1
المقدّمة
قاعة المحكمة المقدّسة.
راهنت إميليا على كلّ ما تملك من أجل هذه المحاكمة.
كانت ابنتها تبلغ من العمر أربع سنواتٍ فقط.
ولم يكن بإمكانها أن تترك طفلتها لرجلٍ لا يعرف سوى العمل، بل وأحضر عشيقةً له قبل الطلاق مدّعيًا أنّها زوجته الجديدة.
“راي تبلغ من العمر أربع سنواتٍ فقط. حتّى إنّها عبّرت عن رغبتها في العيش معي.”
“كم قلتِ إنّ حجم ثروة عائلة الفيكونت بودويل؟”
جفلت إميليا.
لكنّ مقاومتها توقفت عند هذا الحدّ.
أمال الرجل الجالس باسترخاءٍ رأسه.
لقد كان الدوق ثيودور كاسيليك، الملقب “بركيزة إمبراطورية كرونوس”، وزوجها السابق.
“خمسة آلاف قطعة ذهبية قُدّمت كنفقة طلاق. لقد أخبرني والداكِ وهما يحنيان رأسيهما شكرًا لي، أنّ هذا المبلغ مكّنهما من سداد ديونهما.”
لم تستطع إميليا النطق بكلمة.
في لحظةٍ واحدةٍ، أصبح عقلها أبيض تمامًا.
لأنّ كلامه كان حقيقيًّا.
تنهّد كاسيليك وهو ينظر إليها بتمعّنٍ.
“للعلم، خمسة آلاف قطعة ذهبية هو مبلغ لا يرمش له جفن عائلة ثيودور. والآن تزعمين أنّ عائلة الفيكونت بودويل ستتولى تربية طفلتي؟ مَن عساه يضمن أنّ نسلي سينشأ بشكلٍ صحيحٍ في كنف عائلةٍ كهذه؟”
“دوق. السيدة -أو الآنسة إميليا- تتحدث بدافع القلق على راي، فلا تكن قاسٍ جدًّا معها.”
في تلك اللحظة.
قاطع صوتٌ مليءٌ بالقلق نابعٌ من مقاعد الحضور كلمات كاسيليك.
كانت سيرينا هي مَن تقف هناك، بتعبيرٍ يوحي وكأنّها ستنفجر بالبكاء إذا لمسها أحد.
عشيقته، ودوقة المستقبل المرتقبة.
“سيدتي.. لا، آنسة إميليا. سأعتبر راي طفلتي وسأقوم بتربيتها. لا تقلقي بشأن هذا الجزء أبدًا.”
“… هذا صحيح.”
حينها فقط، نبرة صوت كاسيليك لانت قليلاً.
“يبدو أنّكِ تتخيلين مستقبلاً غريبًا، لكنّ سيرينا ليست من النوع الذي ينجرف وراء مشاعرها.”
“……”
“سوف تربي الأميرة راي بشكلٍ جيدٍ جدًّا. لذا، كفّي عن القلق العبثيّ.”
للأسف، لم تملك إميليا أيّ حجةٍ لدحض ادعاءات كاسيليك.
نظر إليها وهي تعضّ شفتيها، ثم أشار بذقنه نحو القاضي.
“إذًا، لتُختتم المحاكمة على هذا النحو…”
كان ذلك في تلك اللحظة.
التفتت رؤوس الحاضرين الذين كانوا ينظرون للأمام طوال المحاكمة.
-صرير.
“هوبا.”
فُتح الباب، وظهرت طفلة تمسك بمقبض الباب وهي تقف على أطراف أصابعها وترمش بعينيها.
عينان واسعتان تذكران المرء بـالبحر الأزرق. شعر فضي قصير ومرتب.
ووجنتان بيضاوان ناعمتان كـالدقيق.
تجمّعت أنظار الجميع نحو هذه الطفلة الصغيرة التي بدت وكأنّها ملتصقة بالأرض من فرط قصر قامتها.
وبعد قليل.
“لماذا لا تسألون راي؟”
“مـ- ماذا؟”
عندما سأل القاضي المرتبك من السؤال الطفوليّ، رفعت الطفلة التي دخلت تمشي بخطواتٍ متعثرةٍ صوتها بكلّ ثقةٍ مرةً أخرى.
“أيها القاضي! بما أنني أحترمك، اسأل راي مع مَن تريد العيش!”
اسم الطفلة هو راي.
الابنة التي وُلدت بين إميليا وكاسيليك، ولم تكن سوى بطلة هذه المحاكمة.
في اللحظة التي تركزت فيها أنظار الجميع.
“قانون الإمبراطورية، المادة 84.”
وضعت راي الحقيبة التي كانت تحملها على كتفها على الأرض، وأخرجت كتابًا سميكًا.
“ماذا تفعلين؟”
قطب كاسيليك ما بين حاجبيه، ولكن..
“… عندما يصل الطفل إلى سنٍّ يمكنه فيه التعبير عن رأيه بنفسه…”
ضاقت عينا الطفلة وهي تحدق في الكتاب بتركيزٍ شديدٍ.
“يتمّ تحديد الحاضن مع وضع إرادة الطفل في المقام الأول!”
رغم أنّ قراءتها كانت متعثرة، إلا أنّها لم تتوقف، ثم زفرت راي نفَسًا عميقًا ونظرت إلى القاضي.
“أيها القاضي. هذا صحيح، أليس كذلك؟”
ساد صمتٌ قصيرٌ.
أُصيب الحاضرون بالذهول من حقيقة أنّ ما قرأته الطفلة للتوّ هو كتاب القانون.
وكذلك كان الحال بالنسبة لكاسيليك وإميليا.
“همم.. صحيح. إذًا، ما هي إرادة الآنسة راي؟”
الشخص الوحيد الذي أبدى فضولاً في القاعة كان القاضي الذي لمعت نظارته.
أخذت راي نفَسًا عميقًا وهي تنظر إلى وجه القاضي الذي يراقبها.
ثم–
“راي لا تحتاج إلى أبٍ كهذا!”
صرخت بكلّ قوتها بالصدق الذي أرادت قوله طوال الوقت.
“راي ستعيش مع أمها!”
تلك الحياة في قلعة الدوق التي سئمت منها.
مدى البؤس الذي عاشته راي وأمها في حياتها السابقة حين اتبعت والدها.
بدلاً من عيش تلك الحياة مرةً أخرى.
كان من الأفضل حقًّا ألا تملك أبًا كهذا.
‘عندما كانت حية كنتَ تعاملها كأنّها غير مرئيةٍ، وفقط بعد موتها تأتي إليها بقدميك…!
* * *
الفصل 1
في يومٍ كان المطر يهطل فيه برتابةٍ.
عندما وصل رجلٌ طويل القامة وطفلة صغيرة إلى قاعة الجنازة، رُشقت نحوهما نظراتٌ حادة.
“يا إلهي، إنّه الدوق كاسيليك.”
“تلك الطفلة، هل يُعقل أنّها ابنة إميليا؟”
“… لم يُظهرها ولو لمرةٍ واحدةٍ حتى عندما كانت إميليا مريضة. والآن بعد أن ماتت أمها، يُحضر الطفلة.”
كان الأمر تمامًا كما يقول الناس.
لم ترَ راي أمها منذ طلاق والديها.
لأنّ والدها، الدوق كاسيليك، قام بتربيتها في قلعة الدوق وفصلها عن أمها.
زواجهما الذي بدأ كـعقدٍ، كان يتضمن شرطًا واحدًا.
[يمتلك ثيودور كاسيليك حق الحضانة على أيّ طفلٍ يولد بينهما.]
قيل إنّ العقد هو وعد.
ولأنّه إذا لم يُلتزم به سيذهب المرء إلى السجن، فقد كانت راي تتواصل مع أمها عبر الرسائل فقط طوال ذلك الوقت.
‘لقد قالت أمي إنّنا سنلتقي حتمًا لاحقًا.’
ظهرت تجاعيد القلق وال حزن حول فم الطفلة وهي تحاول حبس دموعها.
‘أمي.. هل أنتِ داخل ذلك الصندوق الأسود؟’
في تلك اللحظة.
رأى أقارب إميليا، الذين اتخذوا أماكنهم في المقدمة، راي وكاسيليك وبدأوا يتحدثون.
“هل نسلم على الطفلة؟ أم لا؟”
“… اترك الأمر. إذا تحدثنا معها، سيثور الدوق غضبًا.”
جفلت راي وهي ترى وجوههم.
بدا الجميع وكأنّهم يشبهون أمها قليلاً، لكن تعبيراتهم كانت مخيفة.
انكمش جسد راي كـغزالٍ صغيرٍ أمام النظرات التي كانت تتفحصها علانيةً.
لو كانت طفلةً أخرى، لربما اختبأت خلف ساق والدها أو أمسكت بيده.
لكن بعد طلاق والديها، لم تتلقَّ راي أيّ حمايةٍ من والدها أبدًا.
وكذلك كان الحال الآن.
“… لماذا…”
بدلاً من الاهتمام بالطفلة، كان كاسيليك يتنفس بصعوبةٍ غير قادرٍ على كبح مشاعره.
“لماذا!”
“!”
جثا كاسيليك على ركبتيه فجأةً، ممّا أصاب راي بذعرٍ شديدٍ.
“… لماذا رحلتِ بالفعل؟ هذا مستحيل. كُتِبَ بالتأكيد في ذلك الدفتر أنّ هناك سنة أخرى متبقية…”
“سيدي. ارجوك اهدأ.”
“لماذا ماتت بالفعل؟ لقد أوشكتُ على الانتهاء، لماذا بحقّ الجحيم!”
-دوك دوك.
تسارعت نبضات قلب راي مع الصراخ الذي دوّى في القاعة.
لا تعرف ما الأمر، لكن والدها الذي كان يتصرف بصرامةٍ دائمًا، كان يبكي الآن كـالطفل الصغير.
لم يكن الموقف جيدًا.
اهتزت عينا راي وهي تنظر إلى ظهره المنهار وكأنّها تواجه رياحًا عاتيةً.
في تلك اللحظة بالذات.
“… لا بأس.. يمكنني إعادتها مجددًا. إذا بدأتُ من جديد…”
“سيدي!”
ركض كاسيليك خارجًا من قاعة الجنازة وهو يتمتم كـالمجنون.
بسبب تصرفه المفاجئ، ساد الهرج والمرج في قاعة الجنازة الهادئة.
“ما بال الدوق يتصرف هكذا فجأةً؟”
“هو مَن تخلّى عن إميليا بنفسه، فهل يريد التصرف هكذا في جنازتها؟”
بمجرد اختفائه، تحولت النظرات الحادة التي كانت موجهة لكاسيليك نحو راي.
“أيّ أمرٍ طارئٍ هذا الذي يجعله يرحل ويترك الطفلة خلفه؟”
“انظروا كم هي خائفة. يا لها من مسكينة.”
لقد رحل والدي. إذًا ماذا ستفعل راي؟
ارتجفت يداها الصغيرتان اللتان تشبهان نجم البحر.
كانت العمة سيرينا تقول إنّ راي تستطيع أكل الخبز وارتداء الملابس فقط لأنّها من نسل ثيودور.
ولولا ذلك، لكانت قد رُميت في الشارع.
“إلى أين أنت ذاهب، يا أبي!”
بدأت راي، التي كانت تتفحص محيطها بعينين مرعوبتين، بمطاردة كاسيليك أولاً.
“لا.. لا تترك راي، لا يجب أن تترك راي.. واااااع!”
في النهاية، انفجرت بالبكاء الذي كانت تحبسه.
شعرت وكأنّ الحزن والقلق قد تحوّلا إلى وحشٍ يبتلعها.
تبعت راي كاسيليك، الذي دخل إلى مستودعٍ مهجورٍ على جانب الطريق، وكأنّها تتعلق بـحبل نجاةٍ أخيرٍ.
“… أبي؟”
لكن ما عاد إرايا سوى صرخةٍ باردةٍ.
“كيف وصلتِ إلى هنا، اللعنة!”
كان كاسيليك يتصبب عرقًا باردًا وهو يشتم، ولا يُعرف ماذا كان يفعل.
الأمر الغريب هو أنّ هالةً من الضوء الأبيض كانت تنبعث من يده التي تمسك بساعةٍ.
“اخرجي من هنا الآن. وإلا…”
حاول كاسيليك كبح الضوء بيدٍ واحدةٍ ولوح باليد الأخرى ليبعدها، لكن يبدو أنّ شيئًا ما قد بدأ بالفعل.
“أوه؟”
اتسعت عينا راي من الموقف غير المتوقع.
“اللعنة!”
ومع شتيمة كاسيليك.
غطى ضوءٌ أقوى من الشمس راي، وانعدمت الرؤية أمامها في بياضٍ تامٍّ.
التعليقات لهذا الفصل " 1"