استمتعوا
لم أستطع أن أصدق ما يجري أمام عيني.
أيُّ شبحٍ في الدنيا يختبئ وراء شجرة ليتفرج على الناس؟!
كان نائب القائد هو الآخر ينظر بوجه لا يخلو من الذهول.
“بما أن الألم أمرٌ يختبروه للمرة الأولى، فلا عجب أنهم مرتبكون….”
كما قلت سابقاً، الأشباح ليست كائناتٍ يمكن إخماد أمرها بالقوة الجسدية.
فإذا زالت الرفات الملوّثة، صعدت إلى السماء من تلقاء نفسها.
ولهذا فإن الألم الجسدي شيءٌ غريب عنها كل الغرابة.
أدلجتُ شفتيّ ونطقت.
“يبدو أنهم لا يعتزمون الإيذاء في الوقت الراهن، هل نواصل الحفر؟“
“نعم.”
وبينما كان نائب القائد يحفر القبر، جعلت عيني تجوب المكان من حولي.
كنتُ أرابط في مقام الحارس، لئلا يقترب الأشباح من نائب القائد.
فضلاً عن ذلك، كان ينبغي لي أن أتحسّس أي حركة، إذ لا يُؤمن أن يكون البارون يوبيس قد أرسل أحداً للمراقبة.
غير أن…
[ما الذي يجري هنا أصلاً؟]
[وهل أنا من يعلم؟]
…كم هذا مزعج.
كانت الأشباح تثرثر بلا توقف.
“اصمتوا.”
ما إن وضعتُ إصبعي على شفتيّ حتى ارتجف الأشباح وأطبقوا أفواههم على الفور.
وعاد الصمت يخيّم على المقبرة من بعد ذلك.
وبعد حين، قال نائب القائد.
“آنسة.”
لقد استُخرج التابوت أخيراً.
فانطلقتُ مسرعةً نحوه.
رفع نائب القائد غطاء التابوت.
فبدت أمامنا عظام ترقد بسكينة، وحولها شتى أنواع الأسلحة متوزعه هنا وهناك.
“يبدو أن صاحبة هذا القبر كانت مولعة بالأسلحة في حياته.”
“هكذا يبدو.”
إذ اعتاد الناس أن يوضعوا في التابوت ما كان عزيزاً عليهم.
ومن بين تلك الأسلحة، لفت نظري خنجرٌ بارز.
كان مطابقاً للرسم الذي خطّه لي الحداد العجوز للكنز النفيس.
سلّ نائب القائد السيف من غمده.
“يا للعجب…”
“إنه بالغ الروعة.”
على الرغم من مرور زمن طويل، لم يعلق به صدأٌ في أي موضع.
كانت الشفرة ذهبية اللون تبعث لمعاناً، وكان حدّها ماضياً كأنه سُنَّ للتو.
وتلك سمة تبرز في كل ما صُنع من خام الهوانغول، ذلك المعدن الأسطوري النادر.
“ليس ثمة ما يستوجب مزيداً من النظر. هذا هو.”
“نعم.”
أعاد نائب القائد اغلاق التابوت.
وبينما كان يردم القبر من جديد، أحكمتُ وضع السلاح النفيس داخل حقيبتي.
ثم تهيأت لآخر ما ينبغي إتمامه.
وآخر ما ينبغي إتمامه كان بالطبع…
“هل ستأتون بإرادتكم، أم أأتي إليكم؟“
[نعم؟!]
تطهير الأشباح.
لم أشعر بأدنى شفقة.
فالأرواح التي راحت تحت نير آل أندريس كانت بالغة العدد.
“إن لم تأتوا، سأتي أنا.”
[ياااه!]
[آآآآه!]
كانت تلك ليلةً تتناثر فيها صرخات الأشباح في كل مكان.
وبعد أن فرغ نائبُ القائد من ترتيب القبر، وحمل صرّته، نظر إليَّ بنظرةٍ يملؤها الذهول.
***
غادرت يوستيا ونائب القائد المقبرة بعد أن أتما عملهما.
“كيف تمكنتِ من القضاء على الأشباح؟“
تردّدت يوستيا لحظة.
“لا أستطيع أن أخبرك بالتفاصيل، غير أن هذا لن يعود بالضرر على سان ميغيل بأي حال. أيكفيكَ هذا الجواب؟“
عند ذلك، رمقها نائب القائد بنظرة خاطفة.
“حسناً.”
“…ألن تسألني عن المزيد؟“
“لا. لأنني أثق بك.”
فارتعشت يوستيا قليلًا، ورفعت بصرها نحوه.
“لماذا؟“
“لأنني أعلم أنكِ بذلتِ قصارى جهدكِ من أجل الأشباح. حتى الأعمال التي يعسر عليّ أنا القيام بها، أديتِها دون أن تترددي لحظة.”
حدّقت يوستيا في نائب القائد بوجه شارد التفكير.
ثم قالت بعد تردد قصير.
“أشعر بغصّة ودغدغة في صدري. ما هذا الذي يعتريني؟“
“لا تخافي. هذا شعور الودّ تجاه رفيق.”
“حتى مع الغصّة؟“
“تلك تُدعى القلق. إنها كظلّ المحبة. هي خوفٌ من إيذاء الآخر، وخوفٌ من أن تعجز عن ردّ الجميل.”
“مثلما يحبّ السيد لورينزو السيد أنتونيو، ومع ذلك يقلق عليه؟“
“…آه، لنقل ذلك.”
رأت يوستيا نائب القائد يبتسم ابتسامةً دافئة، فضحكت بدورها ضحكةً خافتة.
“إن التعلّم من لورينزو أمرٌ يسعدني.”
وفي تلك اللحظة بعينها.
“هل تمّ التخلّص من الأشباح؟“
انبعث صوتٌ بارد.
وحين أدارت رأسها، رأت البارون يوبيس.
كان يبتسم، غير أن نظرته كانت قاسيةً باردة
تلاشت الابتسامة عن وجه يوستيا.
“حسناً. تحقّق بنفسك.”
“نعم.”
“حين تنتهي، أرسل 50 ألف قطعة ذهبية إلى سان ميغيل. كما نصّ العقد الذي حرّرناه في متجر جامع الأعشاب.”
“ألا تأخذينها معك؟“
“لا. لا رغبة لي في رؤية وجه البارون أكثر من ذلك.”
وبتلك الكلمات، مضت يوستيا متجاوزةً البارون يوبيس.
فقال البارون.
“لا تبدين كالفتاة الطيبة في مظهرك الآن.”
توقفت يوستيا عند ذلك.
ورمق البارون ظهرها قائلاً.
“كوني فتاةً طيبة. انستي اللطيفة.”
“سأفعل. سأحاول. لأنني أريد أن أكون تلميذةً تُفخر بها.”
“يكفي عنادًا إلى هذا الحد.”
التفتت يوستيا نحوه.
“ليس عناداً.”
“إذن ماذا؟“
“وداع.”
“…”
“وداعاً، يا أستاذ.”
ثم حوّلت يوستيا وجهها دون أن يعتريها أي أسف.
نحو نائب القائد.
“أنذهب؟“
“نعم.”
كانت العيون التي تتبادل النظرات بينهما حانيةً دافئة.
كما في تلك الأيام حين كانت الآنسة الصغيرة تتبعه خطوة خطوة.
“أصبحتُ قادرةً على ركوب الخيل بمفردي.”
“هذا جيد.”
“لأنني فعلتُ ما علّمتَني إياه. البارون يوبيس معلمٌ من الطراز الأول.”
بعد أن غابت يوستيا عن الأنظار، قذف البارون يوبيس قبّعته بعيداً.
كان يشعر بثقل كالجمر يستقرّ في أحشائه.
***
بعد ثلاثة أيام.
حين رأيتُ الصناديق الخشبية المكدّسة في الفناء، أملتُ رأسي بحيرة.
“تشارلي.”
“نعم، آنسة.”
“هذه قادمة من قصر البارون يوبيس، هكذا قيل؟“
“نعم. 50 ألف قطعة ذهبية. عددتُها، فلم تنقص كوبراً واحداً، بالضبط 50 ألف قطعة ذهبية.”
أجل، هكذا كان ينبغي.
البارون يوبيس ليس من يحتال في مثل هذه الأمور.
وقد أُبرم عقدٌ رسمي، فكان منتظَراً أن يرسل المال.
غير أنني…
‘لماذا أرسل علبة الموسيقى؟‘
كانت علبة موسيقى تدور فيها خيولٌ بيضاء جميلة حين تُفتح.
قالت تشارلي بحماس.
“أليست رائعة الجمال؟“
“نعم، بشكلٍ يُقلق.”
“ماذا؟“
“اذهبي وتخلّصي منها.”
هززتُ رأسي رافضةً، ثم اتجهت نحو السلم صاعدةً للطابق الثاني.
وفي تلك اللحظة بالذات.
“ما كل هذا المال؟“
كان صوت يويس.
التفتُّ على الفور.
كان نائب القائد ويويس يدخلان الفناء معاً.
كلاهما كانا قد ذهبا حاملَين الكنز لمقابلة فيكونت سول.
هرعتُ إليهما.
“كيف سارت الأمور؟“
“ما إن رأى الكنز حتى بدا كمن أُدير رأسه، يسيل لعابه.”
كدتُ أطير فرحاً.
أجاد نائب القائد ويويس أداءهما.
إذ ما إن أعلما الفيكونت سول بوجود الكنز بحوزتنا حتى أومأ بالموافقة على الفور، كمن لا يملك نفسه، ذلك الفيكونت المحترف في قبول الرشاوى.
‘الآن اكتمل التحضير.’
لقد نُظّف شأن المجرمين الناشئين حتى ما عادت أغلب الأراضي تدخل ضمن مرشحي مرسوم الضمّ.
وتوطّدت مودة اثنين من المقيّمين الثلاثة.
فيكونت سول.
وفيكونت سينتيس.
‘فيكونت سينتيس سيقف في صفّنا.’
فبمجرد أن يُعلن الدوق أن نائب القائد ابنه، يصبح لزاماً أن تكون لنائب القائد إقطاعية يتولى حكمها.
وإذ إنه ابنٌ للدوق، فينبغي أن تكون مكانةً رفيعة.
والأولى أن تُسلَّم له أرض فالبوا الموجودة أصلاً، بدلاً من البحث عن أرض جديدة تُفضي إلى خلاف بين الأتباع على ما قد يُنتزع منهم.
ابتسمتُ ابتسامةً راضية.
***
قلعة إسغاروت.
انطلق ضحكٌ مجلجل من مكتب الدوق.
“إذن، فيكونت سول أوصى بسان ميغيل كمرشّحين أهذا ما حدث؟“
ضرب الدوق ركبته ضاحكاً، فابتسم فيكونت سينتيس.
“نعم. لقد عثروا على الكنز الذي أخبرتُ سيادتك عنه. يبدو أن السيد أسلان أحسن التعامل مع فيكونت سول عبر ذلك السلاح.”
“وهل كانت هذه من قدرات أسلان؟“
ابتسم الدوق وشبّك يديه.
“لا بد أن يد يوستيا قد امتدّت إلى ذلك.”
الأمر واضح بلا حاجة لرؤية.
يوستيا التي كانت تعدو في كل الاتجاهات بشتى الحيل والوسائل.
“كيف كانت عائلة أندريس يُعلّمون يوستيا يا تُرى.”
أفلت من فيكونت سينتيس زفرة حسرى.
إذ كان في ذلك اليوم وحده قد توسّل إلى ابنته أستا أن تتخلى عن الكلية العسكرية وتذهب إلى معهد العلوم.
كيف لوريثته المباشرة الوحيدة أن تُعرض عن دروس خلافة العرش وتقضي عمرها في تحطيم رفاقها في الكلية العسكرية؟
لم تُصغِ أستا لاستعطافه ولو بأدنى التفات.
“لستُ أدري. لكنه يبدو أنه لم يكن في القوة التعليمية.”
“ماذا؟“
مهما كان المعلم رديئاً، كان ذلك الضوء سيشعّ منها.
“لأن تلك الفتاة تحمل في داخلها عزيمةً لا تُقهر.”
مهما فعلت فهي تفعله بإصرار مطلق.
حتى ما يبدو مستحيلاً، تُدبّر له وتجتهد وتُنجزه رغم كل عقبة.
فتاةٌ نبيلة صغيرة، عاشت وهي تتكفّل بثمن دواء أمها المغشيّ عليها.
مهما نالها من أذى حقير ومهين، كانت تنهض من جديد.
“هل تعلم أيّ صنف من البشر أعسرهم على التعامل؟“
“هل ثمة من يصعب عليك يا سيادة الدوق؟“
“أولئك الذين لا يعرفون الاستسلام مهما لقوا من ضربات.”
“…ماذا؟“
“من تدوسهم مرةً تلو مرة ثم يقومون، يبلغون من الهيبة حدّ الرعب.”
“…”
“فالإنسان ينبهر بالعزيمة. والناس يلتفّون حول أمثال هؤلاء.”
إذ كلما نُحتت الجوهرة الخام، أشعّ بريقها.
وهكذا تتحوّل إلى ياقوتة لا تُقدَّر بثمن.
نهض الدوق من مجلسه.
“إن كانت جوهرةً بهذا الثمن، فينبغي أن تُمنح صندوقاً يليق بها.”
قال بصوتٍ يطفح بالبسمة وهو يُدير ظهره للنافذة.
“على أسلان أن يكون صندوقاً جديراً لتلك الجوهرة.”
أسلم إقطاعية فالبوا إلى يد القائد أسلان.
أدرك فيكونت سينتيس مقصد كلام الدوق، فانحنى انحناءً عميقاً.
***
غيّمت سحابةٌ على وجه الشمس.
نهارٌ اختبأ فيه الضوء.
دخل لورينزو الثكنة.
وأمام أسلان، انحنى وقدّم له مرسوم الأمر.
تُدمَج فالبوا وسان ميغيل تحت اسم كوارون.
يُعيَّن أسلان من سان ميغيل سيدا على كوارون، فليحمِ السيد أسلان رعيّته بالولاء والإخلاص.
الرابع عشر من نوفمبر، سنة أوغوستو الحادية عشرة.
دوران إسغاروت.
في صمتٍ مهيب، انتصب أسلان واقفاً.
وانحنى بالركوع دفعةً واحدةً كل من حمل الصليب المقلوب على ظهره.
أعلن أسلان.
“جميع أفراد الأشباح. نتوجّه إلى أرض النور.”
كان ذلك اللحظة التي ظهر فيها الأشباح في عزّ نهار الإمبراطورية.
***
وصلتُ إلى قلعة فالبوا، أو بالأحرى قلعة كوارون، فضممتُ خدّيَّ المتورّدتين بكفّيَّ.
“ما أروعه…”
“نعم. القلعة رائعة أليس كذلك؟“
“لا، أعني اللورد.”
أعني نائب القائد.
نظرت إليّ تشارلي قائلةً “ماذا؟“
تتساءل لماذا اللورد الغائب عن المكان الآن رائع فجأة.
بادرتُ إلى الإشارة نحو الراية الحمراء المنشورة على القلعة.
اندمجت سان ميغيل وفالبوا لتصبح كوارون.
كان شعار كوارون الجديد صقرَين اثنين.
شعاع الضوء وشعاع الهاوية، رمزا النور والعمق.
وتحت الشعار كان محفوراً اسم اللورد.
أسلان كوارون
“كوارون تعني باللغة القديمة. من يشقّ الشتاء. أليس لائقاً تماماً بلقب القائد؟“
“حسنًا بما أن الضرب والطعن من مواهبه، فلا غرابة في ذلك…”
لو أُضيف إليه إسغاروت بعدها لكان الأمر مثالياً.
وبينما كنتُ أُصدر تعجّباً مبهجاً لهذه الفكرة.
“هل نقلتم الأمتعة كلها؟“
“آنسة، القلعة هائلة الاتساع!”
اقترب يويس وأنتونيو.
لكن…
طاخ!
ضرب نائب القائد رأسَيهما بيدٍ واحدة.
“آنستي. استخدما صيغة الاحترام. وليس القائد بل اللورد.”
أردف نائب القائد بعينين تلمعان بجدية، مرددّاً الجملتين اللتين كرّسهما بـالتنشئة القسرية منذ مغادرتهم سان ميغيل.
نقر يويس بلسانه متذمرًا.
وأنّ أنطونيو متألمًا.
“لا يخرج على اللسان.”
“نعم، لا يخرج.”
“إذن اجعلاه يخرج.”
قال نائب القائد بنبرة قاتمة.
في الأصل كان الحديث بحرية مباحاً داخل سان ميغيل، لكن بعد الدخول إلى كوارون وجب مزيد من الحذر.
فأتباع سان ميغيل كانوا في متناول اليد نسبياً. إذ حين كان اللورد السابق موجوداً كانوا يتعجرفون، لكن حين أصبح القائد لورداً، خُسر ذلك الاستعلاء في لحظة.
أما كوارون ـ…
‘الأمر عسير.’
فهنا أتباعٌ كثر ينتمون في أصلهم إلى إقطاعية فالبوا.
وبما أنهم أتباع عائلة الأركان الثلاثة، فقوتهم تتجاوز قوة أغلب لوردات الإقطاعيات الصغيرة.
‘أدنى زلّة وسيسعون على الفور لإسقاط اللورد.’
وبينما كنتُ أُفكّر في ذلك.
خطو. خطو. خطو. خطو.
انطلقت أصوات أحذية الحرس متزامنةً من كل جانب.
لقد حلّ القائد.
دخل القائد القلعة برفقة الأتباع القادمين من سان ميغيل.
“القائـ…”
كنتُ على وشك أن أقول ‘القائد‘، حين انبثق من داخل القلعة حشدٌ من الناس.
زيا رسميا يحمل شعار كوارون الجديد.
أولئك هم أتباع كوارون.
“نرحّب باللورد.”
انحنى رجلٌ عجوز في مقدّمة الصفوف.
ثم عرّف عن نفسه.
“رئيس مجلس الحكمة في فالبوا، فرانكو باليتا.”
أي أنه قائد أتباع فالبوا.
“أنا أسلان.”
“شرفٌ عظيم أن نكون في خدمتك. تفضّل، سنرافقك إلى قاعة المجلس الكبرى.”
أومأ القائد لنائبه نظرةً جانبية.
إشارةٌ بأن يتبع.
وهكذا توجّه القائد ونائبه مع الأتباع صوب قاعة المجلس الكبرى.
وبعد أن غابوا، سأل أنتونيو.
“لماذا يذهب نائب القائد؟ آه، يريدون تعيينه قائداً لفرسان كوارون، أليس كذلك؟“
“يريدون إلحاقه بالأتباع.”
“ماذا؟“
“لأنه بات لزاماً أن يكون لنائب القائد لقبٌ يليق بمكانته.”
صاح مجموعة أنتونيو “واو!”.
وابتسمت مجموعتا نائب القائد ويويس ابتسامةً متوهّجة.
فاليوم يُكافأ نائب القائد على كل ما تحمّله وصبر.
ابتسمتُ أنا أيضاً بوجهٍ يشعّ رضاً.
***
توجّهت أنا وتشارلي نحو الحديقة.
كانت غرفتي في مكانٍ يُطلّ على الحديقة إطلالةً جيدة، وقد استأثرت بعيني وأنا أُرتّب الأمتعة لشدّة جمالها.
انطلقت تشارلي تشمّ رائحة الأزهار بانبهار.
وعلى الرغم من الشتاء، كانت الأزهار تتفتح بكثافة مذكّرةً بإقطاعية سينتيس.
تجوّلنا معاً في الحديقة، وأخذنا نتبادل الحديث.
“بالمناسبة، هل تسكن عائلة سينتيس في قصر لا في مبنى القلعة؟ فلقد دُعيتِ في المرة الماضية إلى القصر لا إلى القلعة.”
“ذلك أصلاً قصر أستا، غير أن فيكونتيسة سينتيس هربت إليه…”
“هربت؟!”
“نعم. هربت إثر نسيان الفيكونت لعيد ميلادها بينما احتفل بعيد ميلاد الخيل، فركض الفيكونت وراءها مستنجداً…”
“ولم تعد؟“
“لأنه جاء برفقة ذلك الحصان…”
وبينما كنا في حديثنا.
“أنتِ هناك.”
التفتُّ نحو الصوت.
‘صورة طبق الأصل من رئيس المجلس؟‘
كان رجلٌ يشبه رئيس مجلس الحكمة في فالبوا فرانكو باليتا تمام الشبه.
يبدو في منتصف الثلاثينيات أو أواخرها.
“ما أجمل الجنية التي أراها أول مرة.”
“…؟“
“يا تُرى على أيّ زهرة جاءت.”
“…؟؟“
“أم أنها ربّة الأزهار بعينها. هاهاهاها.”
“…؟؟؟“
لم أسمع بمثل هذا الكلام في حياتي كلها.
نظرت إليه تشارلي بحيرة ثم همست لي.
“يبدو مجنوناً، أضربه؟“
“…انتظري.”
إذ بوجه الشبه الكبير بينه وبين رئيس المجلس، يبدو أنه من تلك العائلة.
فتحتُ فمي لأُعرّف عن نفسي.
“أنا…”
“لا تخافي كثيراً. أنا مجرد تائهٍ سُكر برائحة الربّة.”
نظرت إليّ تشارلي مجدداً.
يبدو أن الضرب الفوري أجدى.
ذلك كان مضمون نظرتها.
وحينئذٍ، مدّ الرجل يده نحوي.
“أتمنحينني قطرة العسل الحلو، يا جنيّتي؟“
برقت عينا تشارلي.
وحين هوّت يدها الحادة استعداداً للضرب.
فراخ!
طار حذاءٌ من خلف الرجل.
جاء بدقة حادة، فارتطم برأسه، فسقط مكانه إلى الأمام.
الذي رمى الحذاء كان أنتونيو.
“أيجنّ الرجل العجوز هكذا؟“
إلى جانب أنتونيو، كان يويس يرمي خنجراً صغيراً ويمسكه تكراراً.
“ما هذا الكلام عن العسل.”
حكّ الرجل رأسه وصرّ أسنانه غاضباً.
“هل تعلمون من أنا؟! أنا ابن البارون باليتا رئيس المجلس الاستشاري!”
فأجابه يويس بضحكة استهزائية.
“والدك الآن على وشك أن يُعلَّق على سور القلعة.”
…ماذا؟
قلتُ ليويس وأنا أتساءل إن كنتُ قد أسأتُ الفهم.
“يُعلّق رئيس المجلس الاستشاري على السور؟ من يفعل ذلك؟“
“هذا اللورد بالطبع.”
“…لماذا؟“
“لأنه اقترح تزويجك من ذاك الوغد، إن كانت الانسة ستبقي في كنف اللورد بوصفها ابنةً بالتبنّي“
ماذا قال؟
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 42"