“نعم. إن لم يكن هذا حلمًا، فلربما كنا نحن أو هذا العالم قد انتهينا بالفعل.
لكن بما أنّ الموت لا يروق قلبك، أفترض إذن أنّه مجرد حلم.”
أجابت هيس بهدوء، وكأن كلماتها تسللت برقة بين نبضات القلب.
“أنت حقًا شخص سيء… كنت أسوأ عائلة على الإطلاق.
رغبت أن أعيش معك في سلام، لكنك لم تمنحني فرصة.
كنت تواجهني بحدّتك دائمًا، وتطلق أشواكك في وجهي بلا توقف.”
بدأ ديـر يشعر باضطراب داخلي، لم يفهم سبب قولها لهذه الكلمات الآن، وكان واضحًا أنّ بعض المشاعر لم تُفرغ بعد من قلبها.
والوسيلة الوحيدة لصرف تلك المشاعر كانت الأيام وحدها.
مهما حاول، لم يكن بوسعه أن يفعل ذلك بدلًا عنها.
عانق ديـر هيس بقوة، وهمس بصوت منخفض:
“لقد حللنا كل شيء بالكلمات سابقًا،
لكن إن رغبتِ في قولها مجددًا، فسأركع أمامك في أي وقت وأطلب الصفح.
هذا أبسط ما يمكنني القيام به.”
“متى حللنا الأمور بالكلمات؟ لم نتحدث حديثًا صحيحًا أبدًا.
لا أريدك أن تعتذر حتى في أحلامي.”
شعرت هيس بعدم ارتياح عند رؤية تعابيره، فقد أرادت أن تقول شيئًا مزعجًا في حلمها، لكن رؤية ديـر بهذه الانزعاج لم تكن ممتعة كما توقعت.
“مجرد… مجرد ما حدث. وما فائدة ذلك الآن؟
أنا فقط… أنا فقط أحببتك.”
اقتربت هيس من أذن ديـر، وضمه إليها بصمت، وهو ينتظر ما ستفعل.
“لقد أحببتك… كثيرًا.”
نطقت بالكلمات التي طالما أرادت قولها، وفورًا شعرت بالراحة وكأن العالم انقلب رأسًا على عقب.
ثم أدركت أنّ ما يحدث ليس مجازًا أو رمزًا، بل حقيقة واقعة.
“آه…”
بدأت غرفة النوم من حولهما تلتوي، تختلط أركانها، وكأن الأشياء تختفي وتظهر من جديد، تمامًا كما حدث قبيل نومها أثناء الإفطار.
هل ستستيقظ من هذا الحلم؟
تمنت أن يبقى هذا الشعور لفترة أطول.
امتلأت عيناها بالدموع، وعندما تراكمت على وجهها، صُدم ديـر وهزّها برفق.
“لماذا؟ هيس! بحق السماء، أرسل أحدهم الطبيب!”
همست هيس بصوت ضعيف:
“هل يمكن أن أراك مجددًا؟”
رأت وجه ديـر يشحب وهو يحتضنها، ثم فقدت وعيها.
—
“آه!”
فجأة فتحت هيس عينيها على مصراعيهما.
كانت لا تزال تمسك بالشوكة والسكين، وكل شيء كما كان قبل الحلم.
شعرت بالارتباك، وكأنّها أصيبت بنعاس مرضي أو فقدت عقلها تحت وطأة الوهم الشديد.
رغم أنّه بدا كأن الوقت قد مضى، شعرت وكأن فترة طويلة مرت بالفعل.
قفز ديـر بسرعة واقترب منها:
“هل أنتِ بخير؟ بحق السماء…”
“أنا بخير. دعني. رأسي يؤلمني قليلًا.”
استعادت هيس هدوءها، وردّت بصوت هادئ، رغم اهتزاز عينيه الشديدتين.
كان من المستحيل تصديق صوتها الرزين.
كان ديـر مذهولًا من هدوئها الفائق، ووقف ساكنًا لبعض الوقت، وبشرتها البيضاء كالماء الصافي بدت أكثر شحوبًا.
“أنتِ هادئة بشكل مدهش… أنا فقط من أصاب بالجنون.”
“كنت أشعر بدوار للحظة فقط. لا تقلق.”
“دوار فقط؟ وجهك شاحب، عيناك خاليتان من التركيز، كأن روحك غادرت، وكل ذلك مجرد دوار؟”
ابتسم ديـر بخفوت، ومسح وجهه بخشونة، بدا متعبًا بلا حدود.
“ربما كان الأسهل أن تكوني قد غفوت للحظة ورأيت حلمًا.”
ارتجفت هيس كأنّها اكتشفت شيئًا بلا ذنب، وانكمشت قليلًا.
حاول ديـر الابتعاد، وكان الطعام ما زال على الصحون، لكنه لم يشعر برغبة في استكمال الوجبة.
قالت هيس بصوت حازم، أقسى مما توقعت:
“على أي حال، أرجو منك قبول الطلاق.
أنت شاب، ويمكنك الزواج مجددًا من فتاة من عائلة راقية وحكيمة.
وبالطبع، أيًّا كان، فلن يرفض أحد اسم كاسلوت…”
توقف ديـر للحظة عند كلماتها، ثم استدار بخطوات سريعة وغادر الغرفة.
ارتدت صدى خطواته الرشيقة في الممر فترة، ثم اختفى بلا أثر.
—
تكررت الأيام على هذا النحو بعد ذلك.
لم يُبادر ديـر، وتجنب المواجهة باستمرار.
حاولت هيس تفهمه باعتبار انشغاله، لكنها بدأت تشعر بالغضب.
كما كان دائمًا، ظهر في الإفطار بانتظام، لكن الحديث أصبح أقل من أي وقت مضى، حتى تحولت التحيات إلى مجرد شكلية.
كان الجو حولهما قاسيًا، كأن عاصفة ثلجية تخترق المكان.
لم تفهم هيس سبب رفضه الطلاق، ولم تستطع عقلها الصغير إدراك أي منفعة متبقية له لدى راينويد.
ربما سينتهي الأمر بزواجهما وطلاقهما دون حل، ويعيشان هكذا طوال حياتهما، وحيدة بين الكثير من الناس، لكنها بمفردها.
شعرت هيس بالإرهاق التام.
كل ما أرادته هو البقاء وحيدة.
الحب والعاطفة بدت لها ألعاب أطفال مملة، كانت تتوق إليها يومًا، لكنها لم تعد تهتم.
أرادت فقط أن تعيش على هامش هذا اللعب، مثل نبتة برية أو زهرة في حقل، تهنأ بوجودها حتى الموت.
شعرت وكأنها سمكة عالقة في حوض، تسبح بلا طاقة، مجرد محاولة للتنفس قبل أن تستسلم للراحة على الحصى.
رغم أنّها فتحت عينيها، كانت الأيام مظلمة.
لم يحبها أحد قط، ولن تستطيع أن تحب نفسها في عالم كاسلوت.
مهما حاولت، لن يُعاملها أحد كزوجة الدوق الحقيقية.
كانت الأحلام قصيرة لكنها حلوة، وهي تعرف أنّها تبقى مجرد حلم، لا تتحقق.
“يا سيدتي، هل أنت بخير؟ تبدين متعبة.”
اقتربت الخادمة رافي بهدوء، وهي تراقب وجه هيس بينما تشرب الشاي في الحديقة.
كانت رافي الخادمة الوحيدة التي انجذبت إليها هيس منذ دخولها منزل كاسلوت.
لم يقترب أحد منها بابتسامة أو كلام ودي، سوى رافي.
كانت في أوائل العشرينيات، طويلة ونحيلة، ووجهها يحمل خطوطًا هادئة، وشعرها مربوط ببساطة، أو مقصوص قصيرًا في الصيف مثل صوف الغنم الصغير.
كانت تعامل هيس بلا تحفظ، حتى يظن البعض أنّها وقحة، لكنها كانت مقربة جدًا لهيس، التي شعرت بالفرح لذلك.
كانت عطشى للتفاعل مع الآخرين، ووجدت هناك رفيقة صادقة رغم بساطة الأمر.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"