عندما فتحتْ عينيها، كان السقفُ المألوفُ يتراءى أمامها.
أطلقتْ رينا أنينًا خافتًا، وقد لسعَها الألمُ لسعًا مؤلمًا وهي تحاولُ النهوضَ من فراشها.
لا بُدَّ أنّ كايدن جاءَ لينقذها…
تتذكّرُ ذلك على نحوٍ مبهم، قبل أن يغيبَ وعيُها فجأة.
وحين أفاقتْ، وجدتْ نفسَها في غرفةِ نومها.
ما إن جلستْ رينا حتى انتفضتْ ليلي، التي كانت تغفو إلى جوارها، فنهضتْ فَزِعةً وقالت:
“سيّدتي! هل أنتِ بخير؟”
“ماذا… ماذا حدث؟”
“كنتِ تُطارَدينَ من قِبَلِ ثعالبِ الثلجِ، لكنّ الدوقَ قد أنقذكِ. وبعدها ظللتِ طريحةَ الفراشِ يومًا كاملًا!”
“هكذا إذًا…”
“لا بدَّ أنّكِ فُزِعتِ كثيرًا. يمكنكِ أن تطمئنّي الآن.”
كان صوتُ ليلي يرتجفُ وهي تتكلّم، فارتسمتْ على شفتي رينا ابتسامةٌ واهنة.
“يبدو أنّكِ أنتِ من فُزِعَ أكثر منّي.”
“آه! شعرتُ وكأنَ قلبي سقطَ أرضًا ثم التقطتُه من جديد! لقد اختصرتِ من عمري عشرَ سنواتٍ دفعةً واحدةً يا سيدتي!”
“أعتذر…”
“ولِمَ تعتذرين يا سيّدتي؟ أنا التي قصَّرتُ في خدمتكِ.”
خفضتْ ليلي رأسها، وملامحُها مشدودةٌ كأنّ الدموعَ على وشكِ الانهمار من عينيها.
تلفّتتْ رينا حولها وقالت:
“أين داليا؟”
كانت تخشى أن تكون قد أُصيبتْ أثناء الفرار.
فأجابتْ ليلي بابتسامةٍ متكلَّفة رغم حزنها على حال سيدتها:
“الآنسةُ داليا بخير، لم تُصَبْ بأذًى.”
“هذا مطمئنّ.”
“مطمئنّ؟! وأنتِ مصابةٌ هكذا؟! داليا قالت إنّ ثعالبَ الثلج كانت تطاردكِ أنتِ وحدكِ. ألا يخطرُ ببالكِ شيءٌ يفسّر ذلك يا سيدتي؟”
“لا أدري…”
وبينما كانت رينا تستعيدُ ما حدث في ذاكرتها، تنهدتْ ليلي وقالت بنبرةٍ مثقلة:
“في الحقيقة، القصرُ كلُّه في حالةِ اضطراب منذ تلك الحادثة.”
“اضطراب؟”
“يبدو أنّ الدوقَ لا يرى الأمرَ مجرّدَ حادثٍ عابر. فظهورُ قطيعٍ من ثعالبِ الثلج داخلَ المنطقةِ الآمنةِ يبعثُ على الشكّ.”
“…وهل أمسكوا بالجاني؟”
“ليس بعد. في الواقع…أختي روز واقعةٌ تحتَ الشبهة…”
ثم أسرعتْ تضيفُ بقلق:
“أقسمُ لكِ أنّ أختي لا يمكن أن تفعلَ شيئًا كهذا، سيّدتي. صحيحٌ أنّها حادّةُ الطبع، لكنها ليست ممّن يؤذون الآخرين. قد تتذمّر بالكلام، لكنها حين تعمل تكون دقيقةً ومخلِصة. أعلم أنّ دفاعي عنها قد يبدو بدافعِ القرابة، لكنّي صادقة… أرجوكِ صدّقيني.”
كان القلقُ واضحًا على ملامحها، كأنّها تخشى أن يُساءَ فهمها. حينها ابتسمتْ رينا بخفّة وقالت:
“فهمتُ، اهدئي يا ليلي.”
لم يكن ذلك لأنها واثقةٌ من براءة روز تمامًا.
ربّما كان سببُ الشبهة هو الخريطة…
فالخريطةُ كانت بحوزة روز، وبحسبِ ما وردَ فيها توجَّهت رينا إلى ملجأٍ يفترضُ أنهُ على الخريطة… لكنه كان غير موجودٍ تمامًا.
كادتْ رينا تفقدُ حياتها، ولهذا لم تستطع أن تثقَ ثقةً مطلقة بـ روز، لكنها آثرتْ الصمت.
ثمّ إنّ الخريطةَ وحدَها لا تفسّرُ ما حدث.
فالخطأُ فيها قد يُغتفَر، أمّا اقتحامُ ثعالبِ الثلج للمنطقةِ الآمنةِ فلا يمكنُ عدُّه محضَ مصادفةٍ.
كانت المنطقةُ آمنةً بلا شكّ.
ولو كانت الأدواتُ السحريّةُ تعملُ كما ينبغي، لما استطاعَ ذلك العددُ من الثعالب التسلّلّ.
وحتى لو افترضنا المصادفة، ألم يكن الأجدرُ بالثعالبِ أن تفرَّ عند ظهورِ كايدن؟
فالرهبةُ المتدفّقةُ من حضوره وحدَه كفيلةٌ بإرعابِ أعتى الوحوش.
ومع ذلك، لم تهرب… بل اندفعتْ نحو رينا بشراسةٍ أشدّ.
التعليقات لهذا الفصل " 35"