استمتعوا
قلتُ وأنا لا أزال جالسةً على الأرض، تتعثر كلماتي.
“هل أنتَ… بخير؟”
“كما ترين.”
“يا لها من راحة…”
وحينئذٍ فقط تسرَّبت القوة من جسدي كله.
كنت أُطلق زفرة طويلة حين نهض نائب القائد يُسعفني.
فزعت، فضمَّ نائبُ القائد حاجبيه.
“هل تؤلمك شيء؟”
“آه…”
وبينما كنتُ أتلعثم، جاء صوت أعضاء وحدة أنتونيو من خلف الباب.
“لقد سقطت في الممر!”
“بشدة بالغة!”
يبدو أنهم رأوا ذلك وتبعوني.
كنتُ قد ذُهلت تماماً حتى لم أشعر بهم يأتون وراءي.
قلت بوجه محرج.
“كنت أركض…”
“وما الأمر العاجل الذي استدعى ذلك؟”
“ظننتُ أن شيئاً ما حدث للورد. قيل إن رئيس المجلس وابنه غادرا المنزل خلسةً، فخشيتُ أن يكونا قد تسللا إلى القلعة…”
“ماذا؟”
“لأن… المطرودين من عائلة فالبوا يستخدمون السُّم. خشيتُ أن يكونا قد حصلا عليه وهاجما اللورد…”
“فركضتِ إلى هنا بهذا الذعر الشديد؟ حتى وقعتِ في هذه الحال؟”
عبثتُ بأصابعي مترددة.
‘يا لي من حمقاء.’
كان يجب أن أُحكم فهم الموقف أولاً ثم أتحرك.
لا شك أنني بدوتُ طفلة عديمة الفائدة في اللحظات الحرجة.
كان القائد يرمقني بنظرة هادئة ثابتة.
“أنا… آسفة…”
قلت ذلك وأخذت أتراجع خطوةً خطوةً بتردد، فأقبل القائد نحوي بخطى واسعة.
ثم احتضنني دفعةً واحدة.
جمدتُ في مكاني من فرط الدهشة.
قال للنائب.
“اسجن هؤلاء في الزنزانة.”
“نعم.”
وما إن انتهى من كلامه حتى مضى في الممر وأنا في حضنه.
أدار المارة في الممر عيونهم نحونا في ذهول.
مدَّ التابعون أعناقهم يتساءلون ما الخطب.
أسرع الخدم في الانحناء، أما الخادمات فقد راحت وجوههن تتورد وهن يسترقن النظر إلى القائد.
وأما أعضاء الوحدة…
“ما هذا؟”
“هاه؟”
“القائـ… اللورد؟!”
بدا على وجوههم ذهول كمن سمع أن الدنيا قد انقلبت رأساً على عقب.
وكان ذلك طبيعياً، فالقائد ليس من يحتضن أحداً.
حتى أنا نفسي لم أدر ما يجري.
“أستطيع المشي…”
“يبدو أن بساقيك خللاً ما.”
“ماذا؟”
“حين أنقذتِ ذلك العجوز في قلعة إيسغاروت، سقطتِ هكذا أيضاً.”
“آه… ساقاي تخذلانني حين أصاب بالهلع. لكن في العادة لا مشكلة فيهما. وأنا قادرة تماماً على أداء ما يُوكَل إليَّ من مهام، لذا…”
“لم يكن كلامي بهذا المعنى.”
‘إذاً بأي معنى؟’
تساءلتُ لكن لم يتسنَّ لي أن أسأل.
إذ بحلول اللحظة التي أتمَّ فيها كلامه، كنا قد وصلنا إلى غرفتي.
فتح الخادم الفطن الذي كان يمر في ذلك الممر الباب لنا.
وضعني القائد على السرير،
ثم غطَّاني بالغطاء.
جلستُ ممسكةً بطرف الغطاء أرقب تعابير وجهه.
“الرئيس وابنه…”
“لا تشغلي بالكِ. كان هذا ما قصدته.”
“ماذا؟”
“كنتُ بحاجة إلى تأديب أحدهم تأديباً بليغاً يكون عبرةً للآخرين.”
آه، إذاً.
استفزَّ الرئيسَ عمداً.
حتى يُحاول اغتياله.
فيُسهل ذلك طرده طرداً قاطعاً ويُسكت التابعين.
‘يا له من رجل مذهل.’
أضاء وجهي ابتساماً وقلت.
“إذاً كنتَ تلزم القلعة طوال الوقت عمداً حتى يستخدموا الممر السري.”
“كنت بحاجة إلى معرفة الممرات السرية لتأمين داخل القلعة.”
“رائع!”
صفَّقتُ بفرح.
كان محاولة حمايتي للقائد أمراً أحمق حقاً.
أسلان قائد الأشباح، هو شخص يرتقي إلى منصب الدوق ويصبح ركيزةً من ركائز الإمبراطورية حتى بدوني.
هكذا وصفوه في اللعبة حين بلغ ‘كمالَه’ دوقاً.

قلت مبتسمةً في سذاجة.
“آسفة على تدخلي الأحمق بقلق لا مبرر له.”
“أشعر بالغيظ.”
“…ماذا؟”
تجمَّدتُ.
‘أثارت حفيظته؟’
كأن قلبي هوى إلى الأعماق.
انعكستُ في قرنيَّه الحمراوين الشفافتين، متصلِّبةً خائفة.
هاجمني الذعر فجأة.
كان أبي الحقيقي يخيفني حين يغضب.
جلستُ ثلاثة أيام بلياليها على ركبتيَّ أمام غرفته ولم يأذن لي بالدخول.
وفي النهاية تخلَّى عني.
انتزعتُ الغطاء عني ونهضتُ من السرير فوراً.
ثم انحنيتُ وضممتُ يديَّ.
“لم يكن عدم ثقتي بك… ولا اعتقادي أنني خير منك… أعني، أنا فقط… آسفة. آسفة. آسفة…”
وفي لحظة تضرُّعي، شدَّني إليه بقوة.
“غيظي أنك تعتذرين!”
“…”
“بذلتِ كل هذا الجهد ورغم ذلك تعتذرين. لماذا تتصرفين كالمجرمة في كل مرة؟!”
“إذاً… إذاً ماذا يجب أن أفعل…؟”
“ماذا؟”
“جاهدت… وجاهدت ومع ذلك لم أستطع أن أبقى بجانب أحد… مهما اجتهدت… جهدي يُزعج الآخرين… أنا من هذا النوع… ومع ذلك أتعلق بك… لذا يجب أن أعتذر…”
“…”
“آسفة. ومع ذلك أريد أن أبقى هنا… يجب أن أحمي أمي… وأيضاً… وأيضاً… لأن هنا دافئ…”
كان جسدي كله يرتجف.
تكاثرت أسناني متقارعة كأن البرد ابتلعني من كل جانب.
“هنا دافئ جداً… آسفة. آسفة…”
وما إن خرج جسدي عن السيطرة حتى انبثقت دموعي قسراً.
‘كفي. لا تبكي.’
لكن مهما حاولت، لم يكن ثمة من يكبح ذلك الطوفان.
إن بكيتُ سيكرهني أكثر.
هكذا كان الجميع.
عضضتُ اللحم الطريَّ داخل فمي حتى لا يصدر عني صوت بكاء.
وفي تلك اللحظة بالذات.
احتضنني.
“…!”
فتحت عيني مذهولة، فقال وهو يضمني.
“يكفي…”
“…”
“لم أكن أريد أن أجعلك تقولين هذا…”
“…”
“آسف. آسف…”
“أوووه…”
ارتخت العضلات المشدودة إلى أقصاها شيئاً فشيئاً.
اتكأتُ عليه كمن يسقط، وأطلقتُ العنان لبكائي.
*
يتذكر أسلان اللحظة الأولى التي رأى فيها يوستيا.
لم يكن عاجزاً عن تفادي تلك الطفلة التي اندفعت من بين الأشجار.
بل كان مستحيلاً عليه ذلك.
“أبـي─!”
كان الوجه الذي صاح بذلك في شوق بالغ متلهِّف.
كأنه هو نفسه في أيام كفاحه اليائس للبقاء.
وباندفاع لحظي جلب يوستيا معه.
وتلك الطفلة التي جاء بها…
“صنعتُه في السر. …السجق.”
كانت غريبة.
كم كانت تتقن من أشياء وكم كان في ذلك إلحاح.
طوال الطريق إلى سان ميغيل لم يرى يوستيا تنام.
ما إن يُتاح لها لحظة استراحة حتى تأخذ في رتق الثياب الممزقة، وتجهيز الطعام…
كان نشاطها الدؤوب غريباً مثيراً للعجب، فأغمض أسلان عينيه على إبقاء لورينزو إياها في القلعة.
وداخل القلعة ظلَّت يوستيا على حالها.
تبحث دائماً عن عمل تُؤدِّيه.
وكل ما أمسَّ بها يدها غدا ذا جدوى عظيمة للأشباح.
“علَّمتنا المعلمة الصغيرة القراءة!”
“بفضل يوستيا استطعنا إقصاء الفيكونت سان ميغيل بيسر.”
فضلاً عن شؤون القلعة الداخلية.
“أنا أعرف هذه الرمز. إنها رمزة اللعنة. تبدأ من القلب وتنتشر في الجسد كله. وصولها إلى الرسغ يعني أن الوضع بالغ الخطورة…”
حتى طريقة إزالة تلك اللعنة التي كانت تُعذِّبه وجدتها.
كانت يوستيا مثابرة.
ترعاه ليلاً ونهاراً مرةً بعد مرة.
“إن ألصقنا الثلج خلف المروحة صار مكيَّفاً صغيراً! …أعني أنه يُبرِّد جداً.”
“هل تعلم أن تناول الحلوى بكثرة يُجلب النوم؟ يُسمَّى ارتفاع السكر، وهو ليس مفيداً للصحة، لكن النوم ولو قليلاً أفضل لك الآن.”
“آه، استيقظت؟ أعتذر. كنت أُغيِّر لك اللاصق…”
تحمل على ظهرها حقيبة بحجم جسدها وتمشي في سلالم لا تنتهي وتتصبَّب عرقاً.
ومع ذلك، كانت تُمعن النظر إليه بقلق، تخشى أن تكون قد أزعجته دون قصد
وإذا أُريد الإنصاف، فإن الأشباح لم يقدّم لتلك الفتاة إلا ما يَسير، بينما كانوا هم من يتلقى منها العون مرارًا
ومع ذلك، حين حاول رجلٌ يدّعي أنه معلمها في الماضي اختطافها ليظفر بمعلوماتٍ عن الـأشباح، صاحت قائلةً.
“دعني! لن أبوح بشيء!”
“لا! الأشباح ناس طيبون!”
قفزت من عربة مندفعة بسرعة فائقة، فتشرَّب جسدها الدماء من كل جانب، وكانت تلك كلماتها.
بعد كل ذلك ظلت تتوسل.
“…لم أتكلَّم.”
“…”
“لن أتكلم عن الأشباح أبداً في المستقبل…”
“…”
“لذا… لا تتخلَّوا عني…”
لماذا؟
طوال ذلك اليوم ظلَّ يستحضر السبب الذي جعل يوستيا تفعل ما فعلت.
وجاء بالجواب أنتونيو.
“سألتها لماذا فعلت ذلك. قالت إنك ايها القائد كنت تُجيب عندما تسأل.”
“…”
“وقالت إنها فرحت لأن نائب القائد ودَّعها بالسلامة، وقالت إنه كانت سعيدة حين كنا نأتيها أحياناً ببعض الفاكهة.”
كان أمراً أحمق.
وماذا في تلك الأشياء التافهة؟
بكل هذا الجهد ومع ذلك تظل تترقب وتتحاشى.
تعتذر وتشكر في كل لحظة حتى يكاد يُجهد ظهرها انحناءً.
ولا يتُحنق أمام المهام الشاقة.
ذهبت لتلتقي بدوق إيسغاروت فكادت تُودي بحياتها.
ومع ذلك همَّت بالابتسام لأنها أتمَّت مهمتها.
لذا ظلَّت عيناه عليها دائماً.
‘لعلها تعود جريحة من جديد.’
‘لعلها أرهقت نفسها حتى حافة الانهيار.’
‘بعد كل هذا الجهد، لماذا تعتذر في كل مرة؟’
لأنها حمقاء.
حمقاء إلى حد مفرط.
لذا…
“هنا دافئ جداً… آسفة. آسفة…”
أراد أن يحميها.
قلقاً عليها، تلك التي لا تعرف من الحب إلا أن تمنح نفسها بكاملها.
نظر إلى تلك الطفلة التي ابتلَّ وجهها بالدموع.
“يوستيا، أنا لا أعرف ما هو حنان الوالدَين.”
“…”
“ولا أستطيع أن أضمن أنني سأُتقنه مستقبلاً.”
“…”
“ومع ذلك إن كنتِ راضية، إن كان هذا الرجل الناقص يكفيك.”
“…”
“أريد أن أكون أباكِ الحقيقي.”
امتلأ ذلك الحدق الواسع بالدموع مرةً أخرى.
راحت تفتح شفتيها وتُغلقهما في حيرة، ثم انتزعت صوتها بالقوة.
“نعم…”
تلك الكلمة الواحدة.
لقد أقسم.
أقسم بإخلاصٍ يفوق حتى ذلك اليوم الذي وقف فيه أمام جثمان معلّمه متعطّشًا إلى إسغاروت.
أن يحمي هذه الطفلة الساذجة طوال حياته، تلك التي تبكي من شدّة التأثّر لمجرّد رجاءٍ واهنٍ كهذا، لا يكاد يملك من القيمة شيئًا.
***
راح أسلان يُديم النظر بهدوء إلى يوستيا التي أسلمت نفسها للنوم إعياءً من البكاء، ثم مدَّ يده بتردد يسحب الغطاء إلى أعلى.
هل هكذا يُفعل؟
هل رفعته أكثر مما ينبغي؟
هل ستشعر بالاختناق؟
ابنته خمس عشرة سنة لا خمس، أفلا يكون الاهتمام المفرط مُزعجاً؟
ظلَّ يُفكِّر حتى عبس.
“…كان ينبغي أن أُربِّي طفلاً أولاً لأعلم.”
أطلق زفرة ثم ضبط الغطاء حتى بلغ النقطة التي تكاد فيها حافته أن تلمس ذقنها دون أن تمسَّه.
ثم أغلق الباب بحذر وخرج.
‘ألم يصدر صوت الباب بصخب؟’
هل ستصحو؟
هل نومها خفيف؟
ألصق أسلان أُذنه بباب الغرفة وهو عابس الجبين.
لم يُسمع صوت تقلُّب، فيبدو أنها تنام في هدوء.
“…”
وضع يده على خاصرته وحدَّق في الفراغ.
فكَّر طويلاً ثم انطلق بخطوات واسعة.
حين وصل إلى مكتبه، كان نائبُ القائد ويويس وأنتونيو قادمين إليه للتوِّ.
قال لورينزو نائب القائد.
“وُضعت عائلة باليتا الأب والابن في الزنزانة تحت الأرض.”
وأضاف يويس.
“أُرسلت رسالة إلى القلعة الأم لإيسغاروت مطالِبين بحق العقوبة مع الأدلة. سيصل الرد في غضون أربعة أيام.”
وتثاءب أنتونيو ثم قال.
“أمرنا أعضاء الوحدة بالحراسة المشددة. يقول نائب القائد إن التابعين الفزعين قد يُشنُّون هجوماً.”
وبذلك طُويت قضية رئيس المجلس وابنه.
حين يُقطع رأسيهما على الملأ سيهدأ حتماً التابعون.
سارت الأمور بسرعة لافتة.
“لم يبقَ الآن إلا أن يُعلن دوق إيسغاروت عن وجود القائد في احتفال نهاية السنة… القائد؟”
حين ظل أسلان صامتاً طوال الوقت، سأله نائب القائد باستغراب.
“هل ثمة أمر ما؟”
“اجتماع طارئ. نتواصل مع قادة الوحدات عبر المرآة السحرية.”
“…!”
تجمَّد وجه نائب القائد.
حتى يويس وأنتونيو بدا الذهول عليهما.
اجتماع طارئ؟
كان استدعاء أسلان لاجتماع طارئ نادراً للغاية.
في تاريخ الأشباح لم يُعقد اجتماع طارئ إلا مرتين.
وفي كلتيهما كان المصير الكيانيُّ للأشباح على المحك.
أومأ نائب القائد بعينيه نحو يويس.
على الفور نشر يويس حصناً سحرياً داخل مكتب القائد وأحضر المرآة السحرية.
وبدا حتى أنتونيو متوتراً وهو يُسدل الستائر ويُجهِّز للاجتماع.
بمجرد إطلاق النداء الطارئ ظهر قادة الوحدات في المرآة.
جلس نائب القائد وأنتونيو ويويس على الأريكة يُطوِّقون المرآة، واحتل أسلان الصدر.
[ما الأمر؟]
[هل تدخَّل القصر الإمبراطوري أو إحدى العائلات السبع؟]
[إن أمرتَ بالعودة تحرَّكنا فوراً يا قائد.]
كذلك حدَّق فيه نائب القائد وأنتونيو ويويس.
كان القائد مُركِّزاً وهو يستند ذقنه على يديه المشبَّكتين.
كان واضحاً أن الأمر جسيم بكل المقاييس.
قال نائب القائد بوجه متجهِّم.
“أصدر أمرك.”
فتح أسلان فمه ببطء.
وكانت الكلمات التي قالها…
“كيف يُربَّى الأطفال؟”
ماذا؟
في تلك اللحظة ابتلع جميع القادة ألسنتهم.
‘أيُّ هذيان هذا؟’
أول من فتح فمه كان أحد القادة في المرآة.
[هل هذا رمز؟]
أجاب أسلان بوجه جادٍّ تماماً.
“الجميع يُحقِّق في الأساليب الصحيحة لتربية الأطفال.”

صورة توضيحيه
أسلان كوارون
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 44"