قرب فلويد وجنته المبللة بالدموع مراراً وتكراراً من طرف أنف إلينا، التي غطت في نوم عميق كأنها أميرة لن تستيقظ إلا بقبلة من أميرها.
نعم… لقد فقدت إلينا وعيها إعياءً بعد مخاض استمر لأكثر من يومين.
شهد فلويد في سن مبكرة موت عدد لا يحصى من الناس في جبهة “موريك”، وهي منطقة نزاع بين إمبراطوريتي كوسلي وإينكال. حتى المدنيين الذين لا علاقة لهم بالحرب كانوا يلفظون أنفاسهم الأخيرة بألم، إما طعناً بسيوف الأعداء أو إصابةً بالأوبئة التي كانت تفتك بساحات المعارك.
أولئك الموتى لم يصدروا أنفاساً هادئة كإلينا النائمة، ولم تكن أجسادهم دافئة، بل كانت تبرد وتتصلب.
ورغم أنه أدرك مراراً أن إلينا بخير، إلا أن قلبه لم يهدأ…
“آه… أنا آسف. إلينا، لقد أخطأت… لم يكن عليّ أن أجعل جسدك يحمل طفلاً…”
لم يجد فلويد وقتاً حتى لمسح الدموع المنهمرة على وجنتيه، وظل محتضناً إلينا التي كانت مستلقية بضعف على السرير وغارقة في النوم.
لم يخمد الرعب الذي شعر به من احتمال فقدانها حقاً. لم يكن يتخيل أبداً أن ثمن تحمل مسؤولية تلك الليلة سيكون قاسياً إلى هذا الحد.
متأخرةً، هرعت “بيانكا” التي كانت بجانب المولود الجديد لتفحص حالة إلينا.
قالت بيانكا إن إلينا فقدت وعيها على الأرجح بسبب الإرهاق من الولادة الطويلة، لكنها أضافت أن التأكد من حالتها بدقة لن يكون ممكناً إلا بعد استيقاظها.
كان البارون ديفون، والطبيبة المسؤولة عن إلينا “بيانكا”، وجميع الأطباء الذين كانوا في رينيز، يحيطون بالطفل الملفوف بقماش سميك، وسط أجواء سادها القلق.
“الطفل… هل الطفل بخير؟”
نهض فلويد بصعوبة على ساقيه اللتين لم تعدا تقويان على حمله، واقترب من حيث يوجد المولود الجديد.
لم يعد بإمكانه الاكتتمام بإلينا وحدها. كان عليه أن يرى إن كان الطفل الذي أنجبته إلينا بكل هذا العناء بخير، ليكون لديه وجه يقابلها به حين تستيقظ…
كان الرضيع الملفوف تماماً بالقماش السميك أصغر بكثير مما توقع، وكانت بشرته حمراء جداً ومجعدة. ومع أنه لم يفتح عينيه بعد، إلا أن الطفل كان بلا شك…
“إنه طفلي أنا وإلينا…”
كان ذلك قبل قطع الحبل السري للمولود. وبيدين ترتجفان، قطع فلويد الحبل السري للطفل، ثم تسلمه بالكامل من البارون ديفون.
الطفل الذي لم يبرز منه سوى وجهه الصغير من بين طيات القماش، كان يغمض عينيه بشدة ويحرك ذراعيه وساقيه بحركات قصيرة، وكأنه يجد صعوبة في التكيف مع هذا العالم الجديد.
ما الذي قد يكون سيئاً في صحته؟ احتضن فلويد الرضيع الصغير بعناية فائقة، خوفاً من أن ينكسر بين يديه.
هذا الطفل هو ثمرة حبه هو وإلينا. الطفل الذي حملته إلينا في أحشائها لأقل من عشرة أشهر بقليل، والطفل الذي… جعل لقاءه بإلينا ممكناً مرة أخرى.
بدأت الدموع تتساقط من عيني فلويد من جديد. لم يصدق أنه أصبح أباً حقاً، وشعر بالذنب لأن طفله بات محط قلق الأطباء فور ولادته.
“علينا مراقبة تطور حالته، لكن لا توجد مشكلة كبيرة في صحة المولود. رغم أنه لم يبكِ فور ولادته وكان يجد صعوبة في التنفس… إلا أن هناك أطفالاً لا يبكون أحياناً…”
كان الأطباء الذين دخلوا غرفة نوم إلينا يلمحون فلويد وهو يبكي بهذا النحب للمرة الأولى. لم يكن رجلاً قاسي القلب بطبعه، لكنهم لم يتوقعوا أن يراه يشهق بالبكاء كطفل صغير.
كان جميع من في قصر رينيز والأطباء قلقين على الدوقة المستقبلية التي استمر مخاضها لأكثر من يومين، وصلوا من أجل سلامة الطفل القادم. لذا، كان من الطبيعي أن يثير أي خلل بسيط في المولود الذي خرج إلى العالم بصعوبة قلقهم.
كان البارون ديفون يمتلك خبرة واسعة في توليد الأطفال، ومر بحالات متنوعة جداً. كان يعلم أن المولود قد يجد صعوبة في التنفس أو قد لا يطلق صرخة قوية فوراً، لكنه كان قلقاً للغاية لدرجة أنه استدعى أطباء آخرين لإجراء المزيد من الفحوصات.
‘يجب أن يكون طفل الدوق والدوقة بخير.’
في اليوم الأول الذي وصلت فيه إلى قصر رينيز، حين تدحرجت من على الدرج وأصيبت بنزيف، توسلت الدوقة بحرقة.
توسلت أن ينقذوا طفلها.
في ذلك اليوم، بذل أطباء رينيز قصارى جهدهم لإنقاذ طفل الدوقة التي سقطت مغشياً عليها وهي تتوسل الدوق. ورغم أن الفضل الكبير يعود للدوق الذي اعتنى بها بنفسه آنذاك، إلا أن الإجراءات الطبية المناسبة التي اتخذها الأطباء هي التي مكنتهم من تجاوز ذلك الموقف الخطير.
“طفلي أنا وإلينا… أنقذوه. اجعلوه بخير.”
حاول فلويد التوقف عن البكاء وهو يراقب فم الرضيع الصغير وهو يتحرك. كان يجب أن يكون الطفل بخير.
هو بخير الآن، ويجب أن يظل بخير في المستقبل.
وبينما كان الجميع يفكرون في نفس ما يفكر فيه فلويت، حدث شيء ما.
“وااااااع!”
في تلك اللحظة، أطلق الطفل الذي كان يتململ بين ذراعي فلويد صرخته الأولى في هذا العالم. ولم يتمكن فلويد من كبح دموعه أخيراً إلا بعد أن سمع بكاء الطفل القوي.
الآن فقط، شعر أنه يستطيع الاحتفال بميلاد طفله دون أن يرتجف من القلق.
الطفل الذي أطلقوا عليه اسم “ريتشي” وهو لا يزال جنيناً، كان بنتاً.
الابنة التي كان كل من إلينا وفلويد يتمتياها في سريرتهما.
انحنى فلويد فوق مهد الطفلة حيث كانت تنام بهدوء، والتقى بصره بها. لا يدري إن كان ذلك لأنه طفله، لكن ريتشي كانت ألطف طفل في العالم.
كان للطفلة شعر أسود كشعر فلويد، وعينان خضراوان تشبهان خضرة الصيف تماماً كعيني إلينا.
“من المؤكد أن أمكِ تود رؤيتكِ أيضاً… لكنها لم تستطع حتى احتضانكِ لمرة واحدة.”
همس فلويد بصوت خفيض وهو ينظر إلى الرضيعة الملفوفة بقماش أبيض ناصع وترتدي قميصاً صغيراً.
الطفلة التي ولدت قبل ثلاثة أيام كانت أصغر وأخف وزناً من الأطفال الآخرين، لكن لم تكن هناك مشاكل صحية كبيرة.
وبعد أن أطلقت صرختها المتأخرة وسط قلق الجميع، بدأت ترضع بين ذراعي المرضعة كأي طفل عادي بعد بضع ساعات.
لم يتم الاستقرار على مرضعة محددة بعد، لكن كان من حسن الحظ أنهم استبقوا المرشحات للتمريض داخل قصر رينيز مسبقاً.
أما إلينا، التي قالت إنها تود احتضان مولودها وإرضاعه بنفسها وملاعبته، فلم تستيقظ بعد من نومها الطويل.
“متى… متى تعتقدين أن إلينا ستستيقظ من نومها الطويل؟ أيتها الطبيبة بيانكا.”
“أعتقد أنها لن تستيقظ حتى يتعافى جسدها الذي أرهق بشدة أثناء الولادة. أنت تعلم بالفعل أن جسد الدوقة كان ضعيفاً جداً…”
ظل فلويت يراقب المولودة التي تقضي معظم يومها في النوم لفترة طويلة، قبل أن يهم بالخروج من غرفة الرضيعة.
كان يرى بعينيه الطفلة التي ترتدي القميص الذي صنعته إلينا بكل غرزة وبكل حب، وهي وحيدة بدون أمها وأبيها، وكان قلبه يعتصر.
لو كان الأمر بيده، لبقي بجانب الطفلة طوال اليوم… لكن إلينا كانت مريضة جداً.
إلينا، التي لم تفتح عينيها طوال الأيام الثلاثة التي أعقبت الولادة، أصيبت بالحمى، مما جعل رعاية الأطباء لها أمراً ضرورياً وحتمياً.
وكان من المستحيل التنقل بين إلينا المريضة والطفلة التي لم يتجاوز عمرها ثلاثة أيام دون حذر.
لذا، كان فلويد دائماً في غرفة إلينا حين لا يكون في غرفة الطفلة، وعندما يأتي لرؤية الطفلة مرة واحدة يومياً، كان يستحم مرتين ويغير ملابسه تماماً قبل الدخول.
“صغيرتي…”
وبينما كان فلويد متردداً في مغادرة غرفة الطفل، فتحت الصغيرة التي تملك نفس عيني إلينا عينيها.
‘هكذا لا يمكنني الذهاب…’
عاد فلويد نحو الطفلة التي فتحت عينيها. وبما أنه لم يقضِ وقتاً طويلاً معها، كانت هذه هي المرة الثانية فقط التي يراها فيها وهي مستيقظة.
الجفون التي تحتضن العينين الخضراوين كعيني إلينا كانت تشبه في شكلها عيني فلويد بلا شك. قالت الطبيبة والمرضعة اللتان تعتنيان بالطفلة إنهما لم تريا طفلاً بهذا الجمال من قبل.
لقد اندهشتا من كثافة شعر المولودة، ومن رموشها الطويلة والدقيقة التي تذكر بملامح عيني فلويد.
“… إذا حدث أي خطأ للطفلة، ابحثوا عني فوراً. سأكون بجانب إلينا الآن.”
شعر فلويد أنه لو أطال النظر إلى الطفلة أكثر من ذلك، فلن يتمكن من مغادرة غرفتها طوال اليوم، لذا أجبر نفسه بصرامة على الخروج منها.
رغم كل التقلبات والظروف العصيبة التي صاحبت الولادة، إلا أن الطفلة كانت بلا شك في أمان. كانت المشكلة تكمن في أنه لم يكن يعلم بعدُ إن كانت إلينا، التي أنجبتها، ستنجو وتكون بخير حقاً.
“سمو الدوق… يجب أن ترتاح أنت أيضاً الآن. ستنهار جسدياً إن استمررت على هذا المنوال.”
ما إن خرج فلويد من غرفة الطفلة حتى حاول الدخول مباشرة إلى غرفة نوم إلينا المجاورة، لكن بيانكا استوقفته بحذر.
منذ اليوم التالي لولادة إلينا، لم يتناول فلويد وجبة حقيقية واحدة، باستثناء تلك المرة التي جاء فيها “كيهيل” إلى الجناح الرئيسي قلقاً على زوجة ابنه وحفيدته، حيث أصر بقوة على أن يتناول ابنه طعامه في غرفة الطعام بعد أن رأى حالته.
أما النوم، فكان يقتصر على غفوات قصيرة يسرقها وهو يستند إلى السرير أثناء تمريض إلينا، ثم يستيقظ فزعاً.
“يبدو أن الجميع ينسون أنني قائد الفيلق الثاني لفرسان إمبراطورية كوسلي. لن أنهار بسبب أمر كهذا.”
“أعلم ذلك، ولكن… لقد أجهدت نفسك فوق طاقتك… سمو الدوقة لن ترغب في رؤيتك هكذا.”
“إلينا لن ترغب في ذلك، ها؟… لقد أجهدت إلينا نفسها أكثر من هذا بكثير.”
حين جاءت إلينا إلى قصر رينيز وهي حامل، استمع فلويد إلى العديد من الأطباء وهم يصفون حالة إلينا الجسدية بعد انهيارها.
أخبروه أن حملها قد لا يختلف كثيراً عن الآخرين، لكن عملية الولادة ستكون أصعب عليها بمراحل، وأن هناك احتمالية كبيرة لأن يمسها سوء أثناء الولادة.
ورغم علمها بذلك، صمدت إلينا وحمت الطفلة حتى النهاية، وبفضلها، لم يضطر فلويد للوقوع في فخ اختيار أحدهما — الزوجة أو الطفل — ذلك الخيار الذي ظل يطارده كصدمة نفسية منذ طفولته.
لقد كان… ممتناً للغاية.
على الأقل، لم يكن قادراً على الندم لأن إلينا حملت وأنجبت، وكان يعلم أنه لا ينبغي له أن يندم على ذلك أبداً.
ابنتهما الغالية “ريتشي” التي ولدت نتيجة ذلك، كانت طفلة جميلة ومحبوبة لدرجة أنه لا يشعر بالألم حتى لو وضعها في عينه.
ومع ذلك، وبينما كان يمرض إلينا التي لم تستيقظ بعد من نومها الطويل، غرق فلويد في الفكرة ذاتها مراراً وتكراراً:
التعليقات لهذا الفصل " 111"