كان صوته ملتبسًا كالأحاجي.
ماذا قصد بقوله إن هذه اللحظة طال ترقّبها؟
كانت عيناه لا تزالان معلّقتين بهيس ببرودة، لكن بإصرار لا ينكسر.
وسط هذا الضباب من الأسئلة، لم تجد هيس حقيقة واحدة تتيقّن منها إلا:
ديـر كاسلوت، ذلك النبيل المتكامل في الظاهر، يكنّ لها كراهية عميقة.
وللأسف، منذ النظرة الأولى التي التقت فيها عيناهما، أدركت هيس أمرًا لم تكن تعلمه عن نفسها:
أنّ قلبها قد تعلّق به منذ تلك اللحظة، دون وعيٍ منها.
همست هيس بصوت مرتجف نحو ديـر:
“أعتذر عمّا بدر منّي في شاينفيل…”
“لا أفهم عمّا تتحدّثين. أراك اليوم للمرة الأولى.”
تساقطت الأزهار، وحين ألبسها الخاتم، دوّت تصفيقات النبلاء الرصينة في أرجاء الكاتدرائية.
كانت لحظة بهية، مهيبة، وبعدها…
بدأت المأساة.
—
وانقضت خمسة أعوام منذ ذلك اليوم.
بعد الزواج، كان على هيس أن تندمج سريعًا في حياة قصر كاسلوت المترامي.
كان القصر أوسع بأضعاف من بيت عائلة راينويد، وأغرق في البذخ والفخامة.
لم ترَ هيس مكانًا كهذا من قبل، ولا قرأت عنه في كتاب، حتى استغرقها نصف عام لتُحسن حفظ طرقه وأجنحته.
وكانت أعباؤها بوصفها دوقة أثقل مما تصوّرت.
ومع مرور السنوات الخمس، وبعد سيل من الزلّات والمواقف المحرجة، تعلّمت هيس التصرّف برقيّ، وأتقنت آداب البلاط، لكن الطريق كان قاسيًا وشاقًا.
في البداية، عاملها الخدم بدوافع متباينة.
بعضهم همس خلفها عن أصلها المجهول، وبعضهم راقبها مترقّبًا ليختبر طباعها.
ومع ذلك، لم يتجاوز أحدهم حدود الأدب، رغم إحساسها الدائم بأنهم لا يعدّونها واحدة منهم.
كان بينهم من أبدى لطفًا، لكن حين أخفقت هيس في بعض واجباتها، ارتفعت حواجز صامتة بينهم وبينها.
حتى الخادمة الكبرى والبستاني اللذان درّباها في البدء، غدا تعاملهما معها فاترًا مع الوقت.
شعرت هيس، رغم لقبها الرفيع، كأنها دخيلة على هذا المكان.
لم تجد لها موطئ قدم بين أناس يشدّ بعضهم أزر بعض.
قد تتعامل بعض السيدات الأرستقراطيات بجفاء مع الخدم، لكن هيس لم تشأ أن تكون كذلك.
كانت تدرك أنها لم تولد في طبقة النبلاء، وأن أمامها الكثير لتتعلّمه كي تستحق لقب دوقة بحق.
وزادت سمعة دار الأيتام شعورها بالدونية، كأنها محاطة بأشواك لا تنفكّ تجرحها.
سعت ألا تُخطئ، فتوتّرت إلى حدّ الإنهاك.
كانت تعيش وكأنها في حالة استعداد دائم، تتحسّب لكل حركة وكل كلمة.
أحيانًا كانت تحسّ بسخرية خفية، وأحيانًا كأن وجودها لا يُلحظ أصلًا.
وفي النهاية، كفّت عن محاولة الاندماج.
وعلى الرغم من أنها امتلكت كل شيء تقريبًا، كانت تشعر بفقر داخلي يتجدّد كل يوم.
حتى وإن بدأ الزواج بقرار من طرف واحد، فقد بذلت هيس كل ما بوسعها لأداء واجبها.
كانت واعية بضيق أفقها بسبب نشأتها، فتعلّمت عبر الأخطاء، وكثيرًا ما ذرفت دموعها خفية من شدّة الخجل.
لكن ديـر، فيما يبدو، لم يستسغ يومًا تلك الجوانب منها.
“ليس هذا مجال تدخّلك. لا تهدري جهدك.”
“أرهقتِ نفسك في أمر تافه. دعي غيرك يتولّاه.”
لا… لا… لا!
كانت هيس تختنق من كونه يبعدها عن كل شيء.
كان ينظر إليها دائمًا بالبرود ذاته، التعبير الجامد نفسه منذ يوم الزفاف.
وجهه وسيم، لكن جبينه مشدود أبدًا، وعيناه الزرقاوان عميقتان كالجليد، وشفاهه موصدة بلا ابتسام.
كان دائم الانغماس في عالمه الخاص.
وحتى حين رغبت هيس في إصلاح أمر ما، لم يمنحها توجيهًا سوى المنع والنهي.
كان العام الأول مفعمًا بالأمل، والثاني خيبة، والثالث وحدة خانقة، والرابع يأسًا، والخامس استسلامًا تامًا.
ظنّت أنها ستبقى تحبه، لكنها لم تحتمل.
لم يضمّها قط، حتى في ليلتهما الأولى.
حتى الإفطار المشترك كان يُقضى على عجل، كأنه واجب ثقيل.
وإذا لامست يدها يدَه مصادفة، انتفض وأبعدها، ببرودة الجليد.
حقيقة لا مهرب منها: لم يحبها، ولم يحبها يومًا.
والعيش مع من يكرهك أمر يفوق الاحتمال.
كانت الفصول جميعها عذابًا:
ربيع بلا طمأنينة، صيف خانق، خريف قاحل، وشتاء قاسٍ.
أحيانًا كانت تتوهّم أن الحال سيتغيّر، وأنه قد يلتفت إليها إن اجتهدت أكثر.
لكنها كانت قد بلغت أقصى ما يمكنها بلوغه في هذا القصر.
لذلك، في صباح دافئ من أبريل، عقدت هيس عزمها على مواجهة ديـر.
“طلّقني.”
—
“…ماذا؟”
اتسعت عيناه لحظة، ثم ارتعش ارتعاشًا خفيفًا، قبل أن يعود إلى بروده المعتاد.
كانت ردّة فعله خاطفة.
لم تجرؤ هيس على رفع بصرها إليه، واكتفت بالتحديق في طبقها.
أما هو فحرّك سكينه بلامبالاة، غير أنّ شيئًا من التردّد بدا عالقًا في حركته.
على أي حال، لم يكن الأمر صادمًا لها.
كان رجلًا يلاحق شؤون عائلته بلا هوادة، ونادرًا ما ينال قسطًا كافيًا من النوم.
قد يكون الطلاق مزعجًا، لكنه ليس مستحيلًا.
وهل سيكون الأمر يسيرًا عليها؟
ربما… لا شيء مستحيل.
‘أحقًّا؟’
قررت هيس ألّا تختبر صبرها بعد الآن؛ فهي ليست وعاءً يُطرَق بلا نهاية.
“لماذا؟”
شعرت كأن ديـر يقف من جديد أمام بحيرة شاينفيل الخاوية قبل خمس سنوات.
“أنت تعرف السبب جيدًا، أليس كذلك؟”
“…نادراً ما نلتقي. تمنعني من القيام بأي شيء غير ضروري. لكلٍّ منّا غرفته. أأحتاج إلى أكثر من هذا سببًا؟”
“نعم. أنتِ على دراية بكل ذلك.”
وهذا بالضبط ما أنهك هيس.
كان يعلم كل شيء… قاسيًا في علمه وصمته.
ومع ذلك، يسأل عن السبب…
لماذا؟
“ومع ذلك، ما زلتِ تريدين الطلاق؟”
“نعم، ولهذا السبب أريده.”
شدّدت هيس على كلمة “لهذا”، دون أن تدري إن كان قصدها قد وصل.
هل يمكن اعتبار رجل يتكفّل بكل شيء، ويجعلها بلا دور ولا حاجة إلى الحب، عائلةً لها؟
وإن كانت هذه هي أيّامها القادمة كلّها، فقد قررت هيس أنها لم تعد ترغب في مواصلة هذه الحياة معه.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"