الحبّ لا يُتعلَّم من الكتب فقط. لم أكن جاهلة بهذه الحقيقة من قبل.
لذلك كنتُ أنوي، بعد أن أحشو رأس سييون بالنظريّات قدر المستطاع، أن أرميه في الميدان عمليًّا.
سواء بترتيب لقاءات زواجٍ مدبّرة، أو بخلق ظروف تجعل اللقاء الطبيعيّ حتميًّا… كنتُ عازمة على منحه تجربة واقعيّة بأيّ طريقة.
لكن…
بام!
يبدو أن هذا الرجل قد انتهى أمره.
“م… ماذا تفعل، يا سموّكَ؟”
ما إن دخلتُ مكتبه للدرس حتى دُفعتُ فجأة إلى الحائط، ومرت قبضة سييون بجانب وجهي مباشرة.
بام! انفجر صوتٌ مدوٍّ في أذنيّ مرّة أخرى، دون إعطائي فرصة لاستيعاب ما يحدث.
“عزيزتي.”
“……”
“أليس هذا المشهد الذي تحدّثتِ عنه بالأمس، يا آنيت؟”
استند بذراعيه القويّتين على الحائط خلف رأسي. ظهري إلى الحائط، وأمامي رجلٌ وسيمٌ بشكل مذهل يسدّ الطريق كلّه.
من المفترض أن يدقّ القلب في مثل هذا الموقف… لكن قلبي هادئٌ تمامًا.
نظراته التي تنظر إليّ من الأعلى خالية من أيّ عاطفة، ورأسي يرتجّ حتى الآن من قوّة الضربة التي كادت تهدم الحائط.
قرأنا رواية رومانسيّة، فلماذا يبدو المشهد الآن كأنه من فيلم رعب؟
“أشعر بطنين في أذنيّ، يا سموّكَ.”
“هل يحدث لكِ هذا أحيانًا؟”
“لا. ربما لأن سموّكَ ضربت بقوّة زائدة.”
سحبتُ أذنيّ المخدّرة وانحنيتُ قليلًا، فمررتُ من تحت ذراعه وخرجتُ. تجعّد حاجباه بوضوح؛ لم يعجبه تصرّفي.
ماذا يريد؟ أن أبقى محاصرة هناك إلى الأبد؟ وضعتُ يديّ على خصري ورفعتُ وجهي إليه.
“لقد أردت إثارة قلب من تحبّ، صحيح؟ من يضرب الحائط بهذه القوّة؟”
“لم أضرب بقوّة.”
لم يضرب بقوّة؟ لقد دوّى صوتٌ كأنّه انفجار! يبدو أن لسييون جانبًا وقحًا لم أكن أعرفه.
“يا سموّكَ، ضبط القوّة لا يكون مع البشر فقط.”
وبّخته وأنزلتُ يده عن الحائط. كانت مفاصل يده حمراء.
“كنت تنوي هدم الحائط؟”
“لا. كنتُ أنوي إثارة قلبكِ.”
دلكتُ مؤخرة يده الحمراء برفق دون تفكير. تصرّف لا إراديّ.
سحب يده كأنما شعر بالضيق، ثم فركها بنفسه، لكنه أجاب بأمانة:
“قلتِ بالأمس: لو كنتِ البطلة لاندفعتِ لتقبّلي البطل فورًا…”
“انس هذا الهراء.”
قاطعته بحزم. ذاكرة سييون الانتقائيّة ممتازة جدًّا.
“لماذا؟ ألا تُقبَّل عندما تُثار القلوب؟”
“من قال ذلك؟”
“أبطال الروايات كانوا كذلك. يقبّلون وجهاً لوجه، أو في زنزانة تحت الأرض وهما يبكيان…”
أغلق كلامه فَـمي للحظة. صحيح… لكنه يبدو خاطئًا الآن.
لا يحقّ لكَ أن تهجم بشفتيك على أيّ أحد فقط لأن قلبكَ دقّ!
“يا سموّكَ، يجب أن يدقّ قلبا الاثنين معًا. ألم أكرّر دائمًا؟ اسأل الطرف الآخر قبل أيّ احتكاك جسديّ.”
“لكن في الروايات…”
“نحن قرأنا مشاعرهما وأجواءهما بالكلمات فقط. لا نعرف بالضبط ما شعرا به في اللحظة ذاتها.”
أطبق شفتيه بقوّة. تعبير “لا يعجبني” المعتاد.
تبدو تعابيره متشابهة، لكن عند التمعّن تختلف. عيناه الحمراوان اللتان لا يُقرأ فيهما شيء عادة، تكشفان بوضوح عندما ينزعج.
الدرس اليوم يسير في اتّجاه غير متوقّع تمامًا. ابتلعتُ تنهيدتي وتابعتُ بلطف:
“اسمع. لنفترض أننا شخصيّتا الرواية.”
رفعتُ يدي ووضعتها برفق على كتفه. لمسة خفيفة جدًّا كي لا ينزعج.
“سأقلّد مشهد اعتراف البطلة بالحبّ للبطل في الرواية التي قرأناها بالأمس.”
اقتربتُ منه ووقفتُ على أطراف أصابعي. اقترب وجهه الوسيم الخارق فجأة حتى أصبح على بُعد أنفاس.
“أحبّكَ إلى درجة أن أغفر لكَ كلّ حماقاتكَ السابقة.”
ردّدتُ الحوار كَا هو. مشهدٌ رومانسيّ يؤكّد فيه البطلان مشاعرهما.
لكن بالنسبة إلينا، مجرّد درس.
“هل دقّ قلبكَ الآن؟ هل تريد تقبيلي؟”
“……”
“
“لا على الإطلاق، صحيح؟ قد يختلف الشعور الفعليّ عمّا في الرواية.”
هبطتُ على قدميّ وتراجعتُ خطوة. كانت ساقايّ متعبة من الوقوف على أطراف الأصابع ولو للحظات.
“لذلك يا سموّكَ، خذ مشاهد الروايات مرجعًا فقط. يمكنكَ استخدامها لإثارة من تحبّ، لكن…”
نظر إليّ سييون بهدوء تامّ، دون أن يصدر صوت تنفّس. بدا وكأنه يحاول استيعاب كلامي.
“لا تهجم بشفتيكَ فجأة. مفهوم؟”
أكّدتُ مرّة أخيرة خوفًا من سوء الفهم. “هجوم الفم” كلمة نستخدمها في المزاح فقط؛ في الواقع هو جريمة.
بقي سييون مفكّرًا طويلًا، ثم أخرج لسانه ومرّره على شفتيه. حركة بسيطة جدًّا، لكنها بدت كلوحة.
“فهمتُ الآن. يجب أن أُثار قلب الطرف الآخر أوّلًا، ثم أنتقل للخطوة التالية.”
أومأتُ برأسي؛ يبدو أنه فهم تقريبًا. لن يُفزع ابنة عائلة نبيلة فجأة. الحمد لله.
انتهى الموقف، حان وقت الدرس. استدرتُ نحو الأريكة. بقي سييون يحدّق بي.
“اجلس يا سموّكَ، يجب أن نبدأ الدرس.”
أشرتُ له برفق. بسبب حصاره ليّ فور دخولي، ضاع وقتٌ كثير وقلّ وقت الدرس.
“آنيت.”
“نعم.”
رددتُ على ندائه وناولتُ خطّة الدرس التي أعددتُها ووضعتها على الطاولة. اليوم سأعلّمه ألّا يُجبر الطرف الآخر عند الاعتراف.
كنتُ أعيد ترتيب أهداف الدرس في رأسي، حتى جاءني سؤال غير متوقّع:
“إذًا نحن لن نخرج في موعد أيضًا؟ لأننا لسنا في رواية؟”
“ماذا؟”
“أريد أن أجرّب الموعد أنا أيضًا.”
كيف وصل عقله إلى هذا الاستنتاج من هذا الموقف؟ استسلمتُ لمحاولة فهم دماغه.
وجه سييون الحازم لا يبدو مستعدًّا للتنازل.
* * *
في مكتبٍ هادئ تمامًا، كان سييون يعالج جبلًا من الأوراق. أمامي على الطاولة كانت انطباعاته المقدّمة.
هذا موعد؟
كتمتُ الكلمة التي كادت تخرج. أنا الوحيدة التي تشكّك في الأمر.
تخيّلتُ مشاهد عديدة عندما قوله إنه يريد موعدًا: رحلة بالقارب، أو مكان شهير برؤية الزهور…
فكّرتُ أن اختيار مكان مسبق لموعده المستقبليّ ليس فكرة سيّئة.
لكن رؤية سييون مختلفة تمامًا. عندما قلتُ إنني سأستعدّ للخروج، أمال رأسه متعجّبًا:
“هل من الضروريّ الخروج؟”
سمعتُها كأنها: “لماذا نضيّع الوقت خارجًا؟”
“قال البطل إن مجرّد مشاركة النَفَس في المكان نفسه يُعتبر موعدًا.”
استشهد سييون بجملة رومانسيّة من إحدى الروايات، لكن النتيجة التي توصّل إليها كانت جافّة وقاسية.
“يا سموّكَ، إلى متى سيستمرّ هذا الموعد؟”
أن نجلس في المكتب ونعمل كلٌّ في شأنه موعد؟ لا أعرف من أين أبدأ النقد.
لكنني لا أستطيع قول شيء الآن؛ شرطه كان: ممنوع الدروس أثناء الموعد.
“هل وقتكِ معي مملّ؟”
سأل سييون دون أن يرفع عينيه عن أوراقه.
من الطبيعيّ أن يكون مملّ! أنا جالسة بجانب شخص يعمل، ماذا أفعل؟ أومأتُ برأسي دون شعور ثم تفحّصتُه بسرعة. لحسن الحظّ لم يرَ إيمائي.
“لا، ليس كذلك تمامًا… لكن لا يمكنني تصحيح واجباتكَ طوال اليوم.”
قرأتُ انطباعاته ثلاث مرّات بالفعل. لم يكن لديّ عمل آخر.
“إذا شعرتِ بالملل، اقرئي هذا. سأنهي هذه فقط.”
وُضع أمامي كتاب ضخم بعنوان: “مجموعة قوانين دوقيّة فرناندي الأكبر”. العنوان وحده يكفي ليُغلق جفنيّ.
هل يجد سييون متعة في موعد كهذا؟ رمقتُه بنظرة جانبيّة وفتحتُ كتاب القانون. يجب أن أفعل شيئًا كي يمرّ الوقت.
وبعد أن قرأتُ السطر الثالث بالضبط… غرقتُ في النوم دون مقاومة.
“سييون، هل أنتَ متأكّد أنكَ بخير؟”
في الحلم مرّة أخرى، كان سييون الصغير على وشك البكاء.
التعليقات لهذا الفصل " 18"