التفوّه به.
خشيتُ أنْ أعبثَ بجرحه أكثر ممّا ينبغي.
“لأنّني كنتُ مثل ذلك تمامًا. ظننتُ يومًا أنّني أستطيع أنْ أكون خلاصَها.”
“…….”
“لكنّني لم أكن.”
الشخص الذي ادّعى خلاصَ البطلة في الرواية والمسرحيّة.
لم يكن سييون يرى نفسه في البطل.
بل في الشِّرير الذي حاول أنْ يكون خلاصَها فأفسد العلاقة.
كان سييون يُسقِط نفسه عليه.
اختفى وجهُ البطلة من ذهني، وحلّ مكانه وجهُ الشِّرير.
الشِّرير كان يُحبّ البطلة.
أشفقَ عليها وهي محبوسةٌ في المعبد بصفتها قدّيسة، وارتكب شتّى الفظائع بدافع إنقاذها.
وفي النهاية، لم يبقَ إلى جوارهِ لا حبيبةً ولا حتّى صديقًا.
“ربّما كان التفكيرُ في أنْ أكون خلاصَ شخصٍ آخر هو بحدّ ذاته ضربًا من الغرور.”
“…….”
“أيُّ خلاص؟ وجودي بالنسبة لها…… لم يكن سوى يأسٍ فحسب.”
رغم أنّ مضمونَ كلماته كان ساخرًا من الذات، إلّا أنّ نبرةَ سييون كانت فاترة.
لم أستطع تخيّل كم من الوقت والمشاعر احتاج حتّى يصل إلى هذه الدرجة من الهدوء.
“آنيت. برأيكِ، ماذا تظنّين؟”
توجّهتْ نحوي نظرةٌ عميقة.
خلف عينيه الحمراوين، اللتين كنتُ أظنّهما دائمًا هادئتين، كان هناك عمقٌ يتلاطم.
“أنتِ تُظهرين لي حماسةً تفوق ما أحتاجه.”
في العادة، كان قلبي سيضطرب أمام جماله، لكنّ نظرته التي تحاول سبر داخلي لم تترك لي مجالًا للمزاح.
“تقولين إنّكِ ستُظهرين لي المودّة، وستجعلينني أشعر بها، رغم أنّنا مجرّد مرتبطين بعقد.”
“…….”
“حتّى لو كان هذا الشعور صادقًا. هل تؤمنين أنّه قد يكون خلاصي؟”
كان سييون يمسك بسكّين ويُقطّع الحلوى على الطبق نصفين، ثمّ أنصافًا أخرى.
لم أفهم سبب هذا التصرّف.
هل هو تحذيرٌ ألّا أتصرّف وكأنّي أُعلّمه الحبّ منّةً؟
بدا الاحتمالُ معقولًا، فابتلعتُ ريقي الجاف.
أنهى سييون كلامه وحدّق بي بصمت.
كانت يداه لا تزالان تُفتّتان السكون.
مددتُ يدي وسحبتُ السكين منه بحذر.
لو تركتُه، لتحوّلت الحلوى إلى فتات.
“أنا أتدخّل كثيرًا في شؤون الآخرين. قد يبدو هذا غرورًا في نظر سُموّك.”
سحب سييون يده بعد أنْ انتزعتُ السكين، ثمّ ركّز نظره عليّ وكأنّه يُنصت بجدّيّة.
“كلّ ما تقوله صعبٌ عليّ جدًّا. لذلك، بصراحة، لا أعرف الجواب.”
“…….”
“لا أملك القدرةَ على إنقاذ أحد، ولا روحَ التضحية إلى هذا الحدّ. هدفي في الحياة هو أنْ أعيش براحةٍ وبلا تعقيد.”
“…….”
“أنا فقط أتمنّى أنْ تكون سعيدًا يا سُموّ الأمير. دون تفكيرٍ زائد، فقط كأنّك تتنفّس، كحياةٍ يوميّة عاديّة.”
أجبتُه بصدق، دون تكلّف.
لم أتمنَّ له سعادةً تفوق الآخرين، يكفيه أنْ يكون طبيعيّةً.
باعتدال.
إلى الحدّ الذي يجعل الحياةَ محتملة.
قد يكون هذا تعاطفًا مع آلامٍ لا أعرفها، أو شعورَ ذنبٍ تجاه الصورة التي رسمتُها له في ذهني.
لكنّ رغبتي في سعادتهِ كانت صادقة.
كانت عينا سييون تحترقان.
أحمرَ من الغروب، وأعمقَ من أيّ شيء.
واصلتُ الكلام وأنا أنظر إلى ذلك العمق.
“……أتمنّى ذلك فعلًا.”
شعرتُ وكأنّني مسحورةٌ به.
* * *
“لا تقترب!”
صرخةٌ حادّة صكّت أذنيّ.
هل يمكن أنْ يُضرَب الإنسان بصوتٍ؟
حين غطّيتُ أذنيّ المؤلمتين، انفتح المشهدُ المظلم أمامي فجأة.
سييون الذي كان صغيرَ البنية دائمًا في الحلم، أصبح قد كبر.
وربّما لهذا السبب تغيّر ذلك الجوّ اللّيّن ليُشبه ما هو عليه الآن.
تقدّم متردّدًا نحو حبّه الأوّل.
كانت جالسةً على الأرض، ترتجف، فتراجعتْ إلى الخلف هربًا منه.
“كنتُ فقط أريد الاطمئنان عليكِ.”
لم يكن سييون وحده من تغيّر.
الهواءُ الذي يلفّهما كان مختلفًا بوضوح عمّا سبق.
“أنتِ مصابةٌ بشدّة.”
على عكس ملامحه الهادئة، كان صوته مليئًا بالأسى.
كان قلقه عليها واضحًا.
لكن للأسف، لم يصل ذلك إلى حبّه الأوّل.
“اقتلني بسرعة. هذا أشدّ رعبًا.”
حين شرعت المرأة تبكي، بدأ سييون يتراجع ببطء.
سقطتْ يده التي كانت ممدودة نحوها إلى الأرض، مقبوضةً بإحكام.
كدتُ أبكي بلا سبب.
هل هذه هي صورة حبّه الأوّل التي يحملها سييون؟
حتّى دون معرفة التفاصيل، كان واضحًا أنّ الأمور لم تكن بخير.
كلّما ارتفع بكاؤها، سخنتْ عيناي.
كان منظرُ سييون وهو يبتعد تدريجيًّا مثيرًا للشفقة، وأوجعني قلبه.
تركُ رجلٍ وسيمٍ مثيرٍ للشفقة هكذا جريمة.
وبينما أتبعُه، سطع نورٌ قويّ سدَّ المشهد.
كان وقتَ الاستيقاظ من الحلم.
“جريمة، جريمة…….”
تمتمتُ وأنا أفركُ وجهي بالقماش.
كان الفراش ناعمًا في العادة، لكنْ قبل أنْ أستوعب غرابة الأمر، وصلني صوتٌ منخفض من فوق رأسي.
“هل ظهرتُ في حلمكِ مجدّدًا؟”
“هـه؟”
حرّكتُ عينيّ لأفهم الوضع.
كنّا داخل العربة التي وصلتْ إلى قصر الدوق، وكنتُ قد دفنتُ وجهي بلا وعي في صدر سييون الجالس إلى جانبي.
“بدوتُ كأنكِ رأيتنيَ في حلمكِ وأنتِ نائمة.”
عند كلماته، مسحتُ فمي على عجل.
كنتُ أحلمُ حلمًا مؤثّرًا، ومع ذلك سال لعابي عند رؤية وجه سييون.
وفوق ذلك، أمسكَ بي متلبّسة.
آه، اللعنة.
يجب أنْ أخرج من هنا وأموت.
التعليقات لهذا الفصل " 22"