كان الجدول اليومي لـ “ريتشي”، الابنة الوحيدة والمدللة لعائلة الدوق “لينيز”، يسير على النحو التالي:
تستيقظ مع بزوغ شمس الصباح، وتتمطى بنشاط قبل أن تنهض مباشرة لتشرب كوبًا من الماء الفاتر، ثم تتوجه لتعانق والديها في غرفة النوم المقابلة وتلقي عليهما تحية الصباح بحرارة.
وبعد تناول وجبة إفطار شهية، تودع والدتها التي تغادر لإدارة أعمال المجموعة التجارية، ثم تقضي وقتها مع والدها في دروس متنوعة.
وأحيانًا، كانت تدعو أصدقاءها إلى قصر الدوق لتناول الحلويات اللذيذة معًا، أو تذهب لحضور المآدب التي تُقام في قصور رفاقها.
لكن اليوم لم يكن كبقية الأيام. فرغم بزوغ الشمس، ورغم قيامها بالتمطي وشرب الماء الفاتر، كان ينبغي على ريتشي الآن أن تذهب لتعانق والديها وتلقي عليهما تحية الصباح.
بيد أنها ظلت قابعة تحت لحافها، ولم تُجب حتى على نداء الخادمة التي كانت تطرق باب غرفتها.
“أوووه… ماذا لو أصيبت أمي بخيبة أمل تجاهي؟”
كان ذلك لأنها لا تزال تفكر فيما حدث بالأمس، حين استجمعت شجاعتها لتخبر والدتها برغبتها في الحصول على أخ أصغر، وقوبل طلبها بالرفض.
لم يسبق لوالدتها أن رفضت لها طلبًا قط… فبدا لها الأمر وكأنها ارتكبت خطأً فادحًا. وحتى والدها، الذي كان دائم اللطف، أكد بدوره أن مسألة الحصول على أخ هي أمرٌ غير وارد.
كانت ترغب بشدة في الحصول على أخ كبقية أصدقائها، لكن ذلك لم يكن ليفوق حبها لوالديها. ومع ذلك… لا تزال رغبتها في الحصول على أخ تراودها.
“آنستي الصغيرة، هل تشعرين بألمٍ في مكان ما؟ إن لم تجيبي، فسأضطر للدخول!”
“كلا، ريتشي ليست مريضة! سأخرج فورًا!”
بسبب نبرة القلق التي كانت تتردد وراء الباب، أزاحت ريتشي اللحاف الذي كانت تغطي به رأسها، ونهضت من سريرها بتثاقل.
في الواقع، كان هناك سبب آخر جعلها تتردد في لقاء والديها اللذين ينتظرانها خارج الغرفة.
ربما لم يلحظ والداها ذلك، لكن ريتشي بكت قليلًا بالأمس بعد سماعها أن الحصول على أخ كهدية ميلاد أمر صعب.
شعرت بالحزن لأن والديها، اللذين دائمًا ما يحققان لها كل ما تتمنى، قد رفضا طلبها لأول مرة. انهمرت دموعها وهي تمسحها تحت اللحاف، ثم استسلمت للنوم وهي على تلك الحال.
وعندما استيقظت في ذلك المساء، وجدت نفسها في غرفتها. تذكرت غبشًا أنها قالت إنها ستنام بمفردها، لكن غيابهما عن جانبها جعلها تشعر بالوحدة والضيق.
أخبرتها الخادمة أن والدها هو من حملها بين ذراعيه وأحضرها إلى غرفتها.
“يا إلهي، كيف نمتُ هكذا كالأطفال الصغار!”
صحيح أن أصدقاءها في نفس عمرها يأخذون قيلولة، وحتى “بيوني” التي تكبرها بسبع سنوات تنام أحيانًا في وضح النهار… لكن ريتشي لم تكن ترى ذلك مناسبًا لها.
فهي الآنسة الثمينة لعائلة الدوق لينيز، والابنة الوحيدة للإمبراطورية “كوسيلي”. كان عليها أن تتصرف بنضج أكبر من أقرانها.
“فقط… حتى هذا اليوم، كنت أتمنى أن يكون أبي وأمي قد صنعا لي أخًا…”
ارتدت ريتشي خفيها الوثيرين ووضعت شالًا ناعمًا فوق كتفيها، تمامًا كما لو كانت تستيقظ بين أحضان والديها، ثم فتحت باب الغرفة ببطء.
بالأمس فقط، حين استيقظت في المساء بعد قيلولتها، تمنت ليوم واحد أن ينام والداها وهما ممسكان بأيدي بعضهما البعض، فنامت وحيدة.
كانت ريتشي تريد أخًا، لكنها لم تكن تريد أن تشقى والدتها. لذا عزمت منذ الغد ألا تذكر مسألة الأخ أمام والدتها مرة أخرى.
“صباح الخير يا ابنتي.”
“أبي…”
وبعد تردد طويل، حين فتحت الباب، وجدت والديها يتسمان باللطف المعتاد.
والدها الذي انتظرها رغم خروجها المتأخر، ووالدتها التي كان ينبغي أن تكون في المجموعة التجارية في مثل هذا الوقت.
“رؤيتكِ تجعلني في غاية السعادة. أتمنى لكِ يومًا هنيئًا يا ريتشي حبيبتي.”
“أمي… ستتأخرين على العمل. لا يجب أن تتأخري بسببي…”
“كنت أود البقاء معكِ وقتًا أطول حتى يوم ميلادكِ دون الذهاب للعمل… أنا آسفة حقًا.”
مالت ريتشي برأسها في حيرة. لقد شعرت بسعادة غامرة لأن والدتها لم تكن تذهب للعمل كثيرًا مؤخرًا، فلماذا تعتذر الآن؟
هل بقيت والدتها في القصر حتى هذه الساعة فقط لتلقي عليها تحية الصباح؟
نسيت ريتشي كل ما حدث بالأمس، وأمسكت بيد والدتها التي كانت متأهبة للذهاب إلى مجموعة “فالوا” التجارية، وهرعتا معًا نحو المدخل في الطابق الأول حيث كانت العربة بانتظارهما.
وفجأة، أدركت أنها تظهر بملابس النوم، بخفيها الوثيرين وشالها الناعم، أمام الحشود الغفيرة من خدم قصر لينيز، فقفزت بهدوء لتستقر بين أحضان “فلويد ” قبل أن يُفتح الباب الخارجي.
“صباح الخير يا أمي… اذهبي بسلام…”
“شكرًا يا ريتشي. نلتقي بعد قليل في قاعة المأدبة.”
لامست قبلة رقيقة ذات صوت عذب وجنة ريتشي الناعمة ثم ابتعدت.
“لم يكن يجدر بي طلب الحصول على أخ…”
لوحت ريتشي بيدها لـ “إيلينا” المبتعدة وهي تشعر بدمدمة الندم المتأخر.
وبمجرد أن اختفت إيلينا، همست ريتشي بصوت منخفض لم يسمعه سوى فلويد:
“أبي، عن أي مأدبة تتحدث أمي؟”
قالت والدتها بوضوح إنهما سيلتقيان بعد قليل في قاعة المأدبة، وليس في قصر لينيز. وكانت هذه المرة الأولى التي تسمع فيها ريتشي عن ذهابها لمأدبة اليوم.
“ريتشي، دعينا نستعد للذهاب إلى المأدبة مع والدكِ.”
“لكنني لم أسمع أن هناك مأدبة اليوم…”
“هممم… وأنا أيضًا لا أعرف الكثير.”
اكتفى فلويد بابتسامة باهتة وهو يهز كتفيه، ثم اصطحب ريتشي إلى غرفة الملابس.
كان الفضول يقتلها لمعرفة ما يحدث، لكنها لزمت الصمت، وقررت اعتبار هذا اليوم يومًا طرأت فيه أحداث خاصة ومفاجئة.
“واااو…”
دخلت ريتشي قاعة المأدبة بين ذراعي فلويد، لتكتشف أنها بطلة هذه المأدبة الغامضة.
تُرى، أي نوع من المآدب أعدت والدتها؟ بما أن والدها ادعى عدم المعرفة، فلا بد أن والدتها هي من خططت لكل شيء.
لقد حضرت مآدب لا حصر لها من قبل، لكنها لم ترَ قط قاعة مأدبة بهذا الحجم والفخامة.
ورغم أن ريتشي كانت محبوبة لدى الإمبراطور والإمبراطورة وجميع أفراد العائلة الحاكمة في كوسيلي، إلا أنها كانت المرة الأولى التي تُقام فيها مأدبة من أجلها داخل القصر الإمبراطوري.
“أبي… ريتشي ليست أميرة، هل يجوز لنا إقامة مأدبة في القصر الإمبراطوري؟ كما أن يوم ميلادي بعد يومين…”
“ريتشي ليست أميرة، لكنكِ من دماء العائلة الحاكمة في إمبراطورية كوسيلي، وقد منح الإمبراطور إذنًا خاصًا بذلك.”
رغم سماع جواب فلويد، إلا أن حيرة ريتشي لم تتبدد.
كانت ممتنة للإذن الخاص من الإمبراطور، لكن عائلتي والديها “لينيز” و”فالوا” تملكان قاعات مآدب كثيرة جدًا.
ومنذ صغرها، كانت ريتشي تحب التنقل بين قصري العائلتين.
حاولت سؤال والدها عما يجري اليوم، لكنه لم يزدها إلا غموضًا بكلامه.
أخبرها أن والدها ووالدتها كانا ينتظران ريتشي منذ وقت أبكر من يوم ميلادها.
“عليكِ فقط أن تستمتعي بالمأدبة. بعد قليل، ستحضر والدتكِ هدية لكِ، ويمكنكِ فتحها مع أصدقائكِ.”
“هدية ميلاد ريتشي…؟ إذن، هذه المأدبة هي حقًا مأدبة ميلادي؟”
“بالضبط. وخلال اليومين المتبقيين حتى يوم ميلادكِ، لن تنطفئ أنوار هذه القاعة. لكي تستقبلي يوم ميلادكِ بكل سعادة.”
بدأ الأب في استقبال تحايا النبلاء الذين جاءوا لتهنئة ريتشي مبكرًا، وكعادته، شرع يتباهى بابنته التي يحملها بين ذراعيه.
كان تفاخره مبالغًا فيه، وكأن لا وجود لطفلة بجمال ورقة ريتشي في هذا العالم بأسره.
احمر وجه ريتشي خجلًا من هذا المديح، لكنها سرعان ما انتصبت في جلستها ولوحت بيدها للمهنئين.
“صحيح! ريتشي جميلة ومحبوبة ولطيفة لأنها تشبه أمي وأبي!”
وبينما كانت تغرق في أفكارها، لمحت أصدقاءها الذين احتلوا ركنًا من قاعة المأدبة، فشعرت ببعض الحرج.
“أوووم، أبي، أنزل ريتشي الآن. ريتشي ليست طفلة صغيرة.”
نقرّت ريتشي بخفة على كتف فلويد وهي تنظر إلى تنورة فستانها المزدانة بشرائط الحرير واللآلئ ذات البريق الهادئ.
كان يبدو أن “فلويد ” سيستمر في التباهي بـ “ريتشي” طوال المأدبة أمام النبلاء الذين ملأوا القاعة عن آخرها، لكنه أنزلها برفق في وسط القاعة تمامًا، تحت الثريا المتلألئة مباشرة.
كانت حاشية فستان الأطفال، الذي صُمم خصيصًا من أجل ريتشي، تُصدر حفيفًا ناعمًا مع كل خطوة تخطوها، وكأنها تداعب أذنيها.
انتعلت ريتشي حذاءها الأبيض الناصع الذي يناسب قدميها تمامًا، وأخبرت والدها الذي كان معها في القاعة أنها ستذهب لتلعب مع أصدقائها قليلًا، ثم اقتربت منهم بحذر.
كانت تتمنى في المرة القادمة التي تقابل فيها أصدقاءها أن تخبرهم بأنها ستحصل على أخ أصغر قريبًا… وشعرت بمسحة من الكآبة لأن ذلك لن يحدث، لكنها رغم ذلك رسمت ابتسامة عريضة تليق ببطلة المأدبة.
“واو… أنتِ جميلة حقًا يا نونا (أختي الكبيرة).”
“ريتشي تعلم ذلك.”
كان أول من رحب بريتشي من بين أصدقائها هو صديق طفولتها “تيفور”، كالعادة.
كان تيفور يرتدي ملابس رسمية أنيقة للغاية، ويعلق سيفًا مزخرفًا على خصره، بينما اكتست وجنتاه بحمرة الخجل.
“لقد قال إنه سيصبح فارسي الحارس عندما تكبر ريتشي، فلماذا يتجول متأنقًا هكذا؟”
تجاهلت ريتشي تيفور الذي كان يتبعها بهيام لبعض الوقت، وتبادلت التحايا مع أصدقائها الذين غمرتها رؤيتهم بالسرور. بدا أن الجميع لم يتوقع إقامة مأدبة الميلاد اليوم، فكانت عيونهم تلمع ببريق يشبه بريق من استيقظ لتوّه من النوم.
“ريتشي، عيد ميلاد سعيد! ولأننا لم نكن نعلم أن مأدبة ميلادكِ ستقام اليوم… سنعطيكِ الهدايا في يوم ميلادكِ الحقيقي…!”
“شكرًا لكما (تيو) و(هاوندي) على المجيء. حتى ريتشي لم تكن تعلم أن مأدبة ميلادها ستقام اليوم، فلا بأس!”
“يا أميرتنا الصغيرة، أنتِ تعلمين كم تحبكِ أختكِ، أليس كذلك؟ عيد ميلاد سعيد.”
“شكرًا لكِ يا أختي بيوني…!”
استقبلت ريتشي تهاني أصدقائها المبكرة، وارتمت في أحضان أختها المفضلة “بيوني” لفترة، ثم اختطفت تيفور الذي كان محاصرًا بين الأصدقاء واتجهت به نحو ركن قصي من القاعة.
لم تكن تعلم أي نوع من المآدب أعد والدها ووالدتها اليوم، ولا الهدية التي سيقدمانها لها.
أرادت ريتشي أن تبقى وحيدة لبعض الوقت حتى يزول ما تبقى من كآبتها، لكنها خشيت أن يثير ذلك قلق الجميع، فقررت البقاء مع صديقها المقرب تيفور، ولكن…
“ريتشي! أين هي طفلتي!”
في تلك اللحظة التي اختبأت فيها ريتشي في الزاوية الخافتة من القاعة، دوت من بعيد جلبةٌ صاخبة لصندوق هدايا ضخم يُسحب على الأرض، وتلاها صوت والدتها المنادي.
التعليقات لهذا الفصل " 122"